الشرطة تعذب الشعب... والشعب يعاقب الشرطة

Submitted by تعذيب on Tue, 2009/06/09 - 19:43.
 
 المعتاد هو أن يقوم شرطي بتعذيب مواطن أو اختطافه واحتجازه بشكل غير قانوني، لكن محافظة المنصورة (شمال مصر) شهدت العكس خلال الأسبوع الماضي، فقد اختطف مدنيون ضابط شرطة تحت تهديد السلاح الأبيض، واقتادوه إلى قريتهم وسرقوا متعلقاته وأوسعوه ضربا، ثم تركوه في الشارع وحيدا بعد الإستيلاء على سيارته.
 
 
الحادثة تدعو إلى الإندهاش من لدرجة التي ضاعت فيها هيبة جهاز الشرطة المصري، الذي اشتهر باستخدام القسوة مع المتهمين وأقاربهم. فمصر هي الدولة التي تصفها التقارير الحقوقية الدولية بأنها من الممارسين للتعذيب المنهجي والمتسامحين مع مرتكبي هذه الجريمة، والتي درج أهلها على تسمية ضابط الشرطة «باشا»!، ربما لما تحمله الكلمة من اعتراف ضمني بسلطته. لكن اليوم، صار هذا «الباشا» مصابا بجرح قطعى وكدمات عديدة، مجردا من النقود وملقى على قارعة الطريق.
 
ووفقا لما ورد في تحريات جهاز المباحث حول هذا الحادث، فإن ثلاثة رجال كانوا يستقلون دراجة نارية، واصطدموا بسيارة الضابط، فقاموا بضربه وخطفه تحت تهديد السلاح ونقلوه إلى منطقة سيطرتهم وهناك اعتدوا عليه بالسلاح الأبيض وتركوه غارقاً فى دمائه وسرقوا ما يحمله من نقود وهاتفه المحمول وفروا هاربين. وتمكن الضابط من الاستغاثة بأحد زملائه عبر هاتف عمومي، لتصل الشرطة وتفتش عن المتهمين وتضبطهم، واعترف المتهمون الثلاثة بما ورد في التحريات.
 
 
وفور نشر الخبر، انهالت التعليقات على مواقع الصحف، يعبر معظمها عن الشماتة في الضابط الذي يمثل جهازا دأب على استغلال المواطنين وانتهاك حقوقهم، وتوقع آخر أن «الأسوأ قادم لا محالة» طالما أن المسؤول عن أمن المجتمع غير قادر على تأمين نفسه. وكتب أحد القراء على الموقع الالكتروني صحيفة «اليوم السابع» إنه «حين تخلت الشرطة عن دورها الحقيقي فى حمايه الآمنين من الشعب واستأسد أفراد من النظام على الشعب، أصبح طبيعيا أن يستأسد الشعب عليهم»، وعلّق أحدهم «الثعبان قتل الحاوي» شارحا أن هؤلاء الجناة هم صنيعة الضباط الذين تركوهم في المجتمع دون عقاب. وقارئ آخر أكد أن الموقف نفسه تكرر مؤخرا في محافظة الشرقية (دلتا مصر) ولكن لا احد يعلم عنه شيئاً لأن الضابط لم يبلغ عما تعرض له، خوفا على هيبته.
 
غير أن الجدل لم يستمر طويلا، فما إن تمت إحالة المتهمين للنيابة، إلا وتراجعوا عن كل ما اعترفوا به، ليقدموا رواية جديدة للواقعة، ذاكرين رواية جديدة مفادها أن سيارة الضابط صدمت دراجتهم النارية، فسقطوا وجرح أحدهم، فطالب الاثنان سائق السيارة بتعويضهم واصطحاب ثالثهم إلى المشفى، ولم يكونا وقتها قد عرفا بعد أنه ضابط شرطة. وحاول الضابط الفرار عندما رأى ثالثهم غارقا في دمائه، فهدده الآخران بمطواة، وجرحوه في قدمه، ثم ذهبا معه إلى المشفى ثم إلى أحد ورش التصليح لتقدير الخسائر في الدراجة النارية، ووقتها فقط عرفوا أنه شرطي، فتركوه!
 
