أيام الفزع فى سراندو

Submitted by تعذيب on Mon, 2007/01/15 - 17:09.

 

نشر فى جريدة "العربى"

تطورات دراماتيكية شهدتها معركة فلاحى سراندو بالبحيرة ضد كبار الملاك واجهزة الأمن المتواطئة معهم..المعركة شهدت الاسبوع الماضى استشهاد الفلاحة نفيسة المراكبى من جراء عمليات التعذيب الوحشية التى قادها جلاد الفلاحين الضابط محدمد عمارة .هذا فى الوقت الذى ما زالت فيه قوات الأمن مرابطة فالقرية فتنشر الخوف والهلع فى وسط النساء والبنات اللاتى تعرضن للتحرش الجنسى ..فى حين شهدت القاهرة الخميس الماضى أول تظاهرة للتضامن مع الفلاحين تصدت لها قوات الأمن .. واعتدى رجال الأمن على نائب الشعب حمدين صباحى ومزقوا ملابسه وما زالت الأجواء مليئة بالتوتر والغضب القابل للانفجار ..
وفى يوم الأربعاء الماضى، كانت لجنة تقصى الحقائق على بعد ساعتين ونصف الساعة من مقر ذلك الاحتفال تقدم واجب العزاء فى فلاحة مصرية اسمها نفيسة زكريا محمد المراكبى، زوجة وأم لخمسة ، من الأطفال.. أكبرهم فتاة عمرها 16 سنة وأصغرهم تلميذ فى تانيه تانى.. نفيسه زكريا محمد المراكبى امرأة من النصف مليون امرأة التى احتفلت بهن سيدة مصر الأولى يوم الأربعاء الماضى .


.يقول تقرير اللجنة التى ضمت ممثلين عن مراكز العدالة والنديم والأرض وهشام مبارك الدراسات الاشتراكية وجمعية مناهضة التعذيب والمساعدة القانونية فى يوم الاثنين الماضى دخلت نفيسه قسم استقبال مستشفى دمنهور العام التعليمى فى حالة غيبوبة واحتجزت فى حجرة الصدمة بالاستقبال حتى الساعة الواحدة صباحا من فجر 15 مارس بتشخيص مبدأى صدمة للبحث وفى الساعة الواحدة تم نقلها إلى قسم باطنه حريم - فى الدور السادس - نظرا لعدم توفر أماكن فى الرعاية المركزة لتتوفى فى الساعة السادسة صباحا بتشخيص نهائى اشتباه صدمة جرثومية أى تلوث جرثومى فى الدم.. حين ذهبنا إلى مستشفى دمنهور العام نستفسر عن سبب وفاة نفيسة كانت جثة نفيسه قد تركت المستشفى إلى مدفنها.. وكان ملفها قد ترك المستشفى أيضا.نتساءل : لماذا تموت امرأة شابة فى الثلاثينيات من عمرها وقد كانت قبل وفاتها بثلاثة أيام تسوق البهايم فى الغيط وترعى أبناءها وأسرتها وتتقاسم مع باقى نساء القرية وأطفالها 24 ساعة من الرعب والترويع الذى تمارسه على مدى الأسابيع الأخيرة قوات الأمن المصرية نيابة عن الإقطاعى صلاح نوار.. ومن أين أتت تلك الجراثيم التى قضت عليها .. أية جروح تسببت فى هذه الوفاة السريعة.. ومن تسبب فى تلك الجروح.. وكان لابد أن نذهب إلى القرية لنقدم واجب العزاء ..

ويمضى تقرير اللجنة قائلا ..فى طريقنا إلى مدخل القرية رأينا واحدة من سيارات الأمن المركزى تأتى فى الطريق المواجه.. سيارة خالية من الجنود. خالية من الركاب.. هم إذن مرة أخرى يخلون العزبة من البوليس تحضيرا لقدومنا.. على مدخل القرية بيت نفيسة نفسه.. جمع من الرجال يجلسون خارج الدار كما لو كانوا فى انتظارنا وفى الداخل عشرات النساء المرتديات السواد.. الحزن على الوجوه.. والرعب فى العيون.. ولسان حالهم يقول: لماذا جئتم.. سينكلون بنا لو تحدثنا معكم.. فى زاوية من المندرة المظلمة تجلس أم نفيسة يكاد ظلام الحجرة يذوب فى سواد ملابسها وسواد الهالات المحيطة بالعيون المذعورة تردد بلا انقطاع ان نفيسة قد ماتت موتة طبيعية وان أحدا لم يقترب منها وأنها أبدا لم تحجز وأنها أبدا لم يتم القبض عليها .. مرة ومرتين وثلاثة وكأنه شريط تسجيل يرفض أن ينتقل إلى الأغنية التالية..!! الرسالة إذن وصلت.. هؤلاء القادمون من القاهرة ابتعدوا عنهم .. لا تتحدثوا معهم.. ولاتنسوا أن من قتل نفيسة يعيش بينكم منذ أسابيع وانه السطوة والقانون.. وأنه لا قانون فى سراندو لغيره.. لكن المرأة الثكلى لا تعلم أننا كنا فى المستشفى فتروى لنا كيف ان نفيسة ذهبت إلى المستشفى سيرا على الأقدام!! وأنها كانت بخير حتى أنها كانت تتسامر مع أختها فى قسم الاستقبال!! حتى لفظت أنفاسها فجأة.. وكان لابد من الانسحاب المهذب.. بعزاء مهذب ووعد مهذب بأنه مهما كانت الظروف فإننا لن ندع حق نفيسه وأبنائها يضيع هدرا..


