في كيفية تحويل المواطنين إلى خُلعاء بلا ديّة: التعذيب من جوانتانامو إلى أقسام الشرطة

Submitted by مُعذَّب1 on Thu, 2007/04/26 - 17:02.

ما يلي مقالة د. خالد فهمي التي نشرت في عدد صحيفة أخبار الأدب رقم 718 الصادر في 15 أبريل 2007 بعنوان في كيفية تحويل المواطنين إلى خلعاء بلا دية: التعذيب من جوانتامو إلى أقسام الشرطة، و لجودتها فإننا نعيد نشرها كاملة.

في يوم 6 نوفمبر 1858 ذهب سلطان العبد، أحد العبيد العاملين في دايرة إلهامي باشا، إلى المحروسة (كما كانت القاهرة تسمي وقتئذ) بعد أن أخذ إذنا بالغياب مدة يوم واحد، على أنه لم يعد إلى الدايرة في نهاية اليوم كما كان مقررا. وكانت هذه الدايرة تقع في صحراء الحصوة التي عرفت لاحقا بالعباسية شمال غربي المحروسة، أما صاحبها فكان إلهامي باشا ابن عباس باشا الذي كان يحكم البلاد حتى أربع سنوات خلت فقط، أي أنه كان حفيد أخي الحاكم الحالي، سعيد باشا. وعندما ظهر سلطان بعد اختفائه بيومين شرع ناظر الإسطبل الملحق بالدايرة، واسمه عمر بك وصفي، في معاقبته العقاب الذي اعتبره مناسبا لجرمه ورادعا كافيا للعبيد الآخرين، إذ أمر بعض العبيد والخدم العاملين بالدايرة بجلد سلطان بالكرباج على ظهره وعلى إليتيه بعد نزع ملابسه. وقد بلغ عدد السياط رقما مهولا، إذ قال بعض العبيد أن سلطان تلقي ألفا وخمسمائة سوط وأنه كان يتقيأ من شدة الألم وأن الدم كان يتناثر من إليتيه عند الضرب!! واشتط عمر بك في تعذيب العبد فمنع عنه الأكل والشرب ورفض إرساله للقشلة للعلاج حتى فاضت روحه بعد ثلاثة أيام.

وعندما سرى خبر موت سلطان بين أقرانه العبيد انزعجوا انزعاجا شديدا، وعقدوا العزم على ألا يفلت عمر بك من فعلته واتفقوا فيما بينهم على أن يذهب أحدهم ليبلغ الضبطية (أي مقر شرطة القاهرة وكان دورها شبيها بمديرية أمن القاهرة الآن). وبالرغم من بعد الضبطية عن الدايرة (إذ كانت وقتئذ في الأزبكية وتفصلها عن الدايرة مسافة كبيرة من الصحراء)، فقد ذهب بالفعل أحد العبيد واسمه عبد الزين الأسود إلى الضبطية للإبلاغ عن الواقعة، وسرعان ما تبعه ستة وعشرون عبدا آخرين قدموا فيما يشبه مظاهرة احتجاج شكوى في حق عمر بك مطالبين فيها أن الحكومة تجري مجراها.

وبالفعل تحركت الحكومة وذهب مأمور الضبطية بنفسه إلى الدايرة وبعد أن حاول الحرس منعه من الدخول تمكن في النهاية من القبض على عمر بك واصطحابه إلى مقر الضبطية حيث جرى استجوابه، وبعد الحصول على تقرير الطبيب الشرعي (الذي كان يسمي وقتئذ حكيم السياسة) قدم عمر بك للمحاكمة. وبعد خمسة أشهر من المداولات وبعد أخذ رأي الوالي سعيد باشا نفسه في القضية، صدر حكم بنفي عمر بك كلية من القطر المصري على ألا يعود إليه أبدا.

بعد مائة وخمسين عاما على هذه القضية وفي فبراير 2007 وقعت حادثة مقاربة لها، إذ قبض أحد ضباط مباحث أمن الدولة على مواطن كان قد صدر بحقه أمر اعتقال. وحسب الروايات الصحفية قام الضابط بضرب المواطن أمام محطة مترو حدائق القبة وأوقع به إصابات استدعت إرساله إلى مستشفى الزهور ثم مستشفي الساحل التعليمي. وبعد أن أكد الأطباء تحسن حالته اقتيد المواطن إلى قسم شرطة الحدائق حيث تم تعذيبه حسبما جاء في شهادة أحد المحبوسين احتياطيا داخل الحبس، ونتيجة لذلك التعذيب توفي المواطن في القسم وأكد تقرير الطب الشرعي أن الإصابات الموصوفة بحلمتي الثدي والعضو الذكري تبين أنها من الممكن أن تكون نتيجة صعقه بالكهرباء باستعمال سلك كهربائي أو ما شابه ذلك. وبناء على ذلك أحالت النيابة الضابط إلى محكمة جنايات شمال القاهرة. على أنه في أثناء الجلسة الثالثة من المحاكمة قدم دفاع الضابط محضر تنازل من أبي الضحية، وعندما استدعت المحكمة أسرة القتيل تبين اختفاؤها في ظروف غامضة.

هناك نقاط عديدة تستوقفنا عند مقارنة هاتين القضيتين. ففي القضية الأولى تمكن عدد من العبيد السود من إقامة الدعوى على أحد البكوات العاملين في دايرة أمير ينتمي إلى البيت الخديوي الحاكم الذي كان يمثل عصب السلطة ومركزها في ذلك الوقت، بينما نجد في القضية الثانية أن أهالي الضحية بعد أن أكدوا على أن ابنهم كان يتمتع بصحة جيدة قبل القبض عليه وأنه لا يعقل أن يكون قد توفي وفاة طبيعية كما زعم الضابط، عادوا واسقطوا حقهم ثم اختفوا كلية في ظروف غامضة. أما الأمر الثاني الملفت للنظر هو المكان الذي وقع فيه التعذيب، إذ نرى في القضية الأولى أن عمر بك قام بتعذيب سلطان العبد في دايرة تابعة لأحد الأمراء، مما قد يكون شجعه على فعلته النكراء ظنا منه أنه سيكون بمنأى عن مساءلة الحكومة، إلا أن الحكومة (ممثلة في مأمور الضبطية ثم الوالي سعيد باشا بنفسه) قررت أن التعذيب، وإن كان أوقعه أحد البكوات على عبد أسود، لا يمكن التغاضي عنه إذ أن عمر بك، بتعذيبه أحد الأفراد حتى الموت قد تجرأ وتعدى وضيع حرمة الحكومة فيذاك فالحكومة لا تترك حق تعديه عليها بل لا بد من أخذ حقها من نظير تعديه في هتك حرمتها كما جاء في أوراق القضية. أما في القضية الثانية فنرى أن التعذيب قد تم في قسم الشرطة أي في المكان نفسه المفترض أن يكون ملاذا للمظلومين ونصيرا للمستضعفين.

وانطلاقا من التباين بين هاتين القضيتين الذي يوضح كيف تحول قسم الشرطة من مكان يحمي عبيدا سود من بطش أحد البكوات إلى مكان يقوم فيه ضباط الأمن بتعذيب مواطن حتى الموت يحاول هذا المقال أن يقدم رؤية للتطور الذي طرأ على الحياة السياسية المصرية على مدار قرن ونصف. ويعتمد المقال على كتابات المفكر الإيطالي المرموق جورجيو أجامبين للوقوف على كيفية ظهور الدولة المصرية الحديثة وتطورها، وكما تشير القضيتان المذكورتان تتخذ الرؤية التالية من الجسد وحدة تحليلها الأساسية ويشكل جسد المواطن المعذب أو الجسد المعذب حيز اهتمامها وموضوعها. ويخلص المقال، اعتمادا على نظريات أجامبين عن السلطة وعن الحياة الجرداء، إلى أن سلطة الدولة المصرية قد نجحت في أن تحول رعاياها إلى مواطنين ولكن مواطنين خلعاء، بلا دية، أي أفراد واقعين تحت تهديد دائم وغير مشروط بسحب الحياة منهم.

