تعويضات المعذبين.. أحكام نهائية تتجاهلها الداخلية

Submitted by تعذيب on Tue, 2007/02/13 - 14:37.

 

أعدته عزة مسعود ل"المصرى اليوم"

فتحت وقائع التعذيب التي تم الكشف عنها مؤخراً عبر وسائط إلكترونية - ملف التعويضات الشائك لقضايا التعذيب. وألقت بمن تعرضوا لمثل هذه الوقائع سواء في أماكن الاحتجاز الخاصة وأقسام الشرطة أو في المعتقلات في دائرة مغلقة من العذاب المقيم. فهم الآن يواجهون العديد من الإجراءات القانونية المعقدة والمرهقة لإثبات الواقعة، والتي هي شرط رفع دعوي التعويض وصولاً لحكم، إذا كان من الصعب الحصول عليه، فالأكثر صعوبة هو تنفيذه حالة صدوره.


الواقع يؤكد أن معظم قضايا التعويض عن التعذيب في أماكن الاحتجاز الإداري تم إسقاطها، بينما ظلت الأحكام الصادرة في قضايا التعويض عن التعذيب أثناء فترة الاعتقال حبيسة أدراج وزارة الداخلية بعد رحلة طويلة طافت خلالها الأحكام في الوزارة، ومن المنتظر أن تضاف إليها آلاف الأحكام التي مازالت تتداولها المحاكم. بينما أصحابها يعيشون آلاماً تفوق التعذيب ذاته.


وتؤكد مصادر علي صلة بالقضية لـ«المصري اليوم» أنه لا يوجد حصر دقيق بعدد قضايا التعويضات عموماً، ولكن آخر إحصائية صادرة عن وزارة العدل تشير إلي أن عددها وصل إلي ٢٧٠٥٧ قضية من بينها ١٩٧٦٤ مؤجلة و٧٢٩٣ جديدة، فضلاً عن ٣٥٨ أخري لم تدون بعد.


وتشير الجداول الخاصة بالقضايا المدونة للتداول في رولات محاكم القضاء الإداري وكذلك تأكيدات المحامين - إلي أن العدد يتجاوز ٦٠ ألف قضية، ١٠ آلاف منها تنظرها محاكم الجيزة الابتدائية، وشمال القاهرة وجنوبها. وغيرها المئات لم تدون لفشل أصحابها في الوصول بها إلي ساحات القضاء. لأسباب تتعلق بإجراءات التقاضي بالنسبة للقضايا الخاصة بالتعويض عن التعذيب أثناء فترة الاعتقال.


أما التعويض عن التعذيب في أماكن الاحتجاز الخاصة بمباحث أمن الدولة وأقسام الشرطة، فصعوبة إثبات واقعة التعذيب هو السبب في عدم وصول أي منها إلي ساحات القضاء فيما عدا القليل.


في محكمة شمال القاهرة كان عدد قضايا التعويضات المسجلة أكثر من ٦٠٠ قضية موزعة علي رولات المحكمة خلال أسبوع واحد، والأمر لم يختلف كثيراً في محكمة الجيزة الابتدائية والتي شهدت تداول ٥٦٧ قضية خلال نفس الأسبوع. أقلها محكمة جنوب التي شهدت ٣٨٠ قضية.


أحد أصحاب الدعاوي كان قادماً علي التو من محافظة سوهاج امتنع عن ذكر اسمه قائلاً: مازلت تحت متابعة مديرية الأمن أزورها وفق مواعيد محددة. وأضاف: أقطع المسافة من سوهاج إلي محكمة الجيزة الابتدائية متحملاً ويلات السفر لأكثر من ثماني ساعات من أجل الحصول علي حكم يعوضني سنوات العذاب التي عشتها خلف القضبان. وكنت أظنها ستنتهي بقرار الإفراج الذي صدر لسبب طبي في عام ١٩٩٩، بعد مرور أربعة أعوام علي تاريخ الاعتقال - أغسطس ١٩٩٥ - ولكنني صحوت علي كابوس لا يطاق.


وأضاف: لجأت إلي القضاء برفع دعوي تعويض عن التعذيب الذي تعرضت له أثناء فترة الاعتقال، وكان سبب إصابتي بعجز وصلت نسبته إلي ٧٠% حسب تقارير طبية. وفوجئت بكم العراقيل، أولها الحصول علي قرار الاعتقال كشرط لإقامة دعوي التعويض عن التعذيب وقد امتنعت إدارة شؤون المعتقلين عن منحي صورة منه،

ثم جاءت إجراءات التقاضي لتوسع من دائرة العذاب باشتمالها علي عرض الدعوي علي هيئة المفوضين، التي أجلت نظر الدعوي لحين تقديم وزارة الداخلية دفوعها، فظل الحال لمدة عام، حددت بعده أول جلسة في العام ٢٠٠٠ ثم توالت الجلسات علي مدار أربعة أعوام صدر بعدها الحكم في القضية رقم ٤٣٢٤ بالتعويض بمبلغ ١١ ألف جنيه،

وقبل أن نبدأ في إجراءات استلام شيك من وزارة الداخلية فاجأتنا الوزارة بطعنها علي الحكم أمام القضاء الإداري، فضلاً عن المحاكم الأخري التي توجهت إليها بالطعن رغم عدم اختصاصها مستهدفة في ذلك مد أمد القضية حتي الآن!


وأضاف إبراهيم محمد محمد شرف - صاحب قضية تعويض - من محافظة القاهرة، أن الداخلية تستكمل أساليبها في عرقلة رفع دعاوي التعويض عن التعذيب بكثير من الإجراءات غريبة الشكل، وإذا ما استنفدتها تلجأ إلي الاستشكال، ولأنه لا يوقف الأحكام الصادرة بالتعويض فهي تتعمد عدم التنفيذ بما تتخذه من إجراءات كان منها عرض الحكم الصادر في قضية رقم ٤٩٤٤ لسنة ٤٨ ق علي الإدارة القانونية، ثم إدارة مباحث أمن الدولة إلي أن تم العرض علي مكتب الوزير شخصياً.


وقال إبراهيم شرف: انتظرت تنفيذ الحكم الصادر في العام ١٩٩٨ بتعويض بمبلغ ألف جنيه «فقط لاغير» دون جدوي.
.. وفي إمبابة منطقة أبناء ديوانية الإمام الغزالي، تناست زوجة مجدي عبد الفتاح محمد ان لها قضية تعويض عما تعرض له زوجها من تعذيب أثناء فترة اعتقاله التي لم تستغرق أكثر من ٩ أشهر من تاريخ الاعتقال الذي تم في ٥/١٠/١٩٨٦ انتهي في ١٣/٧/١٩٨٧ وقالت: السنوات التي مرت كانت كفيلة بأن أنسي، عشرين عامًا قضيتها ألف علي المحاكم من جلسة إلي جلسة وتصدمني نفس الجملة «تؤجل القضية لحين استكمال المستندات».


وأخذت دموعها تتساقط وهي تتساءل: أي مستندات وزوجي مصاب بتليف في خلايا المخ تسببت فيه صعقات الكهرباء التي تعرض لها أثناء الاعتقال، ثم كررت: «مللت الانتظار وكل ما أخشاه هو مستقبل أبنائي الذين لم يعد لهم إلا الله، خاصة أن زوجي لم يعد له أي مستحقات لدي شركة المقاولون العرب التي فصل منها بعد الاعتقال بشهور.


.. استقبلتنا زوجة سعد أحمد محمد مرزوق، قائلة: امتناع وزارة الداخلية عن تنفيذ الحكم الصادر لزوجي بالتعويض عما تعرض له من تعذيب داخل المعتقل أطفأ فرحتي برجوعه.


واستكملت: قضيت فترة اعتقاله التي تجاوزت ١٤ عامًا أصبر أبنائي مصعب وخلود بكلمة «بابا بكره يرجع» ولكني وبعد الإفراج عنه وجدت عذاب الانتظار تحول لعذاب أشد وأصعب، فقد تراكمت الديون وكنت قد اضطررت إلي الاستدانة لتغطية مصاريف السفريات إلي حيث معتقل الفيوم مرة، ووادي النطرون والوادي الجديد مرات، وبجانب ذلك كانت مصاريف المحاماة وتلبية احتياجات بيتي أضعاف راتبي الذي أتقاضاه عن عملي مدرسة، الذي لا يزيد علي ١٨٠ جنيهًا.