وفى خارج الدار كان الرجال أكثر صراحة: ما الذى جاء بكم؟ انتم تضرون الفلاحين؟ صلاح نوار مستعد للتصالح وأنتم تقفون عائقا بين الفلاحين وبين الصلح.. أنتم تقودون الفلاحين فى طريق خطأ.. من بين الرجال محمد زكى المراكبى.. الوحيد الذى لم يقترب البوليس من منزله.. الوحيد الذى لم يعتقل احد من أسرته.. يرتدى نظارة شمس أنيقة ويحدثنا عن حقوق الفلاحين التى أضعناها نحن!! لكن فى وسط هذه التجمع المعد سلفا لاستقبالنا عشرات الأطفال.. أطفال فى كل مكان وكأن الأرض تطرحهم مع كل خطوة نخطوها فى القرية.. الأطفال تشدنا من ملابسنا لتدلنا على البيوت التى دمرت وعلى النساء التى عادت للتو من الحجز.. وطفل صغير يهمس بشكل متكرر: محمد عمار قتل أمى.. محمد عمار قتل أمي!! وتتوالى قصص النساء.. هؤلاء اللاتى خرجن فى نفس اليوم يتحدثن عن أماكن مظلمة بدون فرش.. بدون غطاء أمضين فيها أياما .. نمن فيها على الأرض الباردة الرطبة.. وتعرضن فيها للإهانة والتحرش الجنسى والسب والضرب ليعترفن عن أماكن الهاربين من رجال القرية.. أخذوهن من منازلهن معصوبى العيون فلا يعلمن إلى أى مكان أخذوهن ثم أطلقوا سراحهن معصوبى العيون أيضا وتركوهن على الطريق العام حيث حاول ضابط الترحيلات أن يعطى كل واحدة منهن خمس جنيهات!!! لتركب إلى منزلها لكنهن جميعا رفضن ووجدن على الطريق أولاد الحلال الذين أوصلوهن إلى أقرب نقطة للقرية.. واحدة منهن تبكى فى كل مرة تحاول أن تحكى لنا فيها ما فعلوه بجسدها.. واحدة أخرى صامتة لا تريدنا أن نذهب لكنها أيضا لا تريد أن تتحدث وتصرخ حين تسمع دوشة العيال خارج المندرة.. واحدة ثالثة تقف بعيدة.. تحدثنا عن بعد غير مدركة ان المسافة لا تسمح لنا بأن نسمع ماتقول.. تحكى وتبكى وترفع يدها كلما حاولنا الاقتراب: قالوا لنا هيبهدلونا لو اتكلمنا معاكم.. نساء على الطريق يسيرن فى مقابلنا يهمسون المخبرين وراكم خللوا بالكم.. صلاح نوار اداهم فلوس عشان يسكتوا.. خللوا بالكم ويسيرون وكأنهن لم يرونا..

امرأة تسحبنا إلى دارها لنلتقى مع واحدة ممن خرجوا فى نفس اليوم وتستأذن لدقيقتين ثم تعود لتلملم الأشياء القليلة فى قفة وتغلق شبابيك المنزل وتستأذننا فى أن نغادر فقد قال لها أحدهم: والله لينفخوكى النهارده بالليل على الناس اللى دخلتيهم عندك. امرأة أخرى تحكى لنا كيف كانت تقضى الليالى خوفا من البوليس.. كيف كانت تذهب إلى المستشفى فى وقت الزيارة ثم تدفع لواحدة من المرضى فى قسم الحريم جنيها أو اثنين لتوافق على استقبالها مسافة سواد الليل كمرافقة لها.. وأخيرا التقينا من كانت مع نفيسة فى الحجز.. شاهدة عيان على ما حدث.. أو على الأقل على جزء منه: أخدونا مع بعض.. ونفيسة كانت منقبة.. شدوا النقاب من على وشها وضربوها والضابط قال لها دانتى طلعتى سودا وكنت فاكرك بيضه.. ومسكها من جسمها وقعد يضرب فيها وبعدين اخدها فى مكان تانى وما شفناهاش بعد كده بعدين عرفنا انها ماتت!!!!! الأخريات يتشجعن على استكمال الرواية.. نفيسة خرجت يوم الاتنين وكانت حالتها صعبة خالص وكانت بتصوت طول الوقت وبييجى لها تشنجات بعدين غابت ودخلوها المستشفى وماتت!! يا لها من وفاة طبيعية.. هكذا اذا ماتت نفيسة.. دخلت على قدميها إلى أماكن الحجز التى لا يعلم مكانها سوى محمد عمار ورجاله وخرجت من هناك إلى المستشفى ثم إلى الموت..

فلاح ينفرد بأحد أعضاء اللجنة لكى يهمس فى أذنيه يا بيه اعذر أهلها ..فهم غلابة ولوحدهم ..فالضابط محمد عمارة قالهم لو طلعتهم الجثة ..أحنا هنخليها تعفن ..والطفل اللى ما تولدش فى سراندو هنخلى شعره يبيض وهنعذبه عذاب الكفار ..وهدد أهل القرية جميعهم قائلا لو كان فيه واحدة ماتت ..هتموت عشرة
..وتتساءل عايدة سيف الدولة عضو لجنة تقصى الحقائق ..من أين أتى هذا الضابط بكل هذا الجبروت ..الذى يجعله يقهر إمرأة بهذه الصورة.؟
وتقول ماجدة فتحى عضو هيئة الدفاع عن الفلاحين : تقدمنا ببلاغ الى المحامى العام الأول الاربعاء الماضى بشأن التحقيق فى واقعتين هما الأولى :تعدى جلاد الفلاحين الضابط محمد عمارة على ممتلكاتهم الخاصة وكذا اكراههم على التوقيع على أوراق يجهلون محتواها.والثانى :الاعتداء على الممتلكات الخاصة بالفلاحين واتلاف منقولاتهم وتحطيم أبواب منازلهم وطلب معاينة النيابة فى واقعة اتلاف المزروعات المنسوبة كذبا الى الفلاحين .

وتضيف ماجدة أما البلاغ الاخر ..فقد تقدمت به ثمانى منظمات حقوقية بطلب التحقيق فى وفاة الفلاحة نفيسة المراكبى، واشكال التعذيب التى مارسها عليها رئيس مباحث دمنهور واعوانه من رجال المباحث. والتحقيق فى واقعة احتجاز كل من الشقيقين محمد عبد المولى وشقيقه محمود دون سند قانونى ،وكذلك محمد أبو زيد الفقى رغم صدور قرار المحكمة بالأفراج عنه منذ اسبوعين .المؤسف تقول ماجدة إن اجهزة الأمن سارعت بالإفراج عن الشقيقين، بينما حددت إقامة الثالث أبو زيد الفقى فى قرية حوش عيسى ومنعته من العودة الى القرية !!.

وكانت إجابة اللجنة القومية للتضامن مع الفلاحين هى التظاهر يوم الخميس الماضى أمام دار القضاء العالى لإيصال أصوات الفلاحين ..وتعالت أصوات المتظاهرين تهتف ..نفيسة المراكبى ..فلاحة مصر العليلة ..ما كنش ليها ضهر يحميها ..ما بتملكش حاجة ..غير عزة نفسها..وحبها لأهلها ..جرجرووها وبهدلوها ..ويمكن بالنار كووها وماتت نفيسة ..قتلوها الكلاب وما أن ارتفعت اللآفتات التى كان من بينها لافتة كبيرة للحزب الناصرى كتب عليها الأرض أرض الفلاحين وتعالت الهتافات..التى نجحت فى جذب انتباه الجمهور لما يحدث فى مصر المحروسة حتى انقضت قوات الأمن على المتظاهرين ..وكان هدفها الأول هو نائب الشعب حمدين صباحى الذى تم ضربه وتمزيق ملابسه دون أى اسباب ..وعندما تتدخل عدد من المتضامنين لحماية صباحى كان عقابهم الضرب ثم الاحتجاز ومن بينهم وائل خليل وابراهيم الصحارى ومحمد المشد ..غير إن ضغط المتظاهرين اجبرهم على ترك المحتجزين ..وعلى هامش المظاهرة ، ألتقى وفد من المحامين وحمدين صباحى مع النائب العام حيث عرضوا قضية الفلاحين تفصيلاً .