
ليمان أبو زعبل.. عندما تفاوضك إدارة السجن علي «صابونة» كي تفض
Submitted by تعذيب on Wed, 2008/06/25 - 21:44.
يقع ليمان أبو زعبل علي بعد 30 كم شمال القاهرة. فيما تقع بوابة المنطقة التي تشمل ثلاثة سجون ضخمة علي طريق بلبيس في مواجهة ترعة الإسماعيلية.
تندر الشهادات التي تصف تفاصيل المكان من الداخل. لذا رصدت «البديل» عددا من شهادات المعتقلين السابقين في الليمان وسألتهم عما حدث. يقول عصام محمد صبيح الذي قضي فترة اعتقال في الليمان تصل إلي 3 سنوات" لن تجد أحدا يستطيع وصف جميع عنابر الليمان فمن لحظة القبض علينا يغطي العساكر أعيننا بقطعة قماش قذرة ولا ترفع إلا داخل الزنزانة. وفي سيارة الترحيلات فوجئت بالجميع يبحث في ملابسه عن قطعة قماش أو يمزق جزءا من ملابسه لعمل الغماية. فارتبكت وكانت أول مرة اعتقل فيها ولم أعرض علي محاكمة. سألت أحد الإخوة عن الأمر فقال لي: «هنا اللي يفتح عينه تروح. حط الغماية وادعي توصل الزنزانة حي.»
يضيف صبيح " كانت زنزانتي رقم 9 في عنبر 3 ب.. الزنزانة بمساحة واحدة «2.5 في 5 أمتار» ذات جدران أسمنتية والإضاءة عبارة عن ثلاثة أعمدة نيون في ممر العنبر وكل زنزانة بها ما بين 15 إلي 25 معتقلا هذا في الأوقات العادية أما في أوقات الذروة وبعد حملات القبض العشوائية فإن الزنزانة تستقبل ما بين 40 إلي 60 سجينا محشورين ينامون وقوفا ويلقي بعضهم في الممر. وفي وسط العنبر توجد غرفة بدون أبواب يستخدمها السجناء في الاستحمام الجماعي حسب التعليمات. وحسب ما سمعت كانت هذه الغرفة في السابق مبيتا لبعض أفراد الحراسة (الخدمة). ثم تحولت لحمام جماعي بعد أن تفشي الجرب بصورة مرعبة داخل الزنازين. حيث الماء والصابون سلعة غالية ولا يحصل عليها إلا من له علاقات مع الإدارة!
فقد حدث ذات مرة أن ساوم الرائد كريم لطفي أحد الإخوة علي فض إضراب كان يعتزم تنظيمه مع مجموعة من المعتقلين مقابل أن يحصلوا علي صابونة يستخدمونها بالتناوب في الاستحمام لمدة ربع ساعة وبشكل جماعي.
من ناحية أخري لم يهدأ بال بعض المعتقلين بقانون العزل داخل العنابر. فالبعض لم تزل لديه إرادة لمقاومة العزل والسجن نفسه. ففي 1991 حاول تسعة من أعضاء تنظيم الجهاد المعتقلين في ليمان أبو زعبل الهرب. وفشلت المحاولة. بالمقابل ارتفعت أسوار السجن لتتعدي 6 أمتار جميعها مكهربة كما تم تزويد السجن بقوة من الكلاب البوليسية.
كانت محاولة الهرب سببا في تكدير جميع المعتقلين في الليمان فحسب شهادة صبيح "كانت المعاملة في منتهي القسوة والضرب بالشوم والكابلات والعصيان المكهربة. لم نكن نعرف سبب الضرب في البداية. فبدأت حملات تفتيش يومية علي العنابر وكل مرة نخرج ونقف نظام مع الضرب والسباب لساعات طويلة. ثم تسرق متعلقاتنا ويحقق مع البعض بصورة يومية يتعرضون خلالها لتعذيب بدني ونفسي مهين وصل إلي حد التهديد بالقتل والاغتصاب. بعدها انفلت لسان أحد العساكر أثناء الضرب وعرفنا بعد يومين تقريبا بخبر محاولة الهرب. فحول بعض الإخوة حياة التسعة الذين خططوا للهرب إلي جحيم حقيقي. العساكر تضربنا الصبح والإخوة يضربونهم بالليل".
كل الطرق تؤدي إلي "أبو زعبل"
"غالبية المعتقلين في أبو زعبل لا يعرفون سبب وجودهم فيه" كانت هذه هي العبارة التي بدأ بها ناصر السيد أبو شنب شهادته لـ«البديل» حول أسباب الاعتقال. يقول أبو شنب "لم أكن يوما عضوا في أي تيار سياسي وما أعرفش إيه السياسة أصلا أنا سمكري سيارات وكنت وقتها شابا عمري 19 سنة. وغاية الأمر أنني تشاجرت مع بعض السنية في قريتي- قطور غربية -. وانتهت المشكلة عند هذا الشجار وتدخل أولاد الحلال فذهبت للمنزل . بعد ساعتين علمت أن قوات كبيرة حاصرت المسجد الذي يجتمعون فيه وألقت القبض علي عدد منهم. ولم يمر علي اعتقالهم سوي 4 أيام حتي فوجئت بحملة مماثلة تقتحم بيتي والضباط يصرخون في أمي. فقبضوا علي واقتادوني للشعبة بشارع النادي بطنطا وهناك عرفت أني مقيد علي قائمة الاشتباه".