وقد تثير دراسة تطور النظام السياسي المصري عن طريق تتبع التحولات التي طرأت على ممارسة مثل التعذيب بعض التساؤلات، فقد جرت العادة على دراسة تاريخ النظام السياسي المصري الحديث مثلا عن طريق تحليل كتابات مفكري النهضة كالطهطاوي ومحمد عبده وقاسم أمين ولطفي السيد وطه حسين وغيرهم للوقوف على محاولاتهم بلورة فكر سياسي حديث يقوم على مبادئ المواطنة والمساواة والديمقراطية. وقد يفضل البعض تتبع تطور النظام السياسي المصري بدراسة تطور مفهوم الوطنية بدءا من لحظة مخاطبة نابليون في منشوره الشهير للمصريين كمصريين (وليس كمسلمين أو كرعايا للسلطان العثماني) ومرورا بمبايعة الشعب المصري لمحمد علي ومطالبتهم بتوليته عليهم بعد أن شرطوا عليه شروطا محددة، ثم تحليل كتابات الطهطاوي العديدة التي كرست أكثر من غيرها مفهوم الوطنية وغربلته وحددت معالمه ومعانيه، ثم مراقبة ظهور شعار مصر للمصريين لأول مرة أثناء ثورة عرابي، وانتهاء بانتصار مبدأ الدين لله والوطن للجميع الذي رفعته ثورة 1919. أما البعض الآخر فقد يفضل، عوضا عن ذلك، أن يدرس تطور النظام السياسي المصري عن طريق دراسة ممارسات مثل الانتخابات أو النشاط البرلماني أو الصحافة أو نشاطات الجماعات السياسية المعارضة أو نشاط الأحزاب أو غير ذلك من المواضيع التقليدية المرتبطة بالنظرة الشائعة عن مفاهيم مثل الدولة والسلطة والسياسة. ولن ينكر أحد من هؤلاء الباحثين في تاريخ مصر السياسي الحديث أن التعذيب ممارسة انزلقت إليها بعض الحكومات المصرية في العصر الحديث وأنها ظاهرة تستحق الدراسة نظرا لخطورتها وأهميتها، ولكن وضعها في مركز البحث واتخاذها كوحدة تحليل أساسية وكممارسة توضح طبيعة النظام السياسي وتكشف كنهه فهو الأمر الذي سيرفضونه رفضا قاطعا مؤكدين أن في هذه الرؤية الكثير من الشطط وليًا للحقائق، هذا إذا لم يقولوا أيضا أن هذه الرؤية تعبر عن ضمائر فاسدة تحاول أن تشوه صورة مصر وتلطخ سمعتها.

***

ولا يحاول هذا المقال أن يدخل في سجال حول من يشوه صورة مصر: القائمون بالتعذيب أم الدارسون له، مع أهمية هذا السجال وضرورته. فالغرض الأساسي من هذا المقال هو التنظير لظاهرة التعذيب وليس محاولة رصدها، والوصول بهذه النظرية إلى فهم أفضل ليس فقط لها ولكن لمجمل النظام السياسي المصري، إضافة إلى محاولة شرح دقيق (وإن كان غير شائع) لمفاهيم مثل الدولة والسلطة والسيادة وأخيرا مفهوم السياسة نفسه.

وكما أشرت سابقا يستخدم التحليل التالي أعمال جورجيو أجامبين عن القانون والسياسة علها تساعدنا على فهم علاقة التعذيب بالسياسة في تاريخ مصر الحديث، وقد يكون من المفيد قبل الخوض في هذا التاريخ أن نقدم عرضا مختصرا لأهم الأفكار الذي يتناولها أجامبين في واحد من أهم كتبه إن لم يكن أهمها جميعا، هذا مع العلم أن أجامبين ما يزال يصيغ نظرياته وأفكاره وأن عمله oeuvre لم يكتمل بعد.

يعتبر جورجيو أجامبين واحدا من أهم الفلاسفة الإيطاليين المعاصرين وأحد أهم العاملين في مجال النظرية الفلسفية الراديكالية على مستوي العالم. وقد كانت لأفكاره ونظرياته أثر كبير على حقول معرفية متعددة بدءا من الفلسفة ومرورا بالنقد الأدبي والفني، والقانون والتاريخ، وعلم الاجتماع والجغرافيا والعلوم السياسية. وأجامبين من مواليد 1942 ودرس كلا من القانون والفلسفة وأنجز رسالة دكتوراه عن الفكر السياسي لسيمون فييل Simone Weil ‎‎(1909–1943‎)، الناشطة اليسارية الفرنسية، وبعد حصوله على الدكتوراه شارك في محاضرات مارتن هايدجر عن هيجل وهرقليتس. وقد عمل في جامعات عدة في إيطاليا وفرنسا والولايات المتحدة. وبعد أحداث سبتمبر 2001 امتنع عن زيارة الولايات المتحدة اعتراضا على الشهادات البيولوجية التي استحدثتها سلطات الهجرة والجوازات الأمريكية كشرط لدخول البلاد.

وتتميز كتابات أجامبين بالتنوع الشديد وبصعوبة إخضاعها لتفسير موضوعي أو مفهومي بسيط وواضح. فعلى مدار ثلاثة عقود تعددت هذه الكتابات وتباينت موضوعاتها، على أنه يمكن القول إنها بشكل عام تتشابك مع أفكار ونظريات فالتر بنيامين Walter Benjamin (1892–1940‎) التي تعد من أهم الإسهامات الخلاقة وغير التقليدية التي شهدتها الفلسفة الغربية في العصر الحديث. وكان لإشراف أجامبين لمدة خمسة عشر عاما (1979–1994) على ترجمة أعمال بنيامين إلى الإيطالية أكبر الأثر على تطوره الفكري، الأمر الذي نجد له صدى في اهتمامه بأسئلة اللغة والتمثيل (representation)، وقوة القانون، وسياسة المشاهد الاستعراضية (spectacle)، والتاريخ والسلطة الزمنية.

ويعتبر كتاب أجامبين الخليع: السلطة السيادية والحياة الجرداء واحدا من تلك الكتب القلائل التي تحرك المياه الراكدة بطرحها أسئلة جديدة وصادمة في حقول معرفية عديدة. فمنذ ظهوره بالإيطالية أول مرة عام 1995 ثم ترجمته للعديد من اللغات بعد ذلك بسنوات قليلة (ظهرت الترجمة الفرنسية عام 1997 والترجمتان الإنجليزية والأسبانية عام 1998) والانبهار بأفكاره الثاقبة يصيب الكثيرين من مؤرخين وأنثروبولوجيين وفلاسفة القانون وعلماء الاجتماع وغيرهم.

في آخر فقرة من مقدمة كتابه المثير يقول أجامبين إنه قصد من كتابه هذا أن يكون ردا على التضليلات الدموية للنظام الكوني الجديد، وإنه في محاولته لتقديم هذا الرد اضطر إلى إعادة النظر في الكثير من المسلمات التي بنت عليها العلوم الاجتماعية نظرياتها. ومن أهم هذه المسلمات اثنتان: الأولى المؤكدة على قدسية الحياة الآدمية والثانية تلك المتعلقة بإشكالية السلطة السيادية. وبين هاتين المسلمتين وفي محاولة لطرحهما للتساؤل وإعادة النظر فيهما يقدم أجامبين كتابا يعرض فيه تخيلا عن أصل النظام السياسي الحديث وحقيقته.

وقد يكون من المفيد قبل التعرض للأفكار الأساسية التي يتناولها أجامبين في كتابه المهم أن نقدم تعريفا مختصرا للكلمات الواردة في عنوان الكتاب. اختار أجامبين مصطلح homo sacer عنوانا للكتاب وهو مصطلح لاتيني غير دارج وغير مألوف شأنه شأن الخليع في العربية (أنا أدين للصديق شريف يونس باقتراحه هذه الترجمة). homo sacer مصطلح قانوني يعود تاريخه إلى العصور الرومانية السحيقة السابقة على ظهور روما نفسها وكان يستخدم للإشارة إلى ذلك الشخص الذي، بسبب فعل ما قد ارتكبه، يجري استبعاده من المدينة و نفيه منها و يحل قتله لكن دون أن يقتّص من قاتله، أي هو الشخص الذي يحل دمه و يمكن قتله دون قصاص. و في العصور الجاهلية السابقة على ظهور الدولة الإسلامية كانت العرب تطلق لفظ الخليع على ذلك الشخص الذي تخلعه قبيلته وتسحب عنه حمايتها وبذلك يمكن قتله دون عقاب، وهو بذلك يبدو مشابها للhomo sacer في القانون الروماني القديم.

أما السلطة السيادية فيقصد بها تلك السلطة التي يمارسها صاحب السيادة (مثل الملك أو السلطان) والتي عادة ما تقترن في الأذهان بالاستخدام المفرط للقوة واستعراضها على أجساد المجرمين في مشاهد يقصد منها إرهاب المتفرجين مثل المشاهد العلنية للإعدام أو التعذيب.

و أخيرا، فإن أجامبين لا يقصد بالحياة الجرداء حالة الطبيعة التي استخدمتها النظرية السياسية الليبرالية للإشارة إلى الحالة الافتراضية التي كانت عليها الإنسانية قبل ظهور الدولة واحتكارها لوسائل العنف. و لكن يقصد قدرة السلطة السيادية على تجريد الحياة من المعنى و من القيمة.

ويتمحور كتاب أجامبين حول فكرتين أساسيتين، الأولى هي أن العمل الأساسي التي تقوم به السلطة السيادية هو إنتاج الحياة الجرداء كعنصر أساسي أصيل، والثانية هي أنه في الوقت الحاضر ليست المدينة هي الحيز الأمثل الذي تتجلى فيه السياسة، بل يحدث هذا في معسكر الإبادة. إن معسكر الإبادة هو ناموس الحياة السياسية في العصر الحديث.

ما معني تلك الأفكار الغامضة؟ ما علاقة معسكر الإبادة بالقانون؟ وما الصلة بين الخليع وكل من صاحب السيادة ومعسكر الإبادة؟ قد يكون من المفيد تتبع تلك العلاقات المبهمة وغير الواضحة عن طريق رصد أسلوب أجامبين للتعاطي مع كل من ميشيل فوكو Michel Foucault وفالتر بنيامين وكارل شميت Carl Schmitt.

في الجزء الأول من دراسته المعنونة تاريخ الجنسانية The History of Sexuality أسهب فوكو في وصف نوع من السياسة أسماه السياسة الحيوية biopolitics التي رآها تميز العصر الحديث. في هذا العمل ذهب فوكو إلى أن السلطة الحديثة تتميز بشكل أساسي عن السلطة السيادية، فبينما كانت تلك الأخيرة تعني القدرة على سلب الحياة أو الإبقاء عليها والتي كان الملوك والأباطرة يمارسونها على رعاياهم، فإن السلطة الحديثة تتميز بعلاقة إنتاجية مع الحياة بمعنى أن في الأزمنة الحديثة لم تعد السلطة منحصرة في أعمال سلب للحياة (مثل الإعدام) أو الإبقاء عليها (مثل الدفاع عن المملكة بما يستتبع ذلك من تجييش الجيوش وجباية الضرائب إلخ) بل تعدت تلك المجالات لتشمل كل ما من شأنه إنتاج الحياة، مثل العمل على زيادة عدد الرعايا والاهتمام بمستوى معيشتهم والارتقاء بظروف حياتهم. ومن هنا كان استحداث ممارسات مثل الإحصاء والرعاية الصحية والصحة العامة والصحة الإنجابية، التي لم تكن من المسائل التي اهتمت بها السلطة السيادية. وبمعنى آخر، فإن فوكو ذهب إلى أن مفهوم ما يميز ظهور الحداثة ليس التحول من مفهوم الرعايا إلى مفهوم المواطن كما تقول النظرية الليبرالية التقليدية، بل التحول من مفهوم الرعايا إلى مفهوم السكان. أما وقد ظهر السكان فإن النمط السياسي السائد لم يعد السلطة السيادية بل السلطة الانضباطية، ويقصد بها فوكو تلك السلطة المتغلغلة في نسيج المجتمع والتي تلامس أجساد السكان والتي تبلغ ذروتها في المراقبة الذاتية التي يمارسها السكان على أنفسهم وأجسادهم في ملبسهم ومأكلهم ومنامهم، في مشيهم وقيامهم، في المصنع والمكتب والمنزل. فقد رأى فوكو أن عتبة الحداثة قد تم اجتيازها عندما حدث تحول من السلطة السيادية إلى السياسة الحيوية أي عندما أصبحت مراقبة السكان (لذواتهم) عملا سياسيا بحتا.

يشتبك أجامبين بشكل أساسي في كتابه الخليع مع أفكار فوكو عن السلطة الحيوية، ويقول إنه حاول أن يكمل ما تركه فوكو ناقصا. يختلف أجامبين مع فوكو في النظر إلى لحظة ظهور السياسة الحيوية كلحظة ظهور الحداثة وي قول عوضا عن هذا إنه من الممكن القول إن ظهور السياسة الحيوية كانت دائما عملا من أعمال السلطة السيادية. ما يقصده أجامبين هنا هو أن التحول الذي حدث مع ظهور الحداثة ليس ظهور نمط جديد من السلطة بل إظهار بعد كان دائما كامنا في مفهوم الغرب عن السياسة، وهذا التحول، في رأي أجامبين، يضع كلا من الديمقراطية والشمولية في سلة واحدة من جهة اهتمامهما بالبعد الحيوي. وبعبارة أخرى فإن ما يميز الديمقراطية الحديثة عن المدينة­الدولة polis التي تحدث عنها أرسطو وغيره من الفلاسفة الإغريق ليس هو إدماج الحياة الحيوية في المجال السياسي بقدر ما هو قدرة الدولة state الحديثة على التقريب بين السلطة السيادية والسلطة الحيوية بشكل غير مسبوق.

أما كيف ولماذا يحدث هذا فإن أجامبين يجيب على هذين السؤالين عن طريق اشتباكه مع كل من شميت وبنيامين. وتتجلي عبقرية أجامبين عند محاولته الوقوف على طبيعة مفهوم الغرب عن السياسة الحديثة في اختياره لهذين المفكرين ولتركيزه على تعليقات الثاني منهما على مقولات الأول، فبنيامين، كما هو معروف، قد فر من ألمانيا نظرا لأصوله اليهودية عندما وصل النازيون للحكم عام 1933 واستوطن باريس، ولكن بعد أن سقطت المدينة في أيدي النازيين عام 1940 فر مرة أخرى من جلاديه واتجه جنوبا حتى وصل إلى الحدود الفرنسية الإسبانية، وعندما وجد النازيين خلفه وجنود فرانكو أمامه لم يجد بدا سوى أن ينتحر في المنطقة العازلة بين البلدين. أما شميت فقد كان من ألمع رجال القانون في ألمانيا النازية، بل كان من أهم منظري الحركة النازية وكان عضوا في الحزب النازي ومن أهم أنصاره من رجال الفكر. على أن ما لفت نظر أجامبين في هذا الثنائي الدرامي (بل المأساوي) لم يكن سيرة كل منهما بل آرائهما عن السيادة والقانون وحالة الاستثناء.

***

في كتابه الثيولوجيا السياسية Political Theology المطبوع عام 1922 حاول شميت أن ينظٌر لمفهوم صاحب السيادة the sovereign. ومن نافلة القول أن مفهوم السيادة مفهوم شائع وإن كانت الدراسات التي تنظر له قليلة وتكاد تنعدم. وتذهب الدراسات النظرية القليلة التي تتناول مفهوم السيادة إلى شرح الممارسات المندثرة التي كان يقوم بها الملوك والحكام المستبدين قبل ظهور الأفكار الدستورية، أما الأنظمة الليبرالية فقد أكدت دوما على أنها تمارس السيادة داخل منظومة القوانين والقواعد نافية بشدة أنها تتعداها. وعلى عكس تلك النظريات الليبرالية يستهل شميت كتابه الثيولوجيا السياسية بسبع كلمات حاسمة شكلت محور تفكير بنيامين وأجامبين عن القانون. يقول شميت في صدر كتابه إن صاحب السيادة هو ذلك الذي يقرر الاستثناء. يرتبط فهم شميت للاستثناء بحالة الطوارئ، أي حالة أزمة سياسية واقتصادية تهدد الدولة ويستدعي حلها تعليق العمل بالقانون والقواعد العامة.

ولكن، وكما يؤكد شميت، حالة الخطر تلك لا يمكن التنبؤ بها وبالتالي فإن تعليق القانون وإبطاله يجب أن ينتج عن قرار واعي. ويزيد شميت، على عكس كل النظريات الليبرالية، إن في هذا القرار الواعي يكمن لب سيادة الدولة وجوهرها، أي جوهر السيادة، تلك السيادة التي إن أردنا أن نعرفها تعريفا قانونيا دقيقا لقلنا إنها ليست احتكار القهر أو الحكم، بل احتكار القرار.

وعند قراءته لهذا التحليل غير التقليدي لمفهوم السيادة قرر بنيامين في مقالته الشهيرة أطروحات حول فلسفة التاريخ (التي أتمها في ربيع 1940 قبيل انتحاره) إن حالة الاستثناء أصبحت في الواقع قانونا. ومن تلك الملاحظة الثاقبة لبنيامين طور أجامبين فهمه لمقولة شميت الأساسية، فمن منطلق أن السمة الخاصة للاستثناء المسموح به قانونا تنبع من حقيقة أنها حالة وضعية لا يمكن التنبؤ بها خلص أجامبين إلى أن الاستثناء لا هو قرار قانوني ولا هو تقرير واقع بل هو قرار سيادي ينشئ العلاقة بين القانون والواقع في المقام الأول. وبالتالي، وهنا مربط الفرس في رؤية أجامبين للقانون، فإن صاحب السيادة باستحواذه، تعريفا، على الحق في إعلان حالة الاستثناء (الطوارئ) يطمس الخط الفاصل بين الواقع والقاعدة القانونية، بين الحدث والقانون، بين القاعدة والاستثناء. وبذلك يصبح القانون قائما ولكن بدون دلالة، وتصبح حالة الطوارئ قاعدة دائمة تخضع للتقدير اللحظي لصاحب السيادة.

وبناء على هذه الإشكالية الكامنة في صلب السيادة الحديثة والتي يتحول الاستثناء الذي يقرره صاحب السيادة إلى قانون يصل بنا أجامبين إلى الخليع، ذلك الذي يمكن قتله ولكن دون أن يقتص من قاتله. فالعلاقة التي تحكم الفرد بالقانون في الأنظمة السياسية الغربية، حسب رؤية أجامبين، هي علاقة نفي وإقصاء، فالفرد يخضع للقانون في نفس اللحظة التي يتخلى فيها القانون عنه. وفي واحدة من أكثر مقولاته راديكالية يرى أجامبين أنه بما أن الاستثناء أصبح قاعدة في السياسة الحديثة فإن ذلك يستتبع ليس فقط أن بعض الأشخاص أصبحوا خلعاء، أي مجردين من الحماية القانونية، بل أننا كلنا أصبحنا خلعاء لأننا أضحينا نحيا حياة لا يمكن الارتكان عليها فهي يمكن أن تسحب منا في أي لحظة وبدون تحفظات.

من هنا قرر أجامبين أن معسكر الإبادة هو الحيز الذي تتجلى فيه السلطة السيادية الحديثة في أنقى صورها، فهو بذلك أمسى النموذج الأمثل للسياسة الحديثة. فأجامبين يقرر في مقابل كل النظريات السياسية الغربية المستقاة من أرسطو إن المعسكر، وليس المدينة، هو ناموس السياسة ومجالها الأنقى، ففي المعسكر تتجسد حالة الاستثناء التي تصبح قاعدة في أبسط صورها. وعلى الرغم من أن الحياة في المعسكر تخضع للمراقبة والتنظيم المستمرين وأن القواعد التي تنظم الحياة في المعسكر واضحة ويجري تطبيقها بدقة، إلا أن طبيعة الاستثناء التي تميز المعسكر تجعل تلك القواعد بدورها استثنائية بمعنى أنه يمكن أن تعلق وتبطل في أي وقت. وبالنسبة لنزلاء المعسكر فهؤلاء عندما يقتلون لا يعد ذلك إعداما أو قصاصا أو أضحية بل تحقيقا للقدرة الكامنة فيهم بأن يقتلوا، فهم في المقام الأول والأخير خلعاء يحيون حياة جرداء، أي حياة يمكن سحبها منهم في أي وقت.

***

بعد هذا العرض القصير للأفكار التي يطرحها أجامبين في كتابه الخليع يمكن لنا أن ندرك مدى راديكاليتها واختلافها عن النظريات التقليدية للسياسة، الليبرالية منها أو الماركسية، بل حتى الفوكودية. فعوضا عن المدينة التي تظهر في الكتابات الفلسفية الإغريقية كحيز يتضح فيه الفرق بين ما هو داخل السياسة وما هو خارج عنها، بين التحضر والتوحش، يذهب أجامبين إلى أن معسكر الإبادة هو الحيز الأمثل الذي تتضح فيه طبيعة السياسة. وإضافة إلى الثالوث المقدس المكون من الدولة والشعب والأرض الذي شرحته النظرية السياسية الليبرالية، يزيد أجامبين عنصرا رابعا: المعسكر. وعوضا عن الفكرة القائلة بأن أصل العمران والقانون يكمن في اللغة التي تميز الإنسان عن الحيوان ويتخاطب بها مع أقرانه من البشر يقول أجامبين إن أصل العمران يكمن في السياج الذي يفصل الناس عن بعضهم البعض. وعوضا عن النظرة الماركسية التي ترى في الدولة أداة في أيدي الطبقة المهيمنة اقتصاديا لتكريس هيمنتها وإسباغ الشرعية على ممارساتها يركز أجامبين على قدرة صاحب السيادة على تقرير لحظة الاستثناء وبذلك يعلق القانون ويفرغه من معناه. وأخيرا ومقارنة بفوكو الذي رأى في بانوبتيكون panopticon، ذلك السجن الدائري الذي يخضع كل سجين فيه (أو يتخيل أنه يخضع) إلى مراقبه الحارس القابع في مركز السجن، يرى أجامبين أن المعسكر قد حل محل السجن كالنموذج الأمثل لتجلي السلطة، كما أن تلك السلطة لم تعد تلك السلطة الحيوية المعنية بأمور مثل الصحة ومعدل المواليد وطول العمر والعرق race، بل أمست تتعلق بأمور أكثر خبثا وأبسط في آن واحد، فهي الآن تتعلق بتحديد أي حياة تستحق أن تعاش.

بوش و الحرب على الإرهاب.

تلك بالطبع أفكار جريئة وصادمة، ويكمن شططها في طرحها بديهيات النظرية السياسية للتساؤل وتشكيكها في المسلمات التي نبني عليها إدراكنا السياسي وفهمنا للواقع. وبتتبع الترجمات والدراسات والندوات المتعلقة بأعمال أجامبين يتضح لنا مدى الاهتمام الذي تلاقيه أعماله في الأوساط الأكاديمية والحقوقية والسياسية في الكثير من البلاد الأوروبية إضافة إلى الولايات المتحدة. ويعود هذا الاهتمام ليس فقط لطبيعة الأفكار ذاتها وجرأتها بل أيضا لما وجده فيها الكثيرون من قدرة على شرح اللحظة التاريخية المعاصرة والتطورات المتلاحقة التي تموج بها الساحة الدولية وخاصة بعد إعلان الرئيس الأمريكي جورج بوش الحرب على الإرهاب. ففي أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر والإجراءات القانونية الاستثنائية التي اتخذتها الإدارة الأمريكية للتعامل مع ما قررت أنه حدث طارئ لا تستطيع القوانين والأعراف والقواعد السائدة التعامل معه ازداد الإقبال على كتابات أجامبين (السابقة على تلك الهجمات) لما تحتويه هذه الكتابات من أفكار قد تساعدنا على فهم تلك اللحظات الحالكة السواد التي تمر بها مجتمعاتنا.

فبوسع كتابات أجامبين أن تقدم تفسيرا مختلفا اختلافا جذريا عن التفسيرات الشائعة لأعمال الرئيس بوش وقراراته المصاحبة لإعلانه الحرب على الإرهاب. فقد فوجئ الكثيرون بسلسلة الإجراءات الرعناء الذي اتخذها بوش بعد أحداث سبتمبر بدءا بقرار غزو أفغانستان ثم العراق دون غطاء من الشرعية الدولية، ثم إصدار قانون لمواجهة الإرهاب Patriot Act الذي انتهك الكثير من مبادئ الدستور الأمريكي (بلغت سبعة من تعديلات الدستور حسب بعض الإحصاءات)، ثم التغاضي عن مبادئ القانون الدولي عند التعامل مع أسرى الحرب على الإرهاب الذين حرموا من الحماية التي تكفلها لهم اتفاقيات جنيف وتصنيفهم على أنهم مقاتلين أعداء وليسوا أسرى حرب، ثم سياسة التنصت على المكالمات التليفونية لمواطنين أمريكيين مع أطراف خارج الولايات المتحدة، وانتهاء بممارسات التعذيب التي ارتكبتها السلطات الأمريكية بالأصالة في أبوغريب ومعسكري جوانتانامو في كوبا وباجرام في أفغانستان، وبالنيابة (حسب ممارسات التسليم فوق العادي extra­ordinary rendition) في بلدان مثل مصر والأردن وسوريا والسعودية.

وقد فوجئ الكثير من المراقبين الأمريكيين (وغير الأمريكيين) بهذه السياسة غير القانونية وهالهم أن ترتكبها واحدة من الدول التي كانت حتى وقت قريب تفاخر بأنها مستثناة من الفساد والانحلال الذين ادعت أن أنماط السيادة الأوربية تعاني منها، وإذ بهذه الدولة ذاتها تستثني نفسها من القانون برمته. وذهب هؤلاء المراقبون الغيورون على سمعة بلادهم إلى القول إنه بينما كانت الحرب يوما ما خاضعة للقانون الدولي ولقانون الحرب أمست اليوم هي التي تفصل في المسائل القانونية وأصبح القانون نفسه خاضعا لها. وخلص هؤلاء إلى أن حرب بوش على الإرهاب كانت في حقيقتها حربا على القانون.

ولكن ليت الأمر كان كذلك. إن التحليل الدقيق للممارسات المشبوهة التي تمارسها الإدارة الأمريكية فيما تسميه الحرب على الإرهاب يظهر لنا وبوضوح كيف أن القائمين على هذه الحرب لم يهملوا يوما البعد القانوني، بل عملوا جاهدين على إسباغ الشرعية القانونية على أفعالهم. والقارئ لكتاب كارين جرينبرج وجوشوا دراتل أوراق التعذيب: الطريق إلى أبو غريب The Torture Papers: The Road to Abu Ghraib، ذلك الكتاب الذي يزيد عدد صفحاته عن الألف والمائتين صفحة، يدرك مدى الأهمية التي أولاها الرئيس بوش وأعوانه للقانون. مثال ذلك تلك المذكرة التي قدمها في أغسطس 2002 جون يو John Yoo، مساعد وزير العدل، إلى ألبرتو جونزاليسAlberto Gonzales ، الذي كان يشغل وقتها منصب المستشار القانوني للرئيس بوش، والتي حاول فيها أن يعيد تعريف التعذيب بحيث لا تنطلي تلك الكلمة البغيضة على الممارسات التي كانت تنتهجها السي آي أيه مع محتجزي جوانتانامو. ففي هذه المذكرة يقول يو إن التعذيب يقتصر على أقسى درجات الأذى الجسماني والنفسي، مثل الألم القاسي الذي يرتبط عادة بالموت، وفشل الأعضاء والتلف الشديد للوظائف الجسمانية أو المعاناة النفسية الشديدة التي تنتج أذى نفسيا مزمنا. وقد سمح هذا التعريف الضيق للتعذيب بالكثير من الممارسات والأفعال المؤلمة والمهينة وغير الإنسانية.

أما وزارة الدفاع فقد كانت هي أيضا مهتمة بأن تضع ممارساتها داخل إطار قانوني، ففي أكتوبر 2002 تلقت رئاسة أركان الجيش مذكرة بها توصيات عن ضرورة استحداث توصيفات متدرجة لوسائل عنيفة يمكن استخدامها لانتزاع اعترافات من المحتجزين في معسكر جوانتانامو. ففي المرتبة أ تندرج أساليب الاستجواب العادية، والصياح والتضليل: أما المرتبة ب فتشمل استخدام أوضاع مؤلمة، كتغطية الرأس برداء، والتعرية، وحلق شعر الرأس واللحية إضافة إلى افتعال ضغط عصبي عن طريق الخوف (مثل الخوف من الكلاب): أما المرتبة ج فتشمل تهديد السجين بالموت أو بالألم المبرح، والتعرض لبرد قارس أو ماء بارد، إضافة إلى استخدام فوطة مشبعة بالمياه لإيهام السجين بإمكانية الاختناق غرقا. وقد قبلت وزارة الدفاع الأساليب المقترحة في المرتبتين أ وب، ورفضت تلك الواردة في المرتبة ج قائلة إنها غير ضرورية في الوقت الحالي.

وقد أثارت تلك المذكرة وأساليب الاستجواب التي سمحت بها الكثير من الأسئلة من قبل المستشارين القانونيين في المؤسسة العسكرية الأمريكية المهمومين بالأبعاد القانونية لتلك الممارسات المقترنة بالحرب على الإرهاب. ففي يوليو 2004 مثلا كتب ألبرتو مورا Alberto Mora، المستشار القانوني للبحرية، إلى وليام هاينز William Haynes، المستشار القانوني لوزارة الدفاع، متسائلا: ما الذي يعنيه الحرمان من الضوء والمؤثرات الصوتية؟ هل من المسموح حبس المعتقل داخل زنزانة كاملة الإظلام؟ ولأي مدة؟ لمدة شهر؟ أم أكثر من شهر؟ ما هو تحديدا المقصود بالسماح باستخدام الهلع phobia؟ هل يمكن مثلا إجبار المعتقل على النوم داخل نعش؟ هل يمكن استخدام الفوبيا حتى الجنون؟

توضح هذه المذكرات والتساؤلات التي أثارتها أن التعذيب الذي تمارسه السلطات الأمريكية يمتاز عن ذلك الذي يمارس في دول العالم الثالث بأنه لا يمارس في الظلام أو الخفاء، بل يمارس في وضح النهار ويزدهر عند ذلك الخط الفاصل بين ما هو قانوني وما هو غير قانوني. وليس معني هذا أن معسكر جوانتانامو مكان مفتوح لا خبايا فيه: فالمعسكر تكمن فعاليته في الخوف الذي يثيره في قلب من يقبع خارجه تحديدا لأنه مكان محجوب عن الأنظار. الخوف والترهيب إذن هما مفتاح فهم سياسة بوش في الحرب على الإرهاب، ومما لا شك فيه أن تركة بوش التاريخية ستكون إقامة دولة تهيمن عليها مخاوف الأمن القومي، تلك المخاوف التي يوجد لها وجهان: الوجه الأول هو الخوف من الإرهاب الذي يبرر أعمال تلك الدولة، والوجه الثاني هو الخوف من التعذيب لإرهاب أعداء تلك الدولة وإخضاعهم.

أجامبين والحرب على الإرهاب

بهذا المعني فإن حرب بوش على الإرهاب هي حرب على القانون بقدر ما هي حرب بالقانون، ويجب علينا إذا أردنا أن نفهم تلك السياسة الخطيرة التي تنتهجها أعتى قوة في العالم أن ندرك البعد القانوني في هذه الحرب غير المألوفة. ومرة أخرى تقدم لنا أعمال أجامبين أداة يمكن بها فك طلاسم هذه السياسة الجهنمية. فبوش يحتل الآن مكانة صاحب السيادة (كما وصفه أجامبين وشميت)، فهو الذي يقرر أن ما تتعرض بلاده له يرقى إلى حالة استثنائية تعطيه الحق لأن يعلق القانون ويبطله. على أن هذا التعليق وذلك الإبطال لا يعني أن بوش ليس معنيا بالقانون، فكما رأينا إن دل كتاب أوراق التعذيب على شيء فإنما يدل على الأهمية القصوى التي يوليها الرئيس ومستشاروه للقانون. على أنه قانون غير ذلك الذي ألفناه وخبرناه، فاتفاقيات جنيف لا محل لها، والقانون الدولي لا سلطان له. حتى القوانين التي يصدرها الكونجرس يحاول الرئيس ومستشاروه التأكيد على أن الظروف الحالية تستلزم إعفاء الرئيس منها وتوسيع صلاحياته حتى وإن كان ذلك منافيا للمبادئ الدستورية. ولأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة تجد المحكمة العليا نفسها مهمومة بتحديد مفهوم السلطات الرئاسية حتى طغى هذا الاهتمام على غيره من القضايا الملحة التي تنظرها المحكمة. فبإعلانه الحرب على الإرهاب أصبح الرئيس بوش صاحب السيادة بامتياز، وأصبح يحتكر قرار إعلان حالة الاستثناء وبه يطمس الخط الفاصل بين القاعدة القانونية والواقعة الفعلية وبذا يفرغ القانون من معناه، تماما كما شرح كارل شميت المنظر القانوني الأول للنازية.

الحالة المصرية: العذاب ودنشواي والحرب على الإرهاب

هذا وإذا كانت لأفكار أجامبين أهمية عند محاولة شرح سياسة بوش وإعلانه الحرب على الإرهاب فإن تلك الأهمية تزداد في الحالة المصرية وتحديدا عند رصدنا لتفشي ظاهرة التعذيب في أقسام الشرطة والسجون وأماكن الاحتجاز. وبما أن التعذيب في مصر ليس وليد اللحظة، إذا أن جذوره تعود إلى القرن التاسع عشر، فقد يكون من المفيد إن أردنا دراسة هذه الظاهرة وتحليلها الرجوع إلى الماضي القريب ليس بغرض تقديم عرض واف عن تاريخ التعذيب في مصر ولكن للتوقف عند بعض اللحظات المفصلية من هذا التاريخ علها تساعدنا على فهم الظاهرة ومدى ارتباطها بمفهوم السيادة كما أوضحه أجامبين. وأولى هذه المحطات التاريخية هي لائحة بالغة الأهمية أصدرها سعيد باشا عام 1862 وإن تكاد تكون مجهولة لدى مؤرخي القانون المصري، وأعني بها لائحة تبديل الضرب بالحبس. وتكمن أهمية هذه اللائحة في أنها وضعت حدا للأحكام القضائية التي كانت تصدر بالضرب بالكرباج عقابا على أفعال حددتها القوانين والتشريعات المختلفة التي كان ولاة مصر يصدرونها من منذ أواخر العشرينات من القرن التاسع عشر. فأول قانون جنائي أصدره محمد علي (سبتمبر 1829) نصت ستة مواد من مواده السبعة عشر على الجلد بالكرباج. وبالمثل نص قانون الفلاحة الذي صدر بعد ذلك بشهور قليلة، والذي تناول الجرائم المتعلقة بإتلاف الملكية العامة وكذلك سوء تصرف موظفي الحكومة، على استخدام الكرباج في 31 مادة من مواده ال35. بالإضافة إلى ذلك نص القانون السلطاني الصادر في عام 1852، والذي كان بمثابة القانون الجنائي الرئيسي حتى مجيء الاستعمار البريطاني لمصر عام 1882، على الجلد ما بين 3 جلدات و99 جلدة للكثير من الجرائم التي نص عليها. ثم جاءت هذه اللائحة لتستبدل عقوبة الضرب بالحبس ووضعت قائمة بعدد السياط في القوانين القديمة يقابلها عدد أيام الحبس حسب اللائحة الجديدة.

على أن التعذيب في مصر الخديوية (نسبة إلى لقب خديوي الذي كان يستخدمه ولاة مصر دون غيرهم من ولاة الولايات العثمانية الأخرى) لم يقتصر على استخدام الكرباج كعقوبة قانونية نصت عليها القوانين والتشريعات، بل كان منتشرا في أقسام الشرطة (وكانت وقتها تسمى ضبطيات أو أتمان) والمراكز الإدارية في الريف (المديريات، أي المحافظات الآن) بغرض انتزاع اعتراف من المتهمين أثناء التحقيق معهم في قضايا جنائية. وكما كان الحال بخصوص اللجوء للتعذيب كعقوبة لم يكن اللجوء له كوسيلة لاستخلاص اعتراف عملا غير قانوني يحدث في الخفاء، فسجلات الشرطة ووثائق المديريات التي تعود لتلك الفترة حافلة بنصوص تدل بوضوح على أن التعذيب لم يكن سرا تحاول السلطات التستر عليه أو عملا تحاول إنكار حدوثه في الأصل، بل توجد في مكاتبات تلك الفترة نصوص مثل وشددنا عليه العذاب أو ضربناهم حتى تناثر لحم أرجلهم (في إشارة إلى عدد من الرجال كانوا قد اتهموا في قضية سرقة). على أنه وبحلول الستينات من القرن التاسع عشر نستطيع أن نلمح تطورا هاما أدى في النهاية إلى التخلي عن هذا الأسلوب في تحقيق القضايا الجنائية وإقامة أدلة الإثبات فيها. وعوضا عن التعذيب لجأت السلطات تدريجيا إلى وسائل أخرى لإقامة الدليل القانوني كان من أهمها الطب الجنائي (أي الطب الشرعي).

***

وقد يحلو للبعض تفسير ذلك التحول عن التعذيب سواء كعقوبة أو كوسيلة من وسائل إقامة أدلة الإثبات على أنه نتيجة لانتشار الأفكار الغربية عن فظاعة التعذيب وتعارضه مع القيم الإنسانية والليبرالية التي تقام عليها الأنظمة القانونية الحديثة. وقد يذهب البعض الآخر للقول أن البعثات العلمية لأوربا وحركة الترجمة التي شهدتها مصر في تلك الفترة قد تكون ساعدت على انتشار هذه الأفكار التنويرية من بيئتها الأوربية إلى تربتها المصرية الجديدة. على أنه بدراسة سجلات ومكاتبات تلك الفترة لا نجد دليلا على أن أفكار التنويريين كان لها أي أثر في ذلك التحول الهام الذي شهدته الساحة القانونية المصرية في الستينات من القرن التاسع عشر، فلا لائحة 1862 ولا التخلي التدريجي عن التعذيب كوسيلة من وسائل إقامة الأدلة القانونية كان نتيجة لانتشار أفكار ليبرالية من أوربا سواء عن طريق البعثات التعليمية أو الترجمة. بل يبدو أن هذا التطور الهام في القانون المصري والذي أفقد التعذيب مكانته المتميزة (ليعود مع الاحتلال البريطاني كما سيتضح لاحقا) كان نتيجة ازدياد الاقتناع بعدم فعاليته سواء كعقوبة أو كوسيلة من وسائل إقامة الأدلة القانونية. فمكاتبات الإدارة في تلك الفترة توضح كيف أدرك القائمون على التعذيب أن الاعترافات التي يحصلون عليها من المتهمين نتيجة التعذيب لا يعول عليها إذ تبين لهم أن المتهم عادة ما يدلي بأي شيء يريده معذبوه حتى يخلص نفسه من التعذيب. أما التعذيب كعقوبة فقد ظهرت له هو الآخر مشاكل عميقة في التطبيق الفعلي، فحتى بعد تقنين عدد ضربات الكرباج للجرائم المختلفة كانت المشكلة تكمن في توحيد درجة الألم الذي ينتجه الضرب، فاستحالة قياس كمية الألم التي تجعل الشاب مثلا أكثر احتمالا للضرب من الكهل هي التي أدت في النهاية إلى النتيجة المنطقية وهي أن التعذيب لا يساوي بين الناس وإلى الاعتقاد أن السجن يتلافى هذه المشكلة.

على أن أهم سبب وراء التخلي التدريجي عن التعذيب كان ما تمثله ممارسة التعذيب من انتهاك لمبدأ السيادة التي كان ولاة مصر يجتهدون في احتكارها. فكما تظهر قضية سلطان العبد التي بدأ بها هذا المقال كانت أعمال الضرب بالكرباج تفضي في أحيان كثيرة إلى الموت، وهناك مكاتبات عدة توضح انزعاج السلطات من هذا التطور الخطير. وكان وراء هذا الانزعاج الخوف من أن يؤدي تشطي المديرين في تنفيذهم للأحكام إلى انهيار القانون والنظام، الأمر الذي حدا بالسلطات إلى وضع ضوابط تحد من هذا التشطي وتؤكد على أن تطبيق حد الموت لا ينبغي أن يتم إلا بأمر من الوالي/الخديوي. وفي هذا السياق يجب التذكر أن من أهم تركات عباس باشا الذي تولى الحكم من 1848–1854 كان تأكيده على أن أحكام القصاص التي كانت تصدر بحق من أدين بالقتل العمد داخل القطر المصري يجب أن يصدٌّق عليها من قِبل والي مصر لا من قِبل السلطان العثماني كما زعم السلطان عبد المجيد ومستشاروه. وبمعنى آخر كان التحول التدريجي عن التعذيب نتيجة انزعاج الوالي من أن التعذيب بالكرباج يمكن أن يفضي إلى الموت في الوقت الذي كان يحاول فيه جاهدا أن يستأثر بهذه الحق (حق سحب الحياة) ويحتكره معتبرا إياه أنه من أنجع وسائل تحقيق السيادة ومن أهم رموزها.

***

أما المحطة التاريخية الثانية المتعلقة بتاريخ التعذيب في مصر الحديثة فتعود إلى عام 1906 عندما وقعت حادثة دنشواي، تلك الحادثة التي اعتبرت علامة فاصلة في تاريخ الحركة الوطنية المصرية وفي الكفاح ضد الاحتلال البريطاني. ففي يوم 11 يونيو من ذلك العام ذهب بعض الجنود الإنجليز لصيد الحمام في قرية دنشواي في الدلتا الأمر الذي أدى إلى صدام مع الأهالي راح ضحية بعض الفلاحين إضافة إلى ضابط بريطاني مات بسبب ضرب تلقاه من الفلاحين زادت وطأته نتيجة إصابته بضربة شمس. على أن تفاصيل ما جري في ذلك اليوم أقل أهمية مما حصل بعده، ذلك أن اللورد كرومر، المعتمد البريطاني الذي تولى حكم البلاد فعليا منذ عام 1883، قرر عندما علم بالأمر الاستناد إلى أمر كان قد أصدره عام 1895 شكل بمقتضاه محاكم استثنائية بغرض توقيع عقوبات رادعة وشديدة القسوة للتعامل بسرعة وحزم مع حالات الهجوم على الجنود البريطانيين. وهذا ما حدث بالضبط، إذ لم يمر أسبوعان إلا وقد تشكلت هيئة المحكمة وأصدرت أحكاما بالإعدام على أربعة فلاحين والجلد بالكرباج علنا على ثمانية آخرين والسجن لمدد طويلة لاثني عشر متهما آخرين.

وتكمن أهمية هذه الأحكام ليس في قسوتها أو عدم مواءمتها للجرم الذي ارتكب بل في تناقضها الصريح مع كل ما كان كرومر يردده طوال ربع قرن محاولا إسباغ الشرعية على الاحتلال. فكرومر ومنذ عام 1883 دأب على محاولة إقناع الرأي العام في بلاده بأهمية التواجد البريطاني في مصر، وفي سبيل ذلك زعم كرومر، كغيره من الإمبرياليين، إن البريطانيين ما أتوا إلى مصر إلا كارهين وأن انسحابهم منها سوف يفضي إلى حالة من الفوضى القانونية وإنه قد نجح في تأسيس دولة حديثة مبنية على سيادة القانون. ولخص كرومر إنجازاته في جملة إنشائية تقول إن البريطانيين قد نجحوا في القضاء على ال 3Cs، وقصد بذلك:corruption, corve and corbaj، أي الفساد والسخرة والكرباج. ثم جاءت حادثة دنشواي لتوضح تهافت مقولات كرومر وادعاءاته عن إنجازات الرجل الأنجلوساكسوني في مصر، ففي أول اختبار حقيقي لسلطة الاحتلال اضطر إلى استخدام الكرباج بنفس الشكل الوحشي الاستعراضي الذي كان يلوم الرجل الشرقي عليه.

على أن ما يعنينا في هذا السياق هو أن عقوبة الجلد بالكرباج وتنفيذها بشكل علني كما حدث في دنشواي كانت عقوبة قانونية ولم تكن عملا من أعمال الانتقام الفاضح الذي يتنافى مع تقاليد الإمبراطورية البريطانية، حسب ما جاء في مداولات مجلس العموم في مناقشته للحادثة يوم 4 أغسطس 1906. فالأحكام القاسية التي صدرت في حق متهمي دنشواي كانت، تعريفا، أحكاما قانونية إذ أنها صدرت من محكمة قضائية. المشكلة تكمن في طبيعة المحكمة وليس في قراراتها، إذ أن هذه المحكمة كانت قد شكلت حسب قانون استثنائي وليس بناء على القضاء العادي الذي كان كرومر يفتخر به. وبمعني آخر فإن ما توضحه حادثة دنشواي ليس فقط المأزق الأخلاقي الذي تعاني منه سلطة الاحتلال والفكر الإمبريالي بشكل عام بل أيضا الالتباس القانوني الذي يكتنف لحظة الحداثة، فإذا تخلينا عن التعريف الشائع لمفهوم السيادة على أنه احتكار وسائل العنف أو احتكار الحكم وإذا، عوضا عن ذلك، قبلنا - كما يحثنا أجامبين - مقولة شميت القائلة بأن سيادة الدولة هي احتكار القرار لبدا لنا إصدار كرومر للقانون الاستثنائي الذي شكلت على أساسه محكمة دنشواي كالعمل السيادي الأصيل بألف لام التعريف. فبالتأكيد على حقه في تقرير حالة الاستثناء التي يعلق فيها القانون العادي ويحل محله القانون الاستثنائي يكون كرومر قد كرس مكانته كصاحب السيادة في مصر ويكون ادعاؤه بأنه مؤسس مصر الحديثة ادعاء صحيحا.

***

أما المحطة التاريخية الأخيرة فهي اللحظة الراهنة التي يجمع المراقبون أنها تشهد تفشي ظاهرة التعذيب في طول البلاد وعرضها والتي أصبح التعذيب فيها سياسة تنتهجها السلطات بشكل منهجي وواسع الانتشار. وقد رصدت المنظمات غير الحكومية الآلاف من حالات التعذيب التي وقعت في الأقسام والسجون ومقار مباحث أمن الدولة. وأصدرت المنظمات الدولية عدة تقارير في هذا الشأن موثقة بأقوال الضحايا وصورهم وسير الدعاوي القضائية. بل أن المجلس القومي لحقوق الإنسان، وهو جهة حكومية، أصدر هو الآخر تقارير نوه فيها إلى هذه الظاهرة وحذر من خطورتها.

أما كيف استشرى التعذيب في مصر بهذه الصورة فيكاد يجمع المراقبون على أن ذلك كان مرتبطا بحالة الاستثناء التي أعقبت حادث المنصة عام 1981 حين اغتيل رئيس الدولة وبعد أن اندلعت أعمال عنف في الصعيد تبين سريعا أنها كانت جزءا من مخطط للاستيلاء على الحكم. ويجمع من تصدى لدراسة ممارسات التعذيب في تلك الفترة الحرجة على أن حفلات الاستقبال (وهي التسمية الشائعة لممارسات الضرب والإهانة التي كان المعتقلون يستقبلون بها عند وصولهم للأقسام ومقار مباحث أمن الدولة) تعود إلى تلك الفترة. ومما لا شك فيه أن إعلان حالة الطوارئ في أعقاب اغتيال الرئيس السابق أنور السادات الذي أعطى رئيس الجمهورية ووزير الداخلية الحق في اتخاذ إجراءات تعد في الأحوال العادية غير قانونية قد ساعد على انتشار ظاهرة تعذيب المعتقلين، ففي ظل خطر اعتبرته الدولة خطرا استثنائيا تعدت حالة الطوارئ قانون الطوارئ بالمعنى الضيق وأثرت سلبا ليس فقط على البنية التشريعية بل أيضا على عمل الشرطة في القبض والاحتجاز والتحقيق، وتم غض الطرف عن تجاوزات عديدة حتى لقانون الطوارئ في سبيل ما اعتبر أنه محاولة مشروعة لدرء خطر جاثم على صدر المجتمع.

ومع تزايد حدة المواجهة بين أجهزة الدولة والجماعات الإسلامية المسلحة في التسعينات زادت وتيرة اللجوء للتعذيب في أقسام الشرطة ومقار مباحث أمن الدولة بشكل غير مسبوق، ومهد لذلك تطوران تشريعيان، الأول وسع من تعريف الإرهاب توسعا مفرطا، والثاني ضيق من تعريف التعذيب تضييقا مخلا. فكما حدث في الولايات المتحدة بعد أحداث سبتمبر حينما أعطى الكونجرس الرئيس صلاحيات غير مسبوقة لمواجهة خطر صنف على أنه استثنائي وحسب دراسة حديثة بعنوان الحقوق الشخصية في خطر صادرة عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وهي إحدى جمعيات حقوق الإنسان، مررت الحكومة عام 1992 في مجلس الشعب عددا كبيرا من التعديلات على عدة قوانين من بينها قانونا العقوبات والإجراءات الجنائية عرفت جميعا باسم قانون مكافحة الإرهاب. وإلى جانب استحداث عدد كبير من الجرائم في قانون العقوبات دون تعريفها بدقة، ومنح سلطات الدولة صلاحيات استثنائية واسعة فإن أخطر ما في هذا التعديل كان تعريف الإرهاب الذي تم تضمينه في المادة 86 من قانون العقوبات ... بشكل واسع وشديد العمومية ووفقا لهذا التعريف فإن عددا غير محدود من الأفعال يمكن تصنيفها كجرائم إرهابية في حين أنها لا تعدو أن تكون ممارسة سلمية لحقوق يكفلها الدستور والاتفاقيات الدولية الملزمة للحكومة كالحق في حرية التعبير أو حرية التجمع السلمي أو الإضراب عن العمل أو الدراسة.

في الوقت نفسه يعرف القانون المصري التعذيب تعريفا ضيقا يكاد لا ينطبق إلا على نسبة ضئيلة جدا من حالات التعذيب التي تتم في السجون وأقسام الشرطة ومقار مباحث أمن الدولة. فقانون العقوبات المصري ينص في المادة 126 على أن كل موظف أو مستخدم حكومي أمر بتعذيب متهم أو فعل ذلك لحمله على الاعتراف يعاقب بالأشغال الشاقة أو السجن من ثلاث إلى عشرة سنوات، وإذا مات المجني عليه يحكم بالعقوبة المقررة للقتل العمد. وقد مكنت هذه المادة المحورية السلطات المصرية من نفي تهمة التعذيب عن الكثير من الممارسات التي تحدث في أقسام الشرطة وأماكن الاحتجاز الأخرى، إذ أنها تقصر تعريف التعذيب على 1) الأفعال التي تحدث في قضية ينظر فيها بالفعل، 2) وبعد أن يتم توجيه تهمة للمحتجز، و3) والتي تتم من أجل الحصول على اعتراف، في حين أن التعذيب يمارس في حالات كثيرة أخرى مثل التعذيب لمجرد الاشتباه، والتعذيب لأسباب شخصية لمصلحة القائم على التعذيب أو لمصلحة طرف آخر والتعذيب لمجرد الحط من الكرامة والإذلال النفسي.

وقد مكنت كل من هاتين المادتين الأجهزة الأمنية من أن توسع من عمليات التعذيب حتى أصبح ممارسة شائعة يتعرض لها ليس فقط المحتجزين سياسيا أو جنائيا بل الناس العاديين، فبذلك التعريف الواسع للإرهاب أصبح من الممكن تصنيف الكثير من الأفعال العادية كجرائم إرهابية، في الوقت الذي أعطت فيه الدولة لأجهزتها الأمنية الضوء الأخضر في تعذيب المعتقلين مع حصانة كاملة من هذه الجريمة.

ومن هنا يتضح أن الحرب المصرية على الإرهاب كانت هي الأخرى حربا بالقانون بقدر ما كانت حربا على القانون. فالدولة المصرية معنية، شأنها شأن الإدارة الأمريكية، بالمسائل القانونية، وإن كانت منظمات حقوق الإنسان العالمية والمحلية تجمع في كل من البلدين أن الكثير مما يرتكب في معسكر جوانتانامو وفي أقسام الشرطة المصرية يجب أن يندرج تحت مسمي التعذيب فإن كلا الدولتين تبذلان جهودا قانونية قصوى لنفي هذه التهمة.

على أنه إذا كانت الحالة المصرية تشترك مع الحالة الأمريكية في الاهتمام بالجوانب القانونية وعدم إغفالها، فإن هناك نقطتين أساسيتين تميزان الحرب المصرية على الإرهاب مع ما صاحبها من تعذيب عن مثيلتها الأمريكية. وأولى هاتين النقطتين هي أن التعذيب يجري في مصر في أقسام الشرطة ومقار مباحث أمن الدولة أي في نفس الأماكن المفترض فيها حفظ الأمن وإقامة القانون. أما في الولايات المتحدة فلم يحدث هذا بعد بل اجتهدت السلطات الأمريكية في أن تمارس التعذيب على أراض غير أراضيها عن طريق تكليف دول مثل مصر والأردن وغيرهما بتعذيب مشتبه فيهم بغرض استخلاص معلومات قد تفيد في الحرب على الإرهاب extraordinary rendition، أو في معسكر جوانتانامو. أما النقطة الثانية فهي أن السجال الذي دار في الولايات المتحدة في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر حول صلاحيات الرئيس والقواعد الاستثنائية الضرورية لمواجهة الإرهاب كان يقصد منها حماية الشعب. صحيح أن الإدارة استخدمت الخوف من الإرهاب لتبرير ممارساتها الإشكالية، إلا أن الخوف من الإرهاب كان خوفا حقيقيا تزكيه مشاعر عنصرية عميقة. ومن أهم توصيفات هذا الخوف نظرية القنبلة الموقوتة the ticking bomb scenario والتي تفترض وجود قنبلة موقوتة على وشك الانفجار في وسط تجمع سكاني وأن تفجيرها سيودي بحياة عدد كبير من الناس، إلا أنه يمكن وقفها لو استخلصنا اعترافا من أحد المشتبه بهم الذي توجد لدينا شكوك قوية بأنه يعرف مكان تلك القنبلة وطريقة إبطالها. وهنا يثار التساؤل: هل تعذيب هذا الشخص بغرض انتزاع معلومات منه عن هذه القنبلة يعتبر مشروعا؟ أما في مصر فلم يثر السؤال على هذا النحو، بل ظل دائما محصورا في الخطر الذي يمثله الإرهاب للنظام ورموزه، فكما عبر صفوت الشريف أمين عام الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم في البرلمان يوم 8 مارس 2007: يجب تذكير المواطنين بما حدث في محاولة اغتيال الرئيس مبارك في أديس أبابا، وحادث المنصة الذي اغتيل فيه الرئيس السادات والهجوم على مديرية أمن أسيوط. وتساءل هل المطلوب أن نقف مكتوفي الأيدي أمام من يحاولون تدمير المجتمع؟

إن التماهي بين المجتمع والنظام هو ما يميز التجربة المصرية في التعامل مع الإرهاب عن مثيلتها الأمريكية.على أن ما يجمع بينهما هو طمس هذا الخط الفاصل بين القانون والواقع، بين القاعدة المجردة والحدث الواقعي، ذلك الطمس الذي سمحت به حالة الاستثناء التي تعزز من سلطة صاحب السيادة وتؤكدها. إن حالة الاستثناء تلك هي التي تحول حياة معتقلي معسكر جوانتانامو إلى حياة جرداء وهي التي تحول المواطنين المصريين إلى خلعاء بعد أن خلعت عنهم الحماية القانونية في نفس المكان الذي كان يفترض أن يقيم القانون ويحفظه، وبذلك أصبحوا شأنهم شأن معتقلي المعسكر الكوبي يحيون حياة جرداء.

وفي غياب المقاومة الفعالة لحالة الاستثناء الذي يقرر بها صاحب السيادة تعليق القانون وتفريغه من معناه وفي تماه واضح مع التجربة الأمريكية في الحرب على الإرهاب واستلهامها، قررت الدولة المصرية مد الخطوط على استقامتها والتخلص من ضرورة وجود حالة استثناء لكي يقرر في ضوئها صاحب السيادة إعلان حالة الطوارئ وتعليق العمل بالقانون العادي، وقررت عوضا عن ذلك إدخال نصوص تتعامل مع الظرف الاستثنائي إلى صلب الدستور الذي يتعامل، تعريفا، مع الظرف العادي، في تعارض واضح لمفهوم القانون وإفراغ صريح لما يحتويه الدستور من قيم ومبادئ. وصدقت الحكومة المصرية عندما قالت إنها ليست الوحيدة التي تستحدث تشريعات وتعديلات دستورية لمواجهة هذا الخطر الاستثنائي، فالتاريخ يعطينا أمثلة عديدة لدول عريقة تعاملت مع أخطار استثنائية بشكل مماثل، ولعل تجربة ألمانيا تعد أقرب التجارب للتجربة المصرية، فبعد يوم واحد من الحريق الذي التهم مبنى الرايخستاج (البرلمان) في 27 فبراير 1933، ذلك الحريق الذي اعتبر أنه يمثل خطرا لوجود الدولة ذاته، أصدر هتلر قرار حماية الشعب والدولة الذي علق به الكثير من نصوص الدستور التي كانت تحمي الحريات الشخصية. وكما يقول أجامبين لم يلغ هذا القرار قط وبالتالي يمكن اعتبار الرايخ الثالث برمته من وجهة النظر القانونية على أنه يمثل حالة طوارئ استمرت اثنتي عشر عاما. وغني عن البيان أن استدامة حالة الطوارئ لهذه المدة وتعليق الحريات الدستورية أثناءها أدى إلى ظهور معسكرات الإبادة وإلى تحويل الشعب الألماني، وليس فقط الملايين الذين سيقوا إلى المعسكرات، إلى أناس خلعاء يستحوذون على حياة جرداء، أي حياة يمكن أن تسحب منهم في أي وقت.


نحن السابقون و هم اللاحقون

<!-- start main content -->

في كيفية تحويل المواطنين إلى خلعاء بلا دية: التعذيب من جوانتامو إلى أقسام الشرطة

العكس اصح من اقسام الشرطة الي جوانتاموا اللي بيحصل في جوانتامو جديد بينما منذ اقدم رئيس جمهورية وتحديدا في عهد الرئيسين الله يرحمهم زي ما رحموا الشعب و راس الكوبرى مبارك و ظهرت السجون العسكريه و السياسيه علي نطاق واسع حيث يمارسوا عادتهم السيئه الدمويه التعذيب و استحلال العرض للحفظ علي كرسي العرش ولا يعتبروا الشعب هو حاكم نفسه بل يعتبروا انفسهم هم اللي بنوا الشعب اصله بسبعين مليون ايد كان بيشيل الطوب وبيدفع في المستشفيات دم قلبه وورث الفلوس من علي كرسي الحكم مش عارف و بعدين يعني سيدته قاعد ومريحها علي الاخر وبيشغلها في تبادل اسرى و الحفاظ علي صحتهم وحجات سريه بتنفعنا بس نفعها درجه تلته يعني اهم حاجه للانسان انوا يلاقي اكل بعدين هدوم وبعدين مأوى يحميه و بعدين امن خارجي من الغزو بس تقول ايه اللي بيخاف من حد غير ربنا مش هيراعي ربنا احنا بنحذر ونعمل اللي علينا غير اننا اصلا جبنات وسخين يا بنطلع نشتغل بره يا بنام في بيوتنا ونقول ولحنا مالنا يا ابني ما لكش دعوه بالمظهرات يا ابني خلي بالك من اللي بتقول لحسن تروح ورا الشمس و كانها مش بلدنا بلد سعدته مالك العرش استغفر الله العظيم ديه بلدنا مش واحد اللي هيمشينا بمزاجولحسن بعد كده كل واحد يمشينا بمزاجو و يجي يقول اعمل نعمل احنا 70 مليون و الجيش منا ونقدر نتحكم في مصرنا بس معندش انتملء و لا بنحس انها بلدنا ولازم نعليها وده غلطنا كفاية كده لحسن لو فتحت مش هسكت وهبيت بكرة في السجن ولو استمرت هشتم وديه الصراحه مش اخلاقي لانوا هو وحكمه ما يستهلوش ربع حسنه من حسنتي و مش ناقص كمان اخد ذنوبهم لاني معنديش حسنات كتير كلهم 2 ولا3

مدونتكم هذه

مدونتكم هذه صداع في رأس النظام تماما كلإيلم هويدا طه ومقالات إبراهيم عيسى وبرامج حمدي قنديل

تابعوا وبارك الله في جهودكم

 

Tags for في كيفية تحويل المواطنين إلى خُلعاء بلا ديّة: التعذيب من جوانتانامو إلى أقسام الشرطة