
فيلم "الـــبرئ"
Submitted by تعذيب on Mon, 2006/01/30 - 15:02.
فيلم "الـــبرئ" 1986
أولاً: بيانات توثيقية
الإنتاج: فيديو 2000 (سميرة أحمد، وصفوت غطاس)
الإخراج: عاطف الطيب
القصة والسيناريو والحوار: وحيد حامد
التصوير: سعيد شيمى
المونتاج: نادية شكرى
الموسيقى والألحان: عمار الشريعى
مهندس المناظر: رشدى حامد
التمثيل: أحمد زكى (أحمد سبع الليل)- محمود عبد العزيز (العقيد توفيق شركس)- ممدوح عبد العليم (حسن وهدان)- صلاح قابيل (الكاتب رشاد عويس)- جميل راتب (أستاذ الجيولوجيا)- إلهام شاهين (نواره)- أحمد راتب (الموظف)- حسن حسنى (الضابط)- ناهد سمير (أم أحمد سبع الليل)- حسنى عبد الجليل (الصول)- بدر نوفل- عبد الله حفنى- محمود العراقى- عليه عبد المنعم- أحمد أبو عبيه- عبد الجواد متولى- حسان اليمانى- وضيوف الشرف: شوقى شامخ، سمير وحيد، سامى كامل.
ثانياً: ملخص قصة الفيلم
"أحمد سبع الليل" شاب فى مقتبل العمر، ينوء بمسئولية أسرته الصغيرة التى تتكون من أمه وأخيه الأكبر، الذى يبدو دائماً فى حالة ذهول وأقرب إلى توقف النمو الذهنى، فضلاً عن أحمد ذاته. إن أحمد لا يعرف من كل الدنيا فى كل سنوات عمره إلا القرية، خاصة متمثلة فى الحقل الذى يزرعه بنفسه والترعة التى يقذف بجسده فيها من حين لآخر ليطفئ ظمأ الجسد ويقاوم حرارة أنهرة الصيف القائظة، ومحل البقالة (الوحيد تقريباً) الذى يتجمع عنده بعض شبان القرية لقطع الوقت بالحديث أو بالتسلى بالسخرية من السذج مثل أحمد سبع الليل. والحقيقة أن سذاجة الفتى لا تتأكد على سبيل القطع إلا من خلال قبوله رهاناً من هؤلاء الشبان بأن يبتلع كمية كبيرة من الملح مع قطعة ضخمة من الحلاوة الطحينية دفعة واحدة، وما أن يبدأ فى تنفيذ الرهان، إلا ويظهر صديق عمره "حسين وهدان" الطالب الجامعى الوحيد (تقريباً) فى القرية، ويوقفه عن التمادى فى الاستجابة لشروط هذا الرهان الفاسد، فتكتشف معاً أن الشاب الجامعى هو مصدر الوحى الوحيد (حتى الآن) لدى القروى الساذج، فهو الذى يمنع أحمد من التمادى فى السماح بالسخرية من سذاجته، وهو الذى يشرح له معنى أن يكون مجنداً فى الجيش دفاعاً عن "البلد" ضد "الأعداء"، وإن كان أحمد لا يعى من معنى "البلد" سوى قريته ومن معنى "الأعداء" سوى ما يمكن أن يراهم رؤية العين وجهاً لوجه، حيث يتوقف استيعابه الذهنى عند ذلك الحد، وهو الحد الذى يتسلح به وهو يتجه، ضمن عدد غير قليل من شباب القرية، لتسليم نفسه للتجنيد فى القوات المسلحة، من خلال مشهد سينمائى يجسد أولى مظاهر المهانة التى من الممكن أن يلقاها مثل هؤلاء الشبان فى أول مظهر من مظاهر العلاقة بينهم وبين المؤسسة العسكرية الزمن المفروض أن تعدهم للدفاع عن الوطن، فرجال الحفظ من خفراء القرية يسوقوهم مكبلين بالحبال كالأسرى.
