التعذيب حقيقة قضائية

Submitted by تعذيب on Wed, 2006/03/01 - 13:15.

هل تحتاج حركة حقوق الإنسان في مصر لتقرير جديد عن التعذيب؟ وهل يمكن أن تفلح عشرات الوريقات الجديدة كسبب في حماية جسد الإنسان المصري من كافة ضروب المعاملة الوحشية التي يواجهها إذا صادف في حياته احتكاكاً بسلطات الأمن أو إذا تم الاشتباه فيه بصدد جريمة، وخاصة إذا اتسعت دائرة التهم الموجهة له لتشمل المساس بأمن الحكومة؟ وهل تحتاج المنظمات الوطنية لحقوق الإنسان إلى الدفاع عن صفتها ـ الوطنية ـ هذه عند إعدادها لأي تقرير جديد يتضمن حالة حقوق الإنسان في مصر، وهو ما يمكن أن يشتمل ضمناً على " كشف عورة "  حقيقة الديموقراطية في مصر؟

كل هذه الأسئلة واجهت مركز حقوق الإنسان لمساعدة السجناء أثناء إعداده لهذا التقرير. وبرغم تأكد أسرة المركز الشديد من أن تحسين حالة حقوق الإنسان هو أمر يتجاوز بكثير دور منظمات حقوق الإنسان، وهو يتطلب جهوداً مشتركة بين كافة قطاعات المجتمع لترسيخ ثقافة وواقع الديموقراطية، كنا نعلم أن دور التوعية  والدفاع عن حقوق الإنسان في صورة تقارير ودراسات متعمقة حول البيئة التشريعية المنظمة للحقوق والحريات هو مجرد خطوة صغيرة للديموقراطية، لكنها خطوة مطلوبة. وهي أفضل بكثير من أن يكون معنى الوطنية وحماية الدستور هو دفن الرأس في الرمال، وإلا فلتتوقف الأحزاب والنقابات وكافة مؤسسات وقطاعات المجتمع عن المشاركة في هموم الوطن.

وفيما يتعلق بتقرير آخر جديد عن التعذيب، يعتقد المركز أنه من الصحيح أن التعذيب هو ظاهرة عالمية للأسف، تستخدمها الأنظمة الديموقراطية سراً، كما تستخدمها الأنظمة الاستبدادية جهراً. وبرغم كل ذلك فإن هذا لا يعفينا من مسئوليتنا تجاه حماية القيم التي تعلنها الحكومة ليل نهار حول حقوق الإنسان والديموقراطية. وبرغم احتدام جدل شديد حول الدور الذي تلعبه المنظمات الوطنية لحقوق الإنسان في الدفاع عن حقوق الإنسان، ودراستها لقضايا" شائكة" بالنسبة للحكومة كالتعذيب، وبرغم أن النقاش حول هذا الدور ليس محله مثل هذا التقرير، إلا أن المركز يعتقد أن هناك مسئولية مشتركة على كافة فئات وشرائح الوطن للدفاع عما يمكن تسميته بالشرعية الدستورية وقيم الديموقراطية والحقوق والحريات. وغنى عن البيان أن ما يواجه ما يسمى بالحركة الوطنية لحقوق الإنسان في مصر من مسئوليات لا يقتصر فقط على وجود تحديات، سيما فيما يتعلق بأزمة الشرعية. لكن الدور المطلوب منها والقيام بما يتوقع منها من مسئوليات يتطلب قيامها بتطوير جميع  الأساليب المتبعة داخل هذه الحركة نفسها وفهما عاما لما يفترض عليها القيام به في مجمل العمل الأهلي في مصر.

مثل هذا التطوير يساعدنا على أن نفهم ما يجرى في مصر من تعذيب في ضوء فهم ذلك في سياقات عالمية، وفى ضوء مدى توافر المناخ المواتي للتعذيب في مصر من عدمه.  ومثال ذلك أيضاً فيما يتعلق بانتشار العنف السياسي وما يسمى بظاهرة الإرهاب في مصر في عقد التسعينيات، وخاصة في منتصف التسعينيات. يتفهم المركز أن مثل هذه الظروف ساعدت على الانتشار السافر للقبض العشوائي والاعتقال لدوائر واسعة من الناشطين السياسيين وخاصة من تيار الإسلام السياسي. ولكن ـ وكما يعتقد المركز ـ فإن تبرير اللجوء السافر لقانون الطوارئ واستخدام التعذيب بصورة وحشية للحصول على الاعترافات بالضرورات السياسية التى كانت تمر بها البلاد هو تبرير غير سديد.  فالقضاء على الإرهاب لم يكن ليتم ـ أبداً ـ بإرهاب آخر تمارسه الدولة على الناشطين السياسيين، وبممارسة ابشع أنواع الجرائم في غياهب النسيان ، حيث لا توجد أي شرعية وأي رقابة إلا شرعية الجلادين.

 كانت هناك أسباب كثيرة تدعونا لإعداد تقرير جديد مختلف عن التعذيب، على الرغم من المجهود السابق للمؤسسات الوطنية لحقوق الانسان، وبرغم أن المركز قد سبق أن أعد تقريراً مماثلاً عن التعذيب في يناير 1999  من خلال دراسة 190 قضية بالتعويض المدني عن أعمال التعذيب، بل وقد سبق أن  تم تناول الموضوع في العديد من التقارير التى أصدرتها بعض المنظمات الجادة ذات المصداقية كمنظمة العفو الدولية. فقد أشار تقرير منظمة العفو الدولية السنوي )1( في الجزء الخاص بمصر مثلاً إلى أن التعذيب المنظم قد استمر في مباحث أمن الدولة، في الإدارة العامة وفى فروعها بالمحافظات المختلفة وفى أقسام الشرطة. كما ورد أن أكثر وسائل التعذيب انتشاراً وشيوعاً هي الصعق بالصدمات الكهربائية، والضرب والتعليق من المعصمين والكاحلين، وأشكال متعددة من التعذيب النفسى، ومنها التهديد بقتل المعتقل، أو اغتصابه، أو إيذائه جنسياً، أو التهديد باغتصاب قريباته أو إيذائهن جنسياً.


( categories: )