يضيف ناصر أبوشنب "احتجزت 41 يوما في الشعبة. ثم ذهبوا بي للتحقيق وكان جميع المعتقلين موجودين. هناك عرفت أن الخناقة معهم في ذلك الوقت كانت سببا للاشتباه. فالأمن ظن أنني أحد أعضاء الجماعة المنشقين عنهم خاصة أن الأخ الذي تشاجرت معه حاول الانتقام مني. بعدها رحلت لليمان وهناك وصلت للمأمور فقلت له : يا باشا انا سمكري. وما عملتش حاجة وورايا كوم لحم. فرد علي وانا ضابط ومعملتش حاجة وورايا كوم لحم. إنت فاكر نفسك لوحدك هنا ولا إيه؟"
طاف ناصر في زنازين عنبري 3 ب وعنبر 2 حيث تعرض في الأخير لعملية تعذيب بشعة أصابته بعرج دائم في الساق اليمني وحالة عصبية استمرت ثلاث سنوات داخل السجن .و بعد 11 عاما من الاعتقال والتعذيب أفرج عن ناصر عام 2004 وحتي الآن يعيش محروما من العمل والسفر بل وحتي الحصول علي بطاقة شخصية.
عنابر الموت
حكايات أشبه بالأساطير تروي عن مبني خلفي داخل إطار الليمان يحده من اليمين عنبر التأديب ويطلق عليه المعتقلون "عنبر الموت" غالبية نزلائه ممن ألقي القبض عليهم خارج مصر. أشهرهم علي الإطلاق مجموعة من القياديين الذين سلمتهم ألبانيا وباكستان للسلطات المصرية فيما عرف بقضية «العائدون من البانيا» حيث تسلمت الداخلية 107 قيادي من الخارج فحكم علي بعضهم بالمؤبد والبعض وصل للإعدام في القضية رقم 8 لسنة.
عنبر الموت الذي سقط فيه عشرات القيادات المسلحة خاصة من جماعة الجهاد. فبعد فشل مبادرة متولي الشعراوي وبعض علماء الازهير في الوصول لنقطة اتفاق بين الجماعات والدولة بدأت سلسلة من المحاكمات العسكرية ضد أعضاء الجهاد والجماعة الإسلامية حكمت علي العديدين بالإعدام. جاءت قضية العائدون من البانيا - رقم 8 لسنة 1998 - لتزيد الطين بله فظهرت البدل الحمراء في قاعات المحاكم وعامل الجميع داخل السجن نزلاء العنبر باعتبارهم موتي يتحركون علي الأرض.
فخلال نفس الحقبة - من 91 وحتي 99 - انفجرت المواجهات الأكثر شراسة بين الجماعات الإسلامية وأجهزة الأمن. وحسب تقرير مركز مساعدة السجناء فإن تلك الفترة شهدت سقوط 1372 قتيلا منهم 368 من رجال الأمن و512 من أعضاء الجماعات فضلا عن 92 سائحا و399 مواطن. في تلك الفترة شهدت السجون المصرية خاصة الليمانات عمليات تعذيب وإعدام واسعة النطاق. فدخل مئات من أعضاء الجهاد ليمان أبوزعبل وخصص لبعضهم زنازين انفرادية في عنبر الموت حيث ارتدوا فور دخولهم البدل الحمراء باعتبار المحاكمة تحصيل حاصل.
ورغم أن موجة العنف داخل ليمان أبي زعبل انحسرت كثيرا في مطلع الألفية خاصة مع تفرغ الداخلية لمبادرة وقف العنف مع الجماعة الإسلامية. إلا أن الظروف بالنسبة للمعتقلين في عنبر الموت لم تتغير كثيرا فنشطت الداخلية بالتعاون مع باكستان والسعودية والولايات المتحدة واليمن في إلقاء القبض علي قيادات الجماعات الإسلامية وخاصة الجهاد في الخارج فتم ترحيل عدد كبير منهم للسجون المصرية. فبعد أن فشلت الداخلية في إلقاء القبض علي أحمد حسني الديودار سواء في السودان أو باكستان -قتل بعد ذلك في اليمن وفق عملية يمنية مصرية -فإن الداخلية نجحت في اختطاف شقيق الظواهري وكل من محمد عبد الرحيم الشرقاوي عام 1995 -باكستاني الجنسية - وأحمد السيد النجار أحد أبرز المنظرين العسكريين لتنظيم الجهاد ليودع عنبر الموت محكومًا بالإعدام لمدة سنة ونصف انتهت في آخر أكتوبر 2004 بعدها لم يعثر له علي أثر.
في هذا العنبر تحديدا لم يكن أحد علي علم بما يحدث فيه. فبدأت الجهاد في التفسخ داخليا فظهرت الخلافات التنظيمية القديمة بين نبيل نعيم الذي يعتبر نفسه الوريث الشرعي للظواهري من ناحية ومجموعة مجدي سالم. الأول عرف سر عنبر الموت فبدأ عام 2004 في التفاوض مباشرة مع الأمن بتشجيع مجموعة الشيخ أمل عبد الوهاب وظهر دور منتصر الزيات كوسيط محتمل من الطرفين. في نفس الوقت فإن المعتقلين المختطفين من دول أخري مثل النجار والشرقاوي وأكثر من 60 قياديا من الجهاد دخلوا في دوامة العنف داخل السجن مع الشرطة فبدأت سلسلة من التحرشات وعمليات التعذيب بالمقابل لجأ سكان عنبر الموت لتسريب بيانات عن أعداد القتلي خلال عام واحد منذ بداية المبادرة. فظهرت رسالتهم في موقع «مصريون ضد التعذيب» بتاريخ 8/12/2005 لتناشد المنظمات الحقوقية والرأي العام للتدخل "للمطالبة بإجراء تحقيقات نزيهة حول ملابسات موت 19 حالة لشباب إسلامي دون الكشف عن الأسباب الحقيقية للوفاة" وأرفقت الرسالة باسماء وعناوين 19 ممن توفوا في السجن. فضلا عن 24 آخرين وصفتهم الرسالة بأنهم "يقتربون من الموت". في ظل هذا الوضع انفجر سجن الليمان بمن فيه وظهر للإعلام ما الذي في العلبة بالضبط.
صداع الداخلية.. المعتقلون لم يفقدوا الأمل
بدأت قصة الإضرابات في أبو زعبل فيما بعد إطلاق المبادرة عام 2004. قبلها كان للجماعات أوراق أخري مثل احتجاز الضباط أو تعقب القائمين علي التعذيب خارج السجون. أما بعد الانقضاض الأمني واتساع دائرة الاعتقال والتعذيب والخطف. ظهر أن الإضرابات هي الوسيلة الوحيدة لتفادي التعذيب أو علي الأقل التخفيف منه.
فتحت ضغوط حقوقية ودولية كبيرة فتح ليمان أبي زعبل للزيارة بعد أن ظل مغلقا 4 سنوات كاملة
لا أحد يعلم شيئا عما يدور بداخله. بدأ السجن في استقبال أهالي المعتقلين للزيارة التي لا تتجاوز 15 دقيقة في أحسن الظروف مع التشديد علي منع دخول أي شيء من الخارج مهما كان.
رغم ذلك بدأت الشهادات تخرج للنور من المعتقل وعرفت طريقها لوسائل الإعلام. كان أشهرها عام 2006 حين قام 160 معتقلا بالإضراب عن الطعام وكتابة لائحة بالمطالب لإدارة السجن. وهو الأمر الذي أزعج الداخلية كثيرا فوصول أصوات المضربين لوسائل الإعلام أضر بمحاولات ترقيع الوجه الأمني. فجاء رد الأمن عنيفا. فحوصر العنبر ومنعت الزيارات وتم تجريد المساجين من ملابسهم وضربهم بالكابلات والعصي وتعرض بعضهم للصعق بالكهرباء. في المقابل صمد المعتقلون في أبو زعبل ورفضوا فك الإضراب رغم أن وزارة الداخلية نشرت بيانا تؤكد فيه عدم وجود إضراب أو معتقلين بهذه الأسماء من الأصل. وأمام هذا العناد طلب المعتقل محمد عبد الرحيم الشرقاوي - المرحل من باكستان وحامل جنسيتها - في رسالته للمرصد الإسلامي بلندن نقله للسجون الإسرائيلية أو جوانتانامو.
طلب محمد الشرقاوي المكني بـ "أبو عبد الرحمن الإلكتروني" لم يلق القبول وكان جزاء تصريحه الإعلامي شديد البشاعة فمنعت عنه الزيارة والأدوية حتي شارف علي الموت. من ناحية أخري اختفي ابنه عبد الرحمن في 21/1/2008 بعد أن قامت قوات الأمن باقتحام منزله ومصادرة بعض متعلقاته الشخصية. ورغم أن مركز هشام مبارك تقدم في اليوم نفسه ببلاغين للنائب العام يطلب التحقيق في واقعة منع الشرقاوي من العلاج وتركه يموت ببطء واختطاف نجله عبد الرحمن إلا أن مصير البلاغ وكذلك المعتقلين لا يزال مجهولا
( categories: )