ويتضح أن الشبان المطلوبين لأداء الخدمة العسكرية يخضعون لبرنامج مكثف من الفحص الطبى الدقيق، بالإضافة إلى تصنيفهم تصنيفاً ثقافياً وعلمياً، ليكون "أحمد سبع الليل" فى أقصى ذيل القائمة فهو أمى يجهل القراءة والكتابة، بل لا يعى من الحياة سوى ما ذكرنا: الأسرة والحقل وحدود القرية الضيقة، ومن ثم يتم إلحاق الشاب بوحدات الحراسة، ليكون نصيبه ضمن قوات حراسة أحد المعتقلات الخاصة بالمسجونين السياسيين فى منطقة صحراوية معزولة، وهناك يتم تدريبه على إطاعة الأوامر بأسلوب "الطاعة العمياء" التى تتطلب تنفيذ الأوامر بدون أية مناقشة حتى ولو كانت مجافية للمنطق أو مناقضة للفطرة الإنسانية السوية (الفتى ينفذ أمراً للقائد يصفع زميله المجاور له بلا سبب).
وعندما يصل وفد من المعتقلين السياسيين، الذين يصنفون لدى الشاب الساذج بأنهم "أعداء الوطن"، فإن الفتى ينفعل ضدهم، وهو يعتقد أن ذلك جزءاً أساسياً من واجبات الجندية المنوطة به، فهو منذ وصوله إلى معسكر الاعتقال هذا يعترض على أن يقدم الجيش الطعام لأعداء الوطن: نزلاء المعتقل من السياسيين المسجونين، لذلك فإنه لا يتوانى عن حراستهم بكل يقظة والعمل على إجهاض أية محاولة من أحدهم للخروج عن نظام المعتقل، لذلك فهو لا يتأثر بسوء المعاملة وقسوتها، التى يبديها قائد هذا المعسكر العقيد "توفيق شركس" وضباطه وضباط الصف التابعين له، وهم يسيئون معاملة مسجونيهم إلى حد الإهانات الجارحة والتعذيب البدنى المبرح، بل إن أحمد سبع الليل يرى أنه من المفروض قتل هؤلاء "الأعداء" لكى يعود كل "عسكرى لغيطه وداره". ولذلك أيضاً لا نشاهد أى رد فعل مناوئ لما يقدم عليه قائد المعسكر من ربط الأستاذ الجامعى عالم الجيولوجيا بالحبال إلى سرج جواده، ليقوم هذا القائد بسحله على أ{ض المعسكر وصول مبانيه، كنوع من التأديب الإضافى جزاءً لرفضه الامتثال بتطليق روجته الشابة (التى تفهم أنها مطمع شهوانى لأحد أصحاب النفوذ وإن كان الفيلم يضمن على مشاهده بتوضيح سبب هذا الطلب بصورة مناسبة، إمعاناً فى الإيجاز لصالح قضيته الرئيسية). لذلك نحن لا نعجب عندما يصر "أحمد" على مطاردة الأديب والكاتب "رشاد عويس"، عندما يحاول الهرب من المعتقل داخل الصحراء، أثناء إحدى نوبات عمل المعتقلين، فيستمر الفتى فى مطاردته حتى أخر نفس، خاصة أن الكاتب المعروف استطاع أن يباغت الجندى الشاب ويختطف منه سلاحه النارى ويهدد به بقية قوة الحراسة ليختطف الشاحنة ويقودها، لكى تنتهى المطاردة بمعركة بين الجندى الشاب والكاتب المعتقل يزهق فيها الفتى روح الرجل خنقاً، وهو يعتقد أنه يطهر "البلد/ الوطن" من مثل هذا "العدو". ولما كان قائد المعسكر يشترك فى مطاردة الكاتب الهارب، فإنه يشاهد بنفسه إلى أى حد يندفع الفتى فى المطاردة حتى الموت المحقق، سواء الموت الذى من الممكن أن يتعرض له الجندى من السلاح فى يد الكاتب الهارب، أو الموت الذى ينتهى إليه هذا الهارب بالفعل على يدى الجندى الخانقتين. لذلك يقرر قائد المعتقل أن يرقى "أحمد سبع الليل" إلى درجة العريف (الأومباشى) تقديراً لشجاعته وبطولته، وأن يكون بمثابة "العسكرى المراسلة" لمكتبه الخاص.
