أكذوبة الإصلاح الديمقراطي..المظاهرات حق بالدستور.. جريمة بالطوارئ

Submitted by تعذيب on Fri, 2008/01/11 - 14:08.

 

شهدت السنوات القليلة الماضية تصاعدا ملفتا للانتباه، من حيث كثافة وتتابع المواجهات التي جرت مابين الدولة والمواطنين في أنحاء عدة، وعلى مستويات متباينة. وقد كشف ذلك التصاعد قدرا هائلا من التوتر لدى الأجهزة الأمنية، وأظهر على الجانب الآخر تشبثا مستميتا من المواطنين المقهورين بحقوقهم الهزيلة المتبقية، والتي تتناقص تلقائيا باستشراء الفساد والقمع مع مرور الوقت.    
ربما اختلفت المفردات التفصيلية لتلك المواجهات والمصادمات المتلاحقة، لكن عنوانها العريض بقى في أغلب الأحيان واحد: محاولة شرسة من النظام لفرض واقع أكثر شراسة على المواطن.


أما لماذا ازدادت تلك المواجهات وطفت على السطح في السنوات الأخيرة فهو ما يبدو نتاجا مباشرا لتصاعد حركات الاحتجاج في الشارع المصري، تلك الحركات التي واكبت تدهورا ملموسا في الوضع الاقتصادي وانهيارا يهدد الطبقة الوسطى، وتخليا من الدولة عن دورها في توفير الاحتياجات الأساسية للمواطن بل، ومحاولات نزع ما تبقى له من حقوق وامتيازات، ذلك بالإضافة إلى الحالة السياسية "المائعة" (إن جاز التعبير) على الصعيد الداخلي، والتي ترتفع فيها شعارات الإصلاح السياسي والتوجه الديمقراطي الزائفين، بينما يتم تكريس الوضع الاستبدادي القائم بإجراءات تحايلية، أو باستعمال العنف كلما لزم.


وقد صاحب ذلك الازدياد في حركات الاحتجاج، تطور نوعي وكمي في وسائل الإعلام المختلفة من صحف مستقلة وبرامج تلفزيونية  تبث عبر قنوات خاصة غير مملوكة للدولة، بحيث صار من العسير إخفاء أنباء الاعتصامات والمظاهرات وكافة أشكال الاحتجاج التي صارت مادة إعلامية شبه يومية.
 يمكننا تعريف عنف الدولة بشكل مبسط على أنه:  "ذلك العنف المادي الذي تسخر الدولة أجهزتها للقيام به تجاه جموع من المواطنين لإخضاعهم لقراراتها دون اعتبار لمصالحهم وحقوقهم"
 ربما استطعنا أن نلحظ نقطة فارقة في تفشي عنف الدولة على الساحة بوضوح ودون مواربة، فمع حلول مارس 2003 وتحديدا يومي 20، 21  واجهت قوات لا حصر لها من الأمن المركزي، مسلحة بمئات من قنابل الغاز، وآلاف من العصي الكهربائية والكلاب المدربة جموع المتظاهرين، المحتجين على الحرب التي شنتها الولايات المتحدة ضد العراق، بموافقة مصرية ضمنية، وقد أدت المواجهات غير المتكافئة لوقوع إصابات شديدة بين المدنيين، إذ لم تكتف الدولة بحصار المظاهرات كما هو معتاد وإنما جاءت الأوامر مباشرة بضرب وسحق المشاركين فيها

 

في بدايته، ربما كان هذا العنف واسع المدى، الذي مارسته الدولة، ردا سريعا على مفاجأة لم تتوقعها الأجهزة الأمنية، إذ جاوزت أعداد المتظاهرين التوقعات، لكن استمرار الدولة في استخدام العنف والتمادي فيه بدى قرارا متعمدا، تهدف به المؤسسة الأمنية  لتأكيد إعادة بسط السيطرة الكاملة على الشارع المصري، و لترسيخ الثقافة المتوارثة لدى المواطن العادي، بأن الاحتجاج بأية وسيلة سلمية، أو محاولة فرض أية مطالب حقوقية على الدولة هو محض خيال وأن الدولة والنظام قادران على سحق من يرفض الامتثال لقواعدهما الخاصة.
لقد شهدت السنوات الأربع الأخيرة تصاعدا في وتيرة الأحداث التي قوبلت بعنف أمني متنام: عشرات من التظاهرات ردا على عدم شفافية الانتخابات واعتراضا على الاستفتاءات وعلى التدخل الأمني في المؤسسة الجامعية وفصل الطلبة واعتقالهم، قوبلت بالعنف الواسع النطاق، بل واعتقال المزيد والمزيد، عشرات من احتجاجات الفلاحين وأهالي القرى إزاء محاولات الدولة نزع الأراضي منهم بالقوة الجبرية، واجهتها الأجهزة الأمنية بقنايل الغاز وطلقات الرصاص الحي،...،اعتقالات عشوائية لا نهائية لبدو سيناء وحملات عقابية عنيفة عقب تفجيرات طابا وشرم الشيخ....،عشرات وربما مئات من اعتصامات العمال المفصولين عقب بيع المصانع والشركات الكبرى قوبلت بحصار العمال وتهديدهم بواسطة قوات الأمن..،، أما عن الاحتجاجات الرافضة لاستمرار النظام القائم والمتسائلة حول مستقبل نظام الحكم وعن حقيقة مشروع التوريث، فقد ظلت الأكثر استفزازا للمؤسسة الأمنية برغم أنها قد اتسمت بصغر عدد منظميها.
ومما يستحق التوقف عنده في هذا الشأن أيضا،  تطوير أساليب العنف الذي تمارسه الدولة، فلم يعد الأمر قاصرا على الاستعانة بقوات الأمن المركزي (التي صار وجودها في الطرقات أمرا مألوفا)، بل أيضا الاستعانة بجيش موازي من بعض المدنيين الخطرين، المدججين بأسلحة بيضاء، والذين من بينهم كذلك محترفي التحرش الجنسي..،  وأغلب الظن أن هذا الجيش الموازي قد ظهر بكامل هيئته على الساحة في يوم 25/5/2005 لقمع المتظاهرين والتحرش بالسيدات منهم أثناء الاستفتاء على تعديل بعض مواد الدستور المصري، وهو اليوم الذي اعتبره النظام (وياللسخرية) نقلة نوعية على طريق "الإصلاح الديمقراطي"، وهوإصلاح يشبه ذلك الذي تنتهجه الولايات المتحدة خارجيا وداخليا إذ يتسع ليشمل اعتقال المئات والتعذيب والتحرش والانتهاك الجنسي وكذلك التصنت على جميع وسائل الاتصال. ويبدو أن هذا المنهج قد صار ملاذا وحماية لجميع الانتهاكات التي تمارسها المؤسسة الأمنية في مصر


نورد في هذا الفصل نماذج من الأحداث التي ارتكبت فيها الدولة عنفا صارخا ضد المواطنين في المظاهرات، موثقة بشهادات عدد من الضحايا، و بما رأيناه نحن أنفسنا، وكذلك نورد العقبات التي اعترضتنا أثناء محاولة تقديم الدعم لهؤلاء الضحايا.

 


Tags for أكذوبة الإصلاح الديمقراطي..المظاهرات حق بالدستور.. جريمة بالطوارئ