
نفيسة المراكيبى
Submitted by تعذيب on Fri, 2007/12/28 - 23:18.
امرأة يفترض أنها من بين النساء اللاتي احتفلت بهن سيدة مصر الأولى يوم 16 مارس 2005.. في يوم 14 مارس 2005، أي قبل زيارتنا بيومين دخلت نفيسه إلى قسم استقبال مستشفى دمنهور. في حالة غيبوبة واحتجزت في حجرة الصدمة "بالاستقبال" حتى الساعة الواحدة صباحا بتشخيص مبدئي "صدمة للبحث" وفي الساعة الواحدة تم نقلها إلى قسم باطنه حريم - في الدور السادس – نظرا لعدم توفر أماكن في الرعاية المركزة لتتوفى في الساعة السادسة صباحا بتشخيص نهائي "اشتباه صدمة جرثومية" أي تلوث جرثومي في الدم..
حين ذهبنا إلى مستشفى دمنهور العام نستفسر عن سبب وفاة نفيسه كانت جثة نفيسه قد تركت المستشفى إلى مدفنها.. وكان ملفها قد ترك المستشفى أيضا. لماذا تموت امرأة شابة في الثلاثينات من عمرها وقد كانت قبل وفاتها بثلاثة أيام تسوق البهايم في الغيط وترعى أبناءها وأسرتها وتتقاسم مع باقي نساء القرية وأطفالها 24 ساعة من الرعب والترويع الذي تمارسه على مدى الأسابيع الأخيرة قوات الأمن المصرية نيابة عن الإقطاعي صلاح نوار؟؟.. ومن أين أتت تلك الجراثيم التي قضت عليها؟؟.. أي جروح تسببت في هذه الوفاة السريعة؟؟.. ومن تسبب في تلك الجروح؟؟.. حملنا اسئلتنا وذهبنا إلى القرية لنقدم واجب العزاء
في طريقنا إلى مدخل القرية رأينا واحدة من سيارات الأمن المركزي تأتي في الطريق المواجه.. سيارة خالية من الجنود.. خالية من الركاب.. هم إذا مرة أخرى يخلون العزبة من البوليس تحضيرا لقدومنا.. على مدخل القرية بيت نفيسه ذاته.. جمع من الرجال يجلسون خارج الدار كما لو كانوا في انتظارنا، وفي الداخل عشرات النساء المرتديات السواد.. الحزن على الوجوه.. والرعب في العيون.. ولسان حالهم يقول: لماذا جئتم.. سينكلون بنا لو تحدثنا معكم.. في زاوية من المندرة المظلمة تجلس أم نفيسة يكاد ظلام الحجرة يذوب في سواد ملابسها وسواد الهالات المحيطة بالعيون المذعورة تردد بلا انقطاع أن نفيسه قد ماتت موتة طبيعية وان أحدا لم يقترب منها وأنها أبدا لم تحجز وأنها أبدا لم يتم القبض عليها!!.. مرة ومرتان وثلاثة وكأنها شريط تسجيل يرفض أن ينتقل إلى الأغنية التالية.. الرسالة إذا وصلت.. هؤلاء القادمون من القاهرة ابتعدوا عنهم.. لا تتحدثوا معهم.. ولاتنسوا أن من قتل نفيسه يعيش بينكم منذ أسابيع وانه السطوة والقانون.. وأنه لا قانون في سراندو لغيره.. لكن المرأة الثكلى لا تعلم أننا كنا في المستشفى فتروي لنا كيف ان نفيسه ذهبت إلى المستشفى سيرا على الأقدام!! وأنها كانت بخير حتى أنها كانت تتسامر مع أختها في قسم الاستقبال!! حتى لفظت أنفاسها فجأة..
وكان لابد من الانسحاب المهذب.. بعزاء مهذب ووعد بأنه مهما كانت الظروف فإننا لن ندع حق نفيسه وأبنائها يضيع هدرا.. وفي خارج الدار كان الرجال أكثر صراحة: ما الذي جاء بكم؟ انتم تضرون الفلاحين؟ صلاح نوار مستعد للتصالح وأنتم تقفون عائقا بين الفلاحين وبين الصلح.. أنتم تقودون الفلاحين في طريق خطأ.. من بين الرجال محمد زكي المراكبي.. الوحيد الذي لم يقترب البوليس من منزله.. الوحيد الذي لم يعتقل أحد من أسرته.. يرتدي نظارة شمس أنيقة ويحدثنا عن حقوق الفلاحين التي أضعناها نحن!!
في وسط هذا التجمع الذي استقبلنا كان هناك عشرات الأطفال.. أطفال في كل مكان وكأن الأرض تطرحهم مع كل خطوة نخطوها في القرية.. الأطفال تشدنا من ملابسنا لتدلنا على البيوت التي دمرت، وعلى النساء التي عادت للتو من الحجز.. وطفل صغير يهمس بشكل متكرر: محمد عمار قتل أمي.. محمد عمار قتل أمي!! وتتوالى قصص النساء.. هؤلاء اللاتي خرجن في نفس اليوم يتحدثن عن أماكن مظلمة بدون فرش.. بدون غطاء أمضين فيها أيام.. نمن فيها على الأرض الباردة الرطبة.. وتعرضن فيها للإهانة والتحرش الجنسي والسب والضرب ليعترفن عن أماكن الهاربين من رجال القرية..
أخذوهن من منازلهن معصوبي الأعين فلا يعلمن إلى أي مكان أخذوهن.. ثم أطلقوا سراحهن معصوبي الأعين أيضا وتركوهن على الطريق العام حيث حاول ضابط الترحيلات أن يعطي كل واحدة منهن خمس جنيهات!!! لتركب إلى منزلها لكنهن جميعا رفضن ووجدن على الطريق "أولاد الحلال" الذين أوصلوهن إلى أقرب نقطة للقرية.. واحدة منهن تبكي في كل مرة تحاول أن تحكي لنا فيها ما فعلوه بجسدها.. واحدة أخرى صامتة لا تريدنا أن نذهب لكنها أيضا لا تريد أن تتحدث، وتصرخ حين تسمع "دوشة العيال" خارج المندرة..
واحدة ثالثة تقف بعيدة.. تحدثنا عن بعد غير مدركة إن المسافة لا تسمح لنا بأن نسمع ما تقول.. تحكي وتبكي وترفع يدها كلما حاولنا الاقتراب: "قالوا لنا هيبهدلونا لو اتكلمنا معاكم".. نساء على الطريق يسيرون في مقابلتنا يهمسون "المخبرين وراكم خللوا بالكم.. صلاح نوار إداهم فلوس عشان يسكتوا.. خللوا بالكم" ويسيرون وكأنهم لم يرونا.. امرأة تسحبنا إلى دارها لنلتقي مع واحدة ممن خرجوا في نفس اليوم وتستأذن لدقيقتين ثم تعود لتلملم الأشياء القليلة في قفة وتغلق شبابيك المنزل وتستأذننا في أن نغادر فقد قال لها أحدهم: "والله لينفخوكي النهارده بالليل على الناس اللي دخلتيهم عندك". امرأة أخرى تحكي لنا كيف كانت تقضي الليالي خوفا من البوليس.. كيف كانت تذهب إلى المستشفى في وقت الزيارة ثم تدفع لواحدة من المرضى في قسم الحريم جنيها أو اثنين لتوافق على استقبالها مسافة سواد الليل كمرافقة لها.
وأخيرا التقينا مع سيدة كانت مع نفيسه في الحجز.. شاهدة عيان على ما حدث.. أو على الأقل على جزء منه: "أخدونا مع بعض.. ونفيسه كانت منقبة.. شدوا النقاب من على وشها وضربوها والضابط قال لها دانتي طلعتي سودا وكنت فاكرك بيضه.. ومسكها من جسمها وقعد يضرب فيها وبعدين اخدها في مكان تاني وما شفناهاش بعد كده بعدين عرفنا انها ماتت!!!!!"
الأخريات يتشجعن على استكمال الرواية.. "نفيسه خرجت يوم الاتنين وكانت حالتها صعبة خالص وكانت بتصوت طول الوقت وبييجي لها تشنجات بعدين غابت ودخلوها المستشفى وماتت!!" يا لها من وفاة طبيعية.. هكذا اذا ماتت نفيسه.. دخلت على قدميها إلى أماكن الحجز التي لا يعلم مكانها سوى محمد عمار ورجاله وخرجت من هناك إلى المستشفى ثم إلى القبر..
( categories: )