وعلى جانب آخر يقدم لنا الفيلم جانباً من الحياة الخاصة لقائد المعسكر "توفيق شركس"، وتتجلى براعة صناع الفيلم فى تقديم هذا الجانب من حياته الخاصة المدنية، بالكشف عن هذه الحياة قبل أن نراه فى الزى العسكرى، وقبل أن نفاجأ بدوره فى آلة القهر والتعذيب من خلال معسكر الاعتقال، فنحن نتقابل مع أب رقيق الحشية وهو يتعامل مع طفلته الوحيدة، يصحبها إلى عيد ميلاد إحدى صديقاتها الطفلات، بل إنه عندما يشارك طفلته فى اختيار هدية عيد الميلاد فإنه يرفض أن يبتاع لها لعبة على شكل "عسكر وحرامية" وإنما يختار لها آلة موسيقية رقيقة هى "الجيتار"، بل إنه لا يتعامل بغلظة مع جندى المرور الذى يعنفه لوقوفه بسيارته فى الممنوع. فى مقابل ذاك يتحول "توفيق شركس" إلى وحش بشرى فى معسكر الاعتقال، لا يخضع لأى وازع إلا إرضاء الرؤساء الذين يكلفونه بواجبات منصبه الكريه، فيبالغ فى التنكيل بنزلاء المعتقل.
وإذا كان مصرع الكاتب "رشاد عويس" يثير جانباً من الرأى العام، مما يزعج السلطات، خاصة عندما يظهر أن هناك من يهتم بمعاملة المعتقلين السياسيين ويرفض تعرضهم للتعذيب، فيمثل ذلك فى شكل تفتيش يبدو للضيوف أنه مفاجئ، ولكنه يبدو لنا مرتبا تماماً حتى ينبى معسكر الاعتقال بغير الحقيقة التى يبطنها، فإن الواقع أن الشباب من الطلبة الجامعيين يتظاهرون من أجل الكاتب "رشاد عويس"، لكى ينتهى الأمر بالقبض على عدد غير قليل منهم، بما فيهم زعماء هذا الاحتجاج ومن بينهم "حسين وهدان" الصديق الصدوق "لأحمد سبع الليل"، وبينما يقوم جنود المعتقل باستقبال الوافدين الجدد من شباب الجامعة المعتقل بالضرب واللكم والركل والصفع والجلد… إلخ يفاجأ أحمد بوجود صديقه ضمن هؤلاء "الأعداء"، فيتوقف عن أفعاله، وهو يحتج ضد الاعتداء على صديقه، مؤكداً على أنه "أبن بلده" وليس من "الأعداء"، فهو يعرفه جيداً، وهو الذى أقنعه بأن الجندية هى شرف الدفاع عن الوطن ضد أعدائه… إلخ، وهنا تكون أول إشارة إلى دخول أحمد سبع الليل فى منطقة الوعى الحقيقى بما يحيط به، وهنا أيضاً تكمن أول بادرة لتمرد الجندى الساذج على قائدة، حيث لا تفلح معه أية وعود ولا أى وعيد أو تهديد، لكى ينتهى الأمر بوضع الصديقين فى زنزانة واحدة تنفرد بهما، لكى يمارس قائد المعسكر تعذيبه فى مواجهتهما، سواء بالجلد أو بغيره، لكى ينتهى بإطلاق عدد من الثعابين السامة فى زنزانتهما، وتنتهى مقاومتهما لها باقتناص الفتى الجامعى صريعاً بسم إحداها، وينتهى أمر المجند المتمرد بعزله من درجته العسكرية وعودته حارساً بالسلاح فى أحد أبراج الحراسة بالمعسكر.
ولأن القائمين على أمر المعتقل يجهلون إلى أى حد وصل الوعى بالجندى الساذج المتمرد، لذلك فإن المفاجأة تصبح أشد وقعاً عندما يستقبلون عدداً من النزلاء الجدد، فلا يجد الجندى المتمرد أمامه حلاً سوى أن يرض الجميع بنيران سلاحه الآلى: معتقلين وحراس وضباط وقائد… الخ، فلما تهدأ نفسه الملتاعة ويحاول أن يعود إلى الناى الذى يهدهد به هذه النفس، فإن وابلاً من الرصاصات يصرعه فى مكانه فى برج الحراسة، فهناك "برئ مستجد" يرى فيه "عدواً للوطن يجب التخلص منه"، ألم يكن ذلك رأى أحمد سبع الليل فى المعتقلين عندما رآهم داخل معسكر الاعتقال لأول مرة ؟!
ملحوظة: هذه نهاية الفيلم الأصلية، أما نهايته الرقابية فتتوقف عند صرخة الاحتجاج من الجندى المتمرد فى مكانه فى برج الحراسة عند وصول المعتقلين الجدد.
3- القضايا التى يثيرها الفيلم من وجهة نظر حقوق الإنسان (السجون والنزلاء)
من جديد نعيد التكرار (مرغمين) أنه إزاء أى فيلم سينمائى مصرى يتخذ من تعذيب المسجونين جانباً أساسياً لتكوين أحداثه ووقائعه، فإنه لا مناص لنا من تكرار الإشارة إلى موقف القوانين والمعاهدات والمواثيق الدولية فى هذا الشأن، وهو ما سبق أن أشرنا إليه تفصيلاً فى الورقة البحثية الخامسة، ثم ركزنا عليه بإيجاز فى الورقة البحثية السادسة وأجملناه من جديد فى الورقة البحثية الثامنة، ذاكرين أنه استناداً إلى نصوص الإعلان العالمى لحقوق الإنسان فى ديسمبر 1948، ينص العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية فى مادته العاشرة (فقرة أولى) على أن: "يعامل جميع المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية تحترم الكرامة الأصيلة فى الشخص الانسانى، وهو الأمر الذى يعيد الدستور المصرى التأكيد عليه فى مادته الثانية والأربعين التى تقرر أنه: "كل مواطن يقبض عليه أو يحبس أو تقيد حريته بأى قيد، يجب معاملته بما يحفظ عليه كرامة الإنسان، ولا يجوز إيذاؤه بدنياً أو معنوياً". كما تعرف "إتفاقية مناهضة التعذيب "مفهوم "التعذيب" ذاته بأنه: "أى عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسدياُ كان أم عقلياً، ويلحق عمداً بشخص ما؛ بقصد الحصول من هذا الشخص أو من شخص ثالث على معلومات أو على اعتراف أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه فى أنه ارتكبه هو أو شخص ثالث" (ملحوظة: يمكن الرجوع فى شأن النصوص السابقة جميعاً إلى تقرير فريق العمل بمركز حقوق الإنسان لمساعدة السجناء بعنوان: "دفاعاً عن حقوق السجناء"، طبعة أولى، يناير 2002، ص ص161-162).
ويحقق فيلم "البرئ" (فى جانب كبير منه) عدداً من الملاحظات التى من شأنها أن توضع فى الاعتبار، عند تناوله من وجهة نظر القضايا التى يثيرها من ناحية "حقوق الإنسان"، خاصة "حقوق السجناء"، حيث يلفت الانتباه أيضاً أن وقائع فيلم "البرئ" –فى هذا الشأن- لابد أن تدعو إلى ذاكرتنا أفلام مثل "الكرنك" و"وراء الشمس" و"حلاوة الروح" و"إحنا بتوع الأتوبيس" من خلال تماس فيلم "البرئ" معها فى بعض مواضعه الخاصة بمعاملة نزلاء المعتقل من المسجونين السياسيين وغيرهم.
أولاً: يثير فيلم "البرئ" عدداً من القضايا التقليدية فى مجال العلاقة بين الأجهزة الأمنية (وتوابعها) وبين المواطنين فى أحوال القبض والاحتجاز على نحو خاص، وهى قضايا: الاختفاء القسرى والتعذيب والاعتراف تحت ظروف الإكراه، ويزيد عليها فيلم البرئ طلب تنفيذ فعل معين تحت وطأة التعذيب.
1- فمن الواضح أن المعتقلين الذين يقدمهم الفيلم يختفون اختفاء قسرياً عن ذويهم، وعن معارفهم فى نفس الوقت، حيث يتعرضون للقبض والاقتياد من مساكنهم أو أماكن عملهم أو دراستهم… الخ وحجزهم للتحقيق معهم فى مكان غير معلوم لذويهم، ثم ترحيلهم إلى مكان آخر غير معلوم يحتجزون فيه، ونحن نتقابل فى الفيلم مع المراحل الأخيرة من الاختفاء القسرى متمثلة فى ترحيل المقبوض عليهم إلى المعتقل بواسطة القطار ليلاً، حيث يتم معاملتهم معاملة خارج نطاق المحافظة على أدميتهم خلال هذا الترحيل، فهم مكبلون بالسلاسل الحديدية، ويتم ترحيلهم بعربات قطارات البضائع، ويتعرضون للسحل ، بل القتل بسبب تحرك القطار وبعضهم لا يزال على الرصيف (أو الأرض) لم يستقله بعد، مشدوداً إلى زملائه داخل القطار بواسطة السلاسل الحديدية. كما يتمثل الاختفاء القسرى فى آخر مراحله فى تسكين المقبوض عليهم المعتقلات فى المناطق الصحراوية النائية.
2- وتعرض المعتقلين للتعذيب داخل المعتقلات لا يعد من الأمور المستجدة بالنسبة لمشاهدى أفلام مثل "الكرنك" وتوابعه (وراء الشمس- حلاوة الروح- إحنا بتوع الأتوبيس)، فهناك الجلد والركل والصفع، واللكم والتجويع والسحل، والدفع بالثعابين السامة إلى زنزانات المعتقلين.. إلخ. ولعل فكرة الثعابين هنا مستجدة على الأفلام السابقة. ولكن فيلم "البرئ" ينتهى ببعض المعتقلين، فى تعذيبهم، إلى مصرعهم تحت وطأة التعذيب أو من خلال المطاردة (رشاد عويس- حسين وهدان).
3- وإذا كانت العادة أن يكون الغرض من تعذيب المسجونين السياسيين هو الحصول على اعترافات موقعة منهم بالتهم والجرائم السياسية المنسوبة إليهم، فإننا نلتقى بسبب جديد للاعتقال السياسى وهو فى ذاته سبب ما يلقاه المعتقل من تعذيب داخل معسكر الاعتقال فى الفيلم، ذلك أن القبض على العالم الجيولوجى واعتقاله وتعذيبه هو بغرض تطليق زوجته الشابة منه قسراً وإكراهاً.
ثانياً: نستطيع أن نرصد عدداً من المشاركات السردية الخاصة بالأفلام التى تتناول ظروف الاعتقال السياسى وملابساتها، يشترك فيها فيلم "البرئ" مع أفلام سبق مشاهدتها من خلال برنامج هذه الندوات (الكرنك- - إحنا بتوع الأتوبيس)
1- فى كل من الأفلام الخمسة إشارة إلى النشاط السياسى لطلاب الجامعات؛ باعتباره سبباً للقبض عليهم واعتقالهم، ومن ثم تعذيبهم إلى حد الموت أحياناً.
2- وهناك نوع من التشابه فى عدد من الشخصيات المتناظرة فى الأفلام الخمسة بصفة عامة وهو تناظر يتفق ويتسق مع الموضوع المشترك بين هذه الأفلام وهو الممارسات التى يمكن أن يتعرض لها المواطن عند اعتقاله سياسياً، لذلك لابد من أن يتقابل المشاهد فى كل فيلم منها مع قائد فريق التعذيب عادة (خالد صفوان/ الكرنك، العميد الجعفرى/ وراء الشمس، الضابط رمزى/ إحنا بتوع الأتوبيس، اللواء همت/ حلاوة الروح) كما لابد أن نتقابل مع نماذج من المواطنين الذين يتعرضون لبطش الأجهزة الأمنية ذات الطابع القمعى (طلبة جامعيون- أساتذة جامعيون- كتاب- ناشطون سياسيون- مواطنون يتم القبض عليهم عشوائياً باعتبارهم من الناشطين السياسيين على غير الحقيقة/ تذكر شخصية الموظف مدمن معاكسة النساء خاصة وهو يعلن للعقيد توفيق أنه ليس أكثر من "بتاع نسوان"). ولكننا نتقابل من خلال ندواتنا هذه لأول مرة مع مواطن مرموق (عالم جيولوجى) مقبوض عليه ومودع الاعتقال بتهمة سياسية للضغط عليه من أجل تطليق امرأته.
4- "البرئ" فى "بيت إبليس"
(نظرة نقدية خاصة)
"البرئ" هو "أحمد سبع الليل"، و"بيت إبليس" هو الإسم الذى يطلقه "وحيد حامد" على المعتقل القابع فى جوف الصحراء المصرية، ونراه مرصوداً بوضوح فى نص السيناريو الذى قدمه المؤلف للرقابة على المصنفات الفنية مع أن هذا الإسم لا يرد على لسان أى من أبطال الفيلم وممثليه، وإن كان فنان الفيلم قد أجاد التعبير عنه بدون أن يقدم له إسماً محدداً. ومن المرجح أن صناع الفيلم قد تغاضوا عن التركيز على هذا الإسم لصالح قضاياه الحقيقية أو أفكاره الأساسية.
بداية قد ندهش إذا لاحظنا أن هذا الفيلم لا يحمل فى حقيقته فكرة أساسية واحدة، بل أكثر من فكرة فى نفس الوقت، فهو يتصل بفكرة عن مفهوم الحرية بمعناه الشامل، كما أنه يتصل بفكرة أخرى خاصة بمفهوم تحويل الإنسان إلى آلة من أجل خدمة من جعله كذلك (أى آلة) وخطورة انقلاب الآلة على صاحبها أو صانعها. ويركز الفيلم فى جانب كبير منه على فكرة تحويل الإنسان إلى آلة "مبرمجة" حتى ينتهى الفيلم بإظهار خطورة هذه الفكرة، وهو الأمر الذى يعضده الناقد السينمائى "على أبو شادى" فى ختام نقده لهذا الفيلم بقوله: "إن الروبوت (جندى الحراسة) الذى تم برمجته، ما أن تصيبه لحظة وعى أو تأتيه أوامر مريبة، أو يستشعر الظلم يتحول إلى مارد يدمر كل شئ.والحقيقة أن هناك من عناوين بعض المقالات النقدية ما يشير إلى هذا بطريق غير مباشر، فيقدم "مجدى الطيب" مقالته عن الفيلم تحت عنوان "القمع بسلاح الجهل" ، فالقمع هو أسلوب محاربة الحرية أو هو ضد الحرية، والجهل الذى يعنى عدم الوعى (أو نقصه المعيب) هو جهل البرئ الذى يجعل منه شبه آلة مبرمجة بلا وعى، لذلك يؤكد الناقد على مقالته النقدية ( فى ختامها) على عنوانه الأول بقوله عن "استمرارية القهر فى وجود الجهلاء". ويضع "طارق الشناوى" عنواناً لمقالته النقدية عن الفيلم "البراءة تغتال الحرية" وهو أيضاً عنوان يحتوى الفكرتين الأساسيتين فى مفهوم مناظر للمفهوم الذى يطرحه مجدى الطيب فى عنوان مقالته السابقة، فاغتيال الحرية هو المفهوم المناظر للقمع، والبراءة هنا هى براءة الإنسان الجاهل عديم الوعى، براءة الجهل غير المقصود من صاحبه (وإن كان مقصوداً من آخرين يقدمهم الفيلم على أنهم السلطة، أو بالأحرى ممثلو السلطة). بل إن أحد مفاهيم الحرية من جهة أخرى هو "حرية الوعى" ذاته، أى أن يكون الإنسان حراً فى أن يعى ما حوله بطريقته هو، لا أن يتم توجيه وعيه إلى نمط "الطاعة" فقط، وهى فى هذا الفيلم الطاعة المطلقة "المنزهة" تماماً عن التفكير.
والحقيقة أننا نستطيع أن نستنتج صياغة تركيبية من العنوانين اللذين يقدمهما مجدى الطيب (القمع بسلاح الجهل) وطارق الشناوى (البراءة تغتال الحرية) بما ينتج لدينا مقولة ثالثة تؤكد على الفكرتين الأساسيتين وكيف يمكن المزج بينهما، فنقول أن الفيلم يتناول "قمع الحرية بجهل الأبرياء". ونحن نرجح أن الفيلم كان يقوم على مفهوم "الحرية" فى مرحلة تصويره وطرح فكرته على العامة أثناء تحقيقه وتنفيذه فعلاً، فقد أصدرت الكاتبة "فوزية إبراهيم" مقالتها عن الفيلم أثناء تصويره تحت عنوان "الحرية فى كل زمان"(5). والحقيقة أن الفيلم فى جانب كبير جداً منه يتناول الحرية فى أكثر من شكل وأكثر من اتجاه، مثل حرية الفكر فى واحد من أهم أشكالها وهو حرية التعبير عن الأفكار السياسية؛ ممثلة فى الكاتب "رشاد عويس"، وحرية المواطن الخاصة ممثلة فى حقه فى محاكمة عادلة عن حقيقة الفعل الذى من الممكن أن يعاقب جنائياً من أجله، وهى تظهر فى شخصية الموظف الذى قبض عليه أثناء معاكسته للنسوة، فيتم اعتقاله كمتهم سياسى، وحرية الإنسان فى حياته الشخصية ممثلة فى عالم الجيولوجيا الذى يتم اعتقاله وتعذيبه للضغط عليه ليغير من شكل تركيب حياته الأسرية المستقرة بتطليق زوجته، وحرية الجموع فى التعبير عن القضايا العامة ممثلة فى الطلبة ومن بينهم "حسين وهدان"، ثم حرية الوعى ذاته ممثلة فى الفلاح المجند "أحمد سبع الليل".
ولكن على الرغم من ذلك تظل النغمة السائدة التى تطغى على الفيلم منذ بدايته حتى نهايته هى نغمة تحويل الإنسان إلى نوع من الآلية التى تضمن توجيهه لصالح سلطة معينة، تتمثل هنا فى صانعه بصفة أساسية. فالفيلم يبدأ بالفلاح الجاهل وهو فى بلدته أو قريته، وهو فى جهله هذا يحمل معادل البراءة فى صورتها" الخام" المرتبطة بالفطرة، ثم يتابعه الفيلم فى جهله الثانى، أى فى مرحلة جديدة منه، وذلك عند تجنيده ثم إلحاقه حارساً بأحد المعتقلات بالصحراء، وهى مرحلة تتمثل فى حقيقتها فى غرس نوع من الوعى بغير الحقيقة لدى هذا الفلاح المجند ولدى أقرانه من المجندين الأخرين، وهو ما يسميه "على أبو شادى" باسم "الوعى المزيف، ويسميه "مجدى الطيب": "اللاوعى"، و"الخدعة"، ويعبر عنه "عصام بصيلة" عندما يصف الفلاح المجند بأنه "يكتشف أنه كان مخدوعاً"(6) ويقول عنه طارق الشناوى "أنه كان يعيش فى خدعة كبيرة"، ويكرره "محمد هانى" بقوله: "يكتشف أنه كان يعيش خدعة كبيرة"(7) . ويتمثل هذا الوعى المزيف فيما يلقنه له القائمون على معسكر الاعتقال الذى يلتحق به أحمد سبع الليل وأمثاله من المجندين، من أن المعتقلين هم أعداء الوطن بالنسبة إلى هؤلاء المجندين. إلا أن أحمد سبع الليل ينتقل إلى مرحلة أخرى من الوعى، وهى مرحلة اكتشاف الخدعة ثم الوعى الحقيقى بأن المعتقلين هم أيضاً من أبناء الوطن، بل إن منهم وطنيين حقيقيين يتمثلهم أحمد سبع الليل فى أبن قريته "حسين وهدان"، الطالب الجامعى الذى كان يتولى حمايته بالقرية، كما كان يتولى إفهامه ما كان ينغلق على فهمه أو تفكيره البدائى البسيط.
وفى كل الأحوال نحن لا نستطيع أن نتجاهل فكر مؤلف الفيلم، من خلال تأكيده على أن فيلمه يبحث فى قضية الحرية فى كل زمان ومكان، وهو تأكيد يقدمه "وحيد حامد" من خلال الإهداء الذى يتصدر نص السيناريو المكتوب وينص فيه: "إهداء إلى عشاق الحرية والعدالة فى كل زمان ومكان أهدى هذا الجهد المتواضع"، وهو أمر يكاد أن يعيد "وحيد حامد" التأكيد عليه بقوله عن الفيلم أنه "يناقش قضية القهر فى كل زمان ومكان".
وإذا كانت هناك فرصة لاحتدام النقاش حول الوسيط الذى يتخذ منه الفيلم وسيلة لحل قضيته، فهل هو معتقل تديره قوات من الشرطة أو قوات من الجيش، فإن الحقيقة التى يمكن الاتفاق عليها بوضوح وسهولة (معاً) أن القضية التى يطرحها صناع الفيلم لا تختلف باختلاف السلطة التى يطرحون قضيتهم الفيلمية من خلالها كوسيط مرئى، سواء كان هذا الوسيط هو القوات المسلحة أو الشرطة أو غيرهما، حتى ولو كان الأمر يجرى فى أحد المصانع الكبرى أو المزارع الجماعية أو المشاريع المعمارية الكبرى أو غيرها، فقضية القهر واحدة، وقضية صناعة الآلة لخدمة السلطة واحدة أيضاً، لا يتغيران بتغير المكان أو الزمان أو الوسيط المرئى.
ثم يبقى لنا أن يشير إلى أمرين هامين يتعلقان بفيلم "البرئ" وفى نفس الوقت يتصلان بمشاهدات سابقة لنا من خلال ندواتنا الفيلمية هذه. الأمر الأول هو أن هناك أكثر من فيلم يقدم صنيعة السلطة، الجلاد الذى يصبح آلة تسوم المعتقلين العذاب، وهو يتحول إلى النقيض فيثور على صانعه، بل يصل الأمر إلى قيامه بالإجهاز عليه تماماً، ففى فيلم "وراء الشمس" يثور "الصول عبد الحق" فى وجه "الجعفرى"، وإن كان الأمر ينتهى بمصرع "عبد الحق" برصاصة من مسدس "الجعفرى" تنال من عبد الحق بدلاً من الأستاذ الجامعى الثائر. وفى فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس" يتحول "الشاويش عبد المعطى" إلى مناهض للتعذيب بعد أن يستعيد لذاته وعيا خاليا من التزييف ، فيثور ضد قائد معتقل التعذيب إلى حد الإجهاز عليه برصاصات مدفعه. أما النجار "صالح" فى فيلم البداية "فهو يصل إلى نوع من الوعى الحقيقى، مما يدفعه إلى التخلى عن صانعه والوقوف بجانب المطالبين بالحرية فى الواحة المنعزلة التى يستبد "نبيه بك" بحكمها تحت سطوة السلاح.
والأمر الأخر هو أن "البرئ/ أحمد سبع الليل" هو بمثابة الإرهاصة السينمائية المبكرة لظهور شخصية سينمائية قريبة منها، إن لم تكن مناظرة لها فى فيلم "البداية"، وهى شخصية "صالح"، ذلك الشاب الرياضى لاعب الملاكمة محدود الوعى الذى يحترف صنعة التجارة. فالفيلم يقدمه عبارة عن قوة عضلية بدون مرجعية ذهنية مناسبة، أو بمعنى آخر هى مرجعية ذهنية معطلة، لأن خلفيته الثقافية معدمة، وخلفيته التعليمية شبه معدمة، لذلك فإنه يسهل اقتياده وجذبه نحو السلطة ممثلة فى شخصية "نبيه بك"، الذى يحوز سلاحاً نارياً يمكنه من أن يعلن استيلاءه على الواحة التى يلجأ إليها وبقية ركاب الطائرة المفقودة فى الصحراء بعد انفجارها ،ومن ثم يحول "نبيه" بقية الركاب الناجين إلى رعايا فى مملكته. فