
السياق العام
Submitted by تعذيب on Sat, 2007/12/15 - 15:35.
دما أجرت منظمة هيومان رايتس ووتش , مقابلة مع آمال أ. , البالغة من العمر ستة عشر عاماً , في تموز (يوليو) 2002 , كانت تعيش في الشوارع منذ أربعة شهور , وتنام في حديقة عامة . وقالت , "سبت البيت لأن ابويا كان عاوز فلوس , وكان عايزني اشتغل شغالة في بيت . ومرّة اشتغلت في أسوان , والراجل هناك اتهجم عليّا , كان قليل الأدب معايا . قلت لأبويا عنّه , لكنُه كان عايزني أفضل في الشغل . في أول مرّة كان عندي حداشر سنة , وبعدين ما رضتشِ اشتغل اكتر من كده عند الناس دوول . وعشان كده ابويا ضربني بالكرباج . ودلوقت ابويا بيضربني عَ النازلة والطالعة لأنه عاوز فلوس . طيب أجيب لُه فلوس منين ؟ من فترة بسيطة كنت مخطوبة لواحد , بس الخطوبة اتفسخت عشان الفلوس . كان راجل طيب . بياع خضار عنده 22 سنه , وغلبان زيّي ." [4]
وأخبرتنا أمآل أن والدها كان قد أخرجها من المدرسة قبل أن تنهي الصف الأول , وبعد ذلك منعها من إتمام الالتحاق بصفوف محو الأميّة التي التحقت بها في سن الثالثة عشرة "كنت خلّصت الصف الثاني لمّا ابويا خرجني , وقال لي 'دلوقت إنتِ بقيتي بنت كبيرة , وفي حاجات وحشة بتحصل [للبنات] في المدرسة' " . وكونها لم تتلقَ تعليماً إلاّ لمستوى الصف الثاني , فإنها تُعيل نفسها من خلال التسوّل وبيع المناديل الورقية . وكذلك فإن أخاها الأصغر يعيش في الشارع , ولكنها لا تراه إلاّ نادراً "أخويا ساب البيت كمان , أبويا قال لُه ما يرجعش البيت إلاّ معاه فلوس . وهو عنده أربعتاشر سنة ."
وبسبب عدم توفّر محل إقامة مستقر , و" مورد جدي للعيش" , ومن دون وجود" وسائل مشروعة للتعيش ", فإن تعريف الطفل "المعرّض للانحراف" بحسب القانون المصري [5ٍ] ينطبق على آمال . وبإمكان الشرطة القبض عليها وفقاً للقانون وفي أي وقت , ولقد جرى ذلك ست مرات حتى وقت إعداد هذا التقرير .
كانت المرّة الأخيرة التي قُبض فيها على آمال , قبيل بضعة أيام من مقابلتنا معها , في تموز (يوليو) 2002 , وكان ذلك خلال واحدة من الحملات المنتظمة التي تقوم بها شرطة القاهرة للقبض على أطفال الشوارع . وقالت آمال , "جت الحكومة وحطوني بميكروباص , وخدوني لقسم الشرطة بالساحل [في حي شبرا] , وطلّعوني السلم على مكتب التحقيق . وهناك , قام الضابط ضربني بأديه , وبعد كده عمل لي محضر تحرّي . وبعدين بعتني الدور التحتاني , للحجز . وفي المرّة دي اتحجزت يومين , وفي المرات التانية اتحجزت أربع أيام ."
وكحال جميع الأطفال الذين قابلتهم منظمة هيومان رايتس ووتش , فقد احتجزت الشرطة آمال , دون أن توفّر لها الطعام أو الفراش , وفي زنزانة مزدحمة وقذرة مع نساء بالغات قمن بضربها وتهديدها . لم تتدخل الشرطة لحماية آمال من الإيذاء الذي تعرضت له على يد المحتجزات البالغات , بل قام أفراد الشرطة بضربها وتهديدها مع فتيات أخريات محتجزات معها , كما استخدموا لغة جنسية مهينة . وروت لنا آمال : "عساكر المركز بيشتمونا بأمهاتنا, وساعات بيضربونا . أنا أمي ميّتة , وعشان كده ما بخليش حد يشتمها , ولما العساكر يشتموني برُدّ عليهم وبشتمهم . وساعات يروحوا يقولوا للضابط , وساعتها يجي الضابط ويضربني . هو عمل كده مرتين - هو نفس الضابط , شتمني وخلاّني أقف وبقى يضربني بالعصاية , ولما كنت أقع على الأرض كان يوقفني تاني . ضربني على جسمي كلّه - من راسي لرجليّا ." بالرغم من مرات الاحتجاز المتكررة التي تعرّضت لها آمال , إلاّ أن السلطات المصرية لم تقدّم لها أبداً الحماية والرعاية , ولم تقم كذلك بالتحقيق في شأن الإيذاء الذي تعرّضت له على يد الشرطة وعلى يد أفراد عائلتها . وبدلاً من ذلك , وحين يراها أفراد الشرطة في الشارع , فإنهم يفترضون أنها مجرمة ويقبضوا عليها , حتى يتأكدوا من عدم وجود أوامر معلّقة للقبض عليها . وقالت , "البوليس بيبعت أوراقنا للمديرية [مديرية أمن القاهرة] , علشان يشوفوا إن كان فيه قضايا ضدنا , ولمّا ما يلاقوش حاجة يسيبونا نمشي , وهمَّ بيبعتوا الأوراق [للمديرية] وما بيبعتوناش إحنا . وما يودوناش بيوتنا , همَّ يمشونا وبس , و عادةً يمشونا بالليل , حوالي نُص الليل أو الساعة واحدة الصبح ."
ليست قضية آمال قضية غير عادية , فالقانون المصري لا يُميّز فعلياً بين الأطفال الذين يرتكبون أفعالاً إجرامية , والأطفال الذين بحاجة لحماية . ويسمح الفصل الثامن من قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 , والمعنون "المعاملة الجنائية للأطفال" للشرطة بالقبض على الأطفال ممن لم يتجاوزوا الثامنة عشرة , وبسبب مجموعة متنوعة من النشاطات [6] . وتُعتبَر بعض هذه النشاطات "جريرة بحكم السن" , إذ لا تُشكّل جريمة فيما إذا ارتُكبت من قبل بالغين . أمّا النشاطات الأخرى , مثل التشرّد , والتسوّل , والقيام بأعمال تتصل بالدعارة أو القمار أو المخدرات أو خدمة من يقومون بها , وممارسة القمار , وتعاطي المخدرات , فهي تشكّل دليلاً واضحاً على أن الطفل بحاجة إلى حماية خاصة ومساعدة من الدولة .
وحتى عندما ينطبق على الطفل تعريف القانون المصري للطفل المحتاج للحماية , فإنه يواجه عوائق قانونية وعملية هائلة لتلقي تلك الحماية [7] . وعادة ما تقوم الشرطة بالقبض على الأطفال بما يخالف القانون , ودون إخطار أفراد من عائلاتهم , أو إخطار النيابة العامة . وفي الحالات التي تقوم فيها الشرطة بتقديم الطفل إلى النيابة العامة , فعادة ما تأمر النيابة العامة وقضاة محاكم الأحداث بإعادة الأطفال إلى عائلاتهم , من غير إجراء تحقيق ملائم حول أدلة إساءة المعاملة من قبل العائلة أو الشرطة , وعادة ما تقوم الشرطة المسئولة عن تنفيذ هذه الأوامر , وببساطة , بإخلاء سبيل الأطفال إلى الشوارع . ونادراً ما تأمر النيابة العامة للأحداث أو محاكم الأحداث , بإيداع الأطفال في مؤسسات الرعاية الاجتماعية , رغم أن اللائحة التنفيذية لقانون الطفل تسمح بذلك .
( categories: )