أما ما دفع المتهمين إلى الاعتراف ـ قبل ذلك ـ باعتدائهم على الضابط فهو تعرضهم للتعذيب الشديد، وهو ما ذكروه في تحقيقات النيابة، وأكده محاميهم في الصحف، حيث قال إنهم «تعرضوا لكافة أشكال التعذيب» وإنه أثبت ذلك فى محضر التحقيقات ولكن النيابة رفضت التحقيق فيها، وهو ما برره بأن وزارة الداخلية اعتبرت القضية تمس هيبة الشرطة. الشيء نفسه قالته والدة المتهمين، لتكشف أنه تم القاء القبض عليها وابنتها، حيث هدد رئيس المباحث والمأمور باغتصابهما ما لم يسلم ابناؤها أنفسهم ويعترفوا باختطاف الضابط والاعتداء عليه.
 

وتبدو الروايتان قابلتين للتصديق!، فما قاله المتهمان ووالدتهما جريمة تحدث يوميا بشكل روتيني في أقسام ومراكز شرطة محافظات مصر، وهو ما تذكره منظمة «العفو» الدولية لحقوق الإنسان في تقاريرها التي تناولت مصر. فلا تخلو هذه التقارير من عبارة «يمارس التعذيب في مراكز الاعتقال المصرية على نطاق واسع وبصورة روتينية». وتتجاهل الحكومة المصرية الشكاوى التي تقدمت بها هذه المنظمة الحقوقية الكبيرة، وهو ما دفع هيومان رايتس ووتش إلى إعلان استيائها من ذلك صراحة.

ووفقا لتقرير للجمعية الوطنية للدفاع عن الحقوق والحريات، فإنه خلال العام الماضي 2008 سقط 20 ضحية تعذيب وقتل وهتك عرض، فقط داخل قسمي شرطة أول وثاني في محافظة المنصورة التي شهدت هذه الحادثة. وأورد التقرير نفسه استخدام جميع أدوات التعذيب ضد النساء والرجال والأطفال، وتنامي ظاهرة الاعتداء البدني والجنسي على الفتيات والتهديد بهتك عرض الأمهات والأخوات لانتزاع اعترافات من محتجزين في قضايا لا علاقة لهم بها، وسط تواطؤ وتراخ شديدين من قبل جهات التحقيق والطب الشرعي أحياناً، وفقا لما أورد التقرير.
 
وسبق أن كتب أكثر من ضابط شرطة سابق عن الخلل في علاقة المواطن بالشرطة، والطريقة التي تبرئ بها أكاديمية الشرطة ووزارة الداخلية رجالها. أشهر هذه الكتب هو «اعترافات ضابط في مدينة الذئاب» لعميد الشرطة المتفاعد محمود قطري، ويحكي فيه عن الأسلوب المتبع في أكاديمية الشرطة للتدريس للطلبة وتدريبهم، وإلى أي درجة تعتمد الأكاديمية على جرح كرامة الطالب بزعم إكسابه مزيداً من الخشونة. وكتاب «عشان ما تتضربش على قفاك» للضابط السابق عمر عفيفي، الذي يقدم فيه نصائح للمواطن عن كيفية التعامل مع ضابط الشرطة في حدود القانون، حتى لا ينتهك الشرطي أياً من حقوقه. غير أن الكتابين تعرضا للمصادرة، وتمت ملاحقة مؤلفيهما، فأقامت وزارة الداخلية أكثر من دعوى قضائية ضد قطري، بينما تمكن عفيفي من السفر إلى خارج البلاد قبل أن تبدأ ملاحقات الوزارة له.
 
أما مسألة أن يعاقب الشعب الشرطة، فهي ظاهرة في تنام مستمر بمختلف أقاليم مصر. ففي نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، احتجزت مجموعة من بدو سيناء قرابة 30 شرطيا في احدى نقاط الشرطة، بعد ان لقي ثلاثة من البدو حتفهم وأصيب ضابط وثلاثة جنود في اشتباكات بمنطقة حدودية مع اسرائيل.
وقبلها بشهر واحد، حاصر أهالي مدينة «سمالوط» بصعيد مصر مركز الشرطة وأحرقوا سيارة تابعة للشرطة، ورشقوا الضباط والعساكر بالحجارة، مما أدى الى اصابة مأمور مركز شرطة سمالوط، وذلك بعد أن ركل ضابط شرطة سيدة حامل بعنف حتى ماتت. وفي الصعيد أيضا، تسبب مقتل أحد المواطنين على يد ضابط شرطة في تجمع عشرات السكان من مدينة أسوان ومطالبين بالقصاص، حيث أضرموا النيران في إطارات السيارات وهتفوا ضد رجال الشرطة، وبدا ان المحتجين كانوا مستعدين لمزيد من المعاقبة للشرطة التي استخدمت الغاز المسيل للدموع لتفريقهم، بل أنها أطلقت الرصاص، مما أدى الى إصابة بعضهم، وهو ما ردّ عليه الأهالي بالقاء الزجاجات الفارغة والحجارة.
 
وفي الدلتا (شمال مصر) تجمع المواطنون بشكل تلقائي في أحد الميادين الرئيسة، للمطالبة بمعاقبة ضابط صفع فتاة بعد أن تشاجر مع خطيبها، وذلك أثناء مرورهما في الشارع! وأغلق المواطنون الميدان لمدة ساعة ونصف الساعة، وتوقفت الحركة المرورية تماما.
 
وفي القاهرة، تعرض أحد طلاب الكلية الحربية للاعتداء البدني واللفظي داخل قسم الشرطة بحي حلوان (جنوب العاصمة) في شهر مارس/آذار الماضي، فتجمع طلاب الكلية وأمطروا قسم الشرطة بالحجارة، ليتسببوا بخسائر مادية جسيمة وإصابات بين أفراد الشرطة.
 
 
ومؤخرا شهدت منطقة «منشية ناصر» الشعبية بالقاهرة واقعة مقاومة جماعية للشرطة، عندما جاءت قوات الأمن لقتل جميع الخنازير الموجودة في المزارع المنتشرة بهذا الحي، بعد انتشار انفلونزا الخنازير!، فكان الأهالي في استقبالها بالزجاج والحجارة والعصّي، بل وقنابل الملوتوف، ليتسببوا في إصابة أكثر من ثمانية ضباط. وهو ما يعكس اهتزاز هيبة جهاز الشرطة، التي فشلت في تأمين تنفيذه لمهمة يتعامل خلالها مع مدنيين، حتى مع استخدامه قوات إضافية بلغت 20 سيارة أمن مركزى و10 سيارات شرطة والعديد من السيارات المصفحة وقرابة 20 سيارة مطافئ وإسعاف، وفقا لتصريحات مسؤولين أمنيين. ووصول مدير أمن القاهرة ومساعد أول وزارة الداخلية، الذي لم يجد حلا سوى الاستعانة بأحد رجال الدين بكنيسة منشية ناصر «للتفاوض» مع الأهالي!!.
 
في عام 2006 ألزمت محكمة مصرية أمس وزارة الداخلية بالعودة إلى شعار «الشرطة في خدمة الشعب»، واعتبرت تغيير جهاز الشرطة لشعاره تنكراً لمقصد المشرع في الوظيفة الأساسية لجهاز الشرطة. لكن المواطن لم يشعر بتغيير الشعار الذي صار يردده ساخرا، أمام الأخبار المتزايدة عن المخالفات الشرطية التي أبسطها تلقي الرشاوى وفرض السيطرة، انتهاء إلى جرائم التعذيب حتى الموت. ليصبح الموقف الآن اضطراب قيمة «الشعب» و«الشرطة» و«القانون» وهو ما يعني وقوع كارثة أمنية واجتماعية، أو ـ بمنظور أكثر تفاؤلا ـ تغييرا كبيرا .
 
   
    

Tags for الشرطة تعذب الشعب... والشعب يعاقب الشرطة