وقالت: اعتمدت علي والدتي بأن قضيت معها وأولادي، الستة أعوام الأولي، وتحاملت علي نفسي فيما تبقي من أعوام، وكان حكم المحكمة بتعويض زوجي بمبلغ ١٠ آلاف جنيه هو الأمل الوحيد في رد ما استدنته من أموال، يطالبني أصحابها بها الآن.


.. محمد كامل عيسوي- من الفيوم- أكد أنه مازال يسعي للحصول علي المبلغ الذي قررته له المحكمة في الحكم الصادر وقدره ألف جنيه، وإن كان هذا المبلغ حسب قوله لا يساوي أبدًا نظره الذي ضاع جراء عمليات التعذيب، ويقول عيسوي: أنا أب لخمسة أولاد ولا أريد أن يمتد العذاب الذي عشته إليهم.


.. ويقول وليد عكاشة - من القاهرة: لا شيء يساوي ما فقدناه بسبب ما تعرضنا له من تعذيب، ومنه إصابتي بانزلاق غضروفي، وأضاف: صدر الحكم في القضية رقم ١٠٣٢١ بالتعويض عما تعرضت له من تعذيب أثناء فترة الاعتقال، التي امتدت من ١٤/٣/١٩٩٥ وحتي ٣٠/٤/٢٠٠٤ وانتظرت تنفيذ الحكم رغم ضآلة المبلغ الذي لم يتجاوز ٢٠٠٠ جنيه لكن دون جدوي،

ومع اشتداد آلام ظهري اضطررت لتكثيف جلسات الكهرباء بمستشفي الزيتون وقصر العيني وهو ما يعني أن أتكبد المزيد من المبالغ المالية، واضطررت رغم إصابتي للبحث عن عمل بدلاً من انتظار قرار الداخلية بتنفيذ الحكم والاعتماد علي التعويض في عمل مشروع صغير.


.. ويستكمل أحمد هاشم همام- أحد الذين عانوا مرارة الاعتقال: كان ممكن أكون حاجة كبيرة، لولا اعتقالي وأنا مازلت طالبًا في الصف الأول الثانوي، لينتهي بي الحال مجرد عامل في أحد الأكشاك أساعد أحد أصدقائي.


وأضاف: تقدمت بالدعوي رقم ١٤٨٤٥ مستأنف لسنة ١٢٢ق لعلني أجد ما يعوضني عن سنوات العمر التي ضاعت «١١ عامًا» وضاعت معها الأحلام صدر الحكم بالتعويض بمبلغ ١٥ ألف جنيه، ومثل جميع الأحكام، مازال حبيس الأدراج.


.. الأمر لم يختلف بالنسبة لـ علاء محمد شوقي نصار الذي لا يتجاوز عمره ثلاثين عامًا.. يقول: اعتقلت في العام ١٩٩٤ وكان عمري ١٧ عامًا، وأصبت خلال فترة الاعتقال- التي استمرت حتي العام ٢٠٠٥- بالعديد من الأمراض.


وأشار علاء إلي أن التقرير الطبي الصادر من مستشفي سجن الوادي الجديد بتاريخ ٢٤/٨/٢٠٠٤ تضمن ما أصيب به من أمراض بسبب عمليات تعذيب كان منها: انزلاق غضروفي بالفقرتين الرابعة والخامسة قطنية، تآكل بمفصل الحوض الأيسر، التهاب كبدي فيروسي، ارتفاع نسبة الصفراء في الدم، تضخم الطحال، ارتجاع بالصمام المترالي بالقلب.


.. وقال: صدر حكم المحكمة في القضية رقم ١٥٣٧٥ بتعويضي بمبلغ ٦ آلالف جنيه، والذي تتعمد وزارة الداخلية عدم تنفيذه رغم أنه لا يتناسب مع الخراب الصحي والنفسي الذي ألحقه بي ضباط وجنود المعتقل.


ويقول أحمد سيد محمد: خرجت من السجن، بفقدان في السمع بالأذن اليمني وتآكل عظام الأذن اليسري وإفرازات صديدية ومضاعفات بالجمجمة نتيجة التراخي في عرضي علي المعالجين أثناء فترة الاعتقال، وصدر الحكم في القضية رقم ١٤٠٢ في ١٢/٢٠٠٤ بتعويضي بمبلغ ٦ آلاف جنيه ولم ينفذ حتي الآن.


مواطن آخر من المنتظرين في طابور ضحايا التعذيب، اسمه أحمد إبراهيم، سقطت دعوته في القضية رقم ٢١٥٢ لسنة ٢٠٠٦ بالتعويض عن تعذيبه في قسم الساحل، لأنه لم يتمكن من استيفاء كل شروط إقامة الدعوي.


مها يوسف المحامية بالجمعية المصرية لمناهضة التعذيب توضح لـ«المصري اليويم» أن جميع الأحكام الصادرة ولم تنفذ في قضايا التعويض عن التعذيب متعلقة بتعذيب وقع خلال فترة الاعتقال، أما ما هو متعلق بفترة الاحتجاز في الأماكن الإدارية كأقسام الشرطة ومنها قضية أحمد إبراهيم فقد سقطت جميعها بموجب قرارات النيابة العامة التي تنص دائماً علي أنه «لا وجه لإقامة الدعوي»، علي الرغم من أن وقائع التعذيب مثبتة بأكثر من دليل، وتستوجب معاقبة مرتكبيها وتعويض الضحايا بما يتناسب وحجم الضرر.


وأرجع ثروت الخرباوي المحامي سقوط دعاوي التعويض عن التعذيب الخاصة بأماكن الاحتجاز الإدارية إلي مجموعة من الأسباب، منها ما هو موضوعي مثل عدم وقوع الفعل المادي المنسوب للمتهم أصلاً، أو عدم معرفة فاعله وعدم كفاية الأدلة التي أسفر عنها التحقيق ضد المتهم، ومنها ما هو قانوني مثل عدم وجود نص يجعل الفعل بحسب ما ثبت من التحقيق جريمة أو لتخلف ركن من أركان الجريمة، أو لوجود سبب من أسباب انقضاء الدعوي الجنائية كالتقادم أو الوفاة.


ولفت الخرباوي إلي أن ما تم الكشف عنه مؤخراً من «كليبات» التعذيب، سوف يصل بقضايا التعويضات عن التعذيب في أماكن الاحتجاز إلي ساحات المحاكم، بل والحكم فيها لصالح من وقعت ضده عملية التعذيب، ذلك لأن الوقائع باتت مثبتة بالصوت والصورة، وهو ما يعد دليلاً دامغاً علي وقوع الجريمة.


من جهته أكد مختار نوح المحامي أن الوزارة تجاهلت الأحكام الصادرة، وأنها ضربت بالقوانين عرض الحائط رغم أن القاعدة القانونية والمحددة بنص المادة ١٦٣ من القانون المدني تقول إن كل من ارتكب خطأ ملزم بتعويض من وقع عليه هذا الخطأ، وهو ما يعني أن وزير الداخلية بصفته وباعتباره مسؤولاً عن أعمال تابعيه هو المسؤول عن تعويض كل من تعرض لواقعة تعذيب.


وأضاف نوح: اضطررت لإنذار الوزير بصفته لتنفيذ الأحكام الصادرة ضده خلال الفترة من ١٩٩٤ حتي ٢٠٠٥، وذلك بالإنذار المسجل يوم الثلاثاء الموافق ٢٨/٣/٢٠٠٦ علي يد محضر، وضمنته الأساليب التي اتبعها معاونوه لوقف تنفيذ الأحكام.


وتابع نوح: لأن الوزير لم يستجب أنذرته علي يد محضر للمرة الثانية بتاريخ ١/١٠/٢٠٠٦، بالأحكام الصادرة والتي مر عليها أكثر من ثماني سنوات ولم تنفذ وهو ما يوقعه تحت طائلة أحكام المادة ١٢٣ من قانون العقوبات والتي تنص علي أن يعاقب بالحبس والعزل كل موظف عمومي استغل سلطة وظيفته في وقف تنفيذ حكم صادر من المحكمة.


ورغم كل هذه الوقائع التي تزدحم بها دوائر التعويضات في المحاكم، سألت «المصري اليوم» المستشار محمد طه النائب الأول بهيئة قضايا الدولة عن رأيه في هذه القضية الشائكة، فأجاب بقوله إن وزارة الداخلية تكبدت خلال الفترة الماضية مليار جنيه تعويضات لضحايا التعذيب الذين صدرت لهم أحكام نهائية بالتعويض، وأوضح في نهاية حديثه أن وزارة الداخلية حريصة علي تنفيذ كل أحكام التعويضات في قضايا التعذيب.

 


Tags for تعويضات المعذبين.. أحكام نهائية تتجاهلها الداخلية