
والتعذيب فى أمن الدولة
Submitted by تعذيب on Fri, 2007/12/28 - 21:44.
أمن الدولة في حماية الطوارئ
صدر قانون الطوارئ رقم 162 لسنة 1958 في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. ولم يطبق قانون الطوارئ فعليا إلا في الخامس من يونيو عام 1967. وقد استمرت حالة الطوارئ لمدة ثلاثة عشر سنة حيث ألغيت في الخامس عشر من مايو 1980. ولكن لم تستمر البلاد طويلا بدون الطوارئ فقد عاد العمل بقانون الطوارئ مرة أخري في أعقاب اغتيال الرئيس السابق أنور السادات في 1981 واستمر تجديده حتى التجديد الأخير في عام 2006.
ويمنح قانون الطوارئ سلطات واسعة للأمن في الاعتقال والقبض العشوائي تحت مسمي الاشتباه، وقي ظل حكم الطوارئ وصل عدد المعتقلين لقرابة العشرين ألف معتقل، أكثر من نصفهم معتقلين سياسيين، طبقت عليهم سياسة الاعتقال المتكرر حتى قضي الكثير منهم أكثر من عشرين عاماً خلف الأسوار علي الرغم من الأحكام المتكررة بالإفراج عنهم.
وفي ظل الطوارئ أطلقت يد الشرطة وجهاز أمن الدولة في تعذيب المعتقلين والمحتجزين، وفي احتجاز الرهائن وتعذيبهم، وأحيل المخالفون في الرأي لنيابة أمن الدولة العليا طوارئ التي اعتادت إساءة استخدام سلطاتها في الحبس الاحتياطي حتى أصبح الحبس الاحتياطي عقوبة بذاته.
وبموجب قانون الطوارئ أنشئت محاكم أمن الدولة العليا طوارئ وأحيل المدنيين للمحاكم العسكرية التي تفتقر لأبسط قواعد المحاكمة العادلة كما تفتقر لحق الطعن في أحكامها أمام درجة قضائية أعلي، والتي أهملت دعاوى التعرض للتعذيب في كثير من القضايا. ويمنح قانون الطوارئ للسلطات الأمنية الحق في إلقاء القبض علي المشتبه فيهم متى شاءت، ويستمر الاعتقال فترات طويلة دون محاكمة، وغنى عن البيان أن السلطات تلقي القبض على المواطنين في تجاوز لقانون الطوارئ نفسه.
ومع استمرار العمل بقانون الطوارئ تحللت السلطات من كل القيود الدستورية والقانونية الخاصة بحقوق المواطن أثناء القبض عليه وبعده، وتضخم جهاز أمن الدولة حتى أصبح هو اليد العليا في الوطن والسلطة الحقيقية التي تتحكم في جميع مؤسسات الدولة. وعادة ما يصدر الضباط تصريحات بهذا المعنى للمقبوض عليهم وهي التصريحات التي تفيد أنهم السلطة الوحيدة وأنهم فوق القانون والدستور.
كما لا تخبر السلطات المقبوض عليه بسبب اعتقاله ولا تخبر أهله بمكانه لفترات طويلة، وفي الأغلب تكون فترات اختفاء المقبوض عليه هي الفترات التي يحتجز فيها المواطن في أجهزة أمن الدولة ويتعرض خلالها لأبشع أشكال التعذيب البدنى والنفسي. ويعطي قانون الطوارئ السلطات الحق في منع التظاهر ومنع الاجتماعات والتجمعات العامة. ويمنح قانون الطوارئ السلطات الحق في الرقابة علي الصحف وإغلاقها تحت مسمي "دواعي الأمن".. وبنفس القانون يتم الاستيلاء علي سيارات الأجرة وتسخيرها بسائقيها لأغراض المؤسسات الأمنية ومن يعترض يتعرض للتعذيب البشع لعصيانه أوامر السلطات.
وبعد تفجيرات دهب 2006 قامت السلطات بعزل شمال سيناء عن جنوبها واعتبار منطقة وسط سيناء منطقة عسكرية وهي إجراءات لا يمكن أن تطبق إلا بمقتضى قانون الطوارئ.
وعلي الرغم من ادعاء رئيس الجمهورية أن حالة الطوارئ لا تستخدم إلا في مواجه الإرهاب والمخدرات، وأن الحزب الحاكم بصدد إصلاح ديمقراطي ومراعاة لحقوق المواطن، إلا أننا رصدنا ازدياد العنف في مواجهة أصحاب الرأي بشكل هستيري، فألقي القبض علي آلاف المتظاهرين وتعرض الكثير منهم للتعذيب في مقار أمن الدولة، وأقسام الشرطة، والسجون. ورأينا - بالذات بعد احتلال العراق- تواجدا أمنيا غير مبرر في وسط مدينة القاهرة، و أصبح المشهد اليومي هو رؤية العشرات من سيارات الأمن المركزي تحتل وسط المدينة في مشهد يثير الرعب في نفوس المواطنين. وأصبح السؤال المتكرر هو كم تتكلف ميزانية وزارة الداخلية وأجهزة قمع الشعب؟ هل ندفع الضرائب ليذهب نصفها لوزارة الداخلية لتشتري بها المزيد من السيارات وأدوات التعذيب وقنابل الغاز والمياه المعالجة كيميائيا؟ هل ندفع الضرائب ثمنا لإهانتنا، وترويعنا، وتعذيبنا؟
وفي مطالعتنا لمواد الاتهام التي وجهت للمتظاهرين ضد الغزو الأمريكي للعراق نجد أن معظم التهم لا تقع تحت طائلة القانون الطبيعي وإنما تحت طائلة قانون الطوارئ، حيث ووجه جميع المقبوض عليهم بتهمة التواجد في تجمع قوامه أكثر من خمس أشخاص رغم أن المتهمين عرضوا علي ثلاث نيابات مختلفة "الأزبكية، الجمالية، قصر النيل".. هذا وقد أصدرت السلطات تشريعا آخر بجانب الطوارئ وهو قانون مكافحة الإرهاب " "قانون 97 لسنة 1992" ليضاف إلى ترسانة القوانين سيئة السمعة التي تمنح المزيد من السلطات لأجهزة الأمن وتقلص هامش الحريات العامة والخاصة للأفراد، والجماعات.
في ما يلي نضع أمام القارئ بعض بنود قانون الطوارئ لنوضح أثره في استشراء العنف الجماعي والتعذيب المنهجي من قبل السلطات المصرية.
مادة 1- يجوز إعلان حالة الطوارئ كلما تعرض الأمن أو النظام العام في أراضي الجمهورية أو في منطقة منها للخطر، سواء أكان ذلك بسبب وقوع حرب أو قيام حالة تهدد بوقوعها أو حدوث اضطرابات في الداخل أو كوارث عامة أو انتشار وباء
مادة 3 (2)- لرئيس الجمهورية متي أعلنت حالة الطوارئ أن يتخذ التدابير المناسبة للمحافظة علي الأمن والنظام العام وله علي وجه الخصوص:
(1) وضع قيود علي حرية الأشخاص في الاجتماع، والانتقال، والإقامة، والمرور في أماكن أو أوقات معينة. والقبض علي المشتبه فيهم أو الخطرين علي الأمن والنظام العام واعتقالهم، والترخيص في تفتيش الأشخاص والأماكن دون التقيد بأحكام قانون الإجراءات الجنائية
(2) الأمر بمراقبة الرسائل أيا كان نوعها، ومراقبة الصحف، والنشرات، والمطبوعات، والمحررات، والرسوم وكافة وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها. وضبطها ومصادرتها وتعطيلها وإغلاق أماكن طبعها. علي أن تكون الرقابة علي الصحف والمطبوعات ووسائل الإعلام مقصورة علي الأمور التي تتصل بالسلامة العامة أو أغراض الأمن القومي.
(3) تحديد مواعيد فتح المحال العامة وإغلاقها. وكذلك الأمر بإغلاق هذه المحال كلها أو بعضها.
(4) تكليف أي شخص بتأدية أي عمل من الأعمال والاستيلاء علي أي منقول أو عقار، ويتبع في ذلك الأحكام المنصوص عليها في قانون التعبئة فيما يتعلق بالتنظيم وتقدير التعويض.
(5) إخلاء بعض المناطق أو عزلها وتنظيم وسائل النقل وحصر المواصلات وتحديدها بين المناطق المختلفة.
ويجوز بقرار من رئيس الجمهورية توسيع دائرة الحقوق المبينة في الفقرة السابقة، علي أن يعرض هذا القرار علي مجلس الشعب في المواعيد وطبقا للأحكام المنصوص عليها في المادة السابقة ويشترط في الحالات العاجلة التي تتخذ فيها التدابير المشار إليها في هذه المادة بمقتضي أوامر شفوية أن تقرر كتابة خلال ثمانية أيام.
مادة 6 (1) – يجوز القبض في الحال علي المخالفين للأوامر التي تصدر طبقا لأحكام هذا القانون والجرائم المحددة في هذه الأوامر.
مادة 10: ويكون للنيابة العامة عند التحقيق كافة السلطات المخولة لها ولقاضي التحقيق ولغرفة (قاضي الإحالة) بمقتضي هذه القوانين.
مادة 11: لا تقبل الدعوى المدنية أمام محكمة أمن الدولة.
مادة 12: لا يجوز الطعن بأي وجه من الوجوه في الحكام الصادرة عن محاكم أمن الدولة، ولا تكون هذه الأحكام نهائية إلا بعد التصديق عليها من رئيس الجمهورية.
في ظل هذه الحماية "القانونية" وجد جهاز أمن الدولة تربة خصبة لينمو وينتشر في كل شبر من أرض مصر كالورم السرطاني الخبيث، يأتي على كل ما يمسه.. فقد تضخم جهاز أمن الدولة في بداية التسعينيات من القرن الماضي خاصة بعد الحادث الإرهابي الذي أودي بحياة العشرات في الدير البحري بالأقصر. ففي أعقاب تلك التفجيرات أقيل وزير الداخلية وعين بدلا منه أحد رجال أمن الدولة في منصب وزير الداخلية ومازال هذا الوزير مستمرا في منصبه حتى اليوم.
وطوال عهد وزير الداخلية الحالي أحيل عدد كبير من القضايا إلى جهاز أمن الدولة الذي تفشي نفوذه وتواجده في كل ركن من أركان البلاد.. في المصانع والجامعات، والمدارس، والمستشفيات، والمصالح الحكومية. وانضمت ملفات جديدة لملفات الاتجاهات السياسية غير المعترف لها بالشرعية القانونية وعلي رأسها قضايا الأقباط. حتى أصبح لأمن الدولة نفوذا في قضايا عائلية وشخصية كزواج فتاة مسيحية من مسلم، أو مشاجرة عادية بين طرفين إحداهما مسيحي والآخر مسلم..الخ.
ومع ازدياد نفوذ جهاز أمن الدولة ازداد توحشه وهمجيته وأصبح سلطة فوق السلطات وأداة رعب وفزع للشعب المصري كله ولا يخجل ضباط أمن الدولة أنفسهم من التفاخر بأن البلد بلدهم هم، وأنهم أعلى سلطة فيها وأنهم أصحاب السطوة والزنازين، والتعذيب الوحشي. وأنهم كذلك القادرين على إرسال من يريدون إلى ما وراء الشمس.
( categories: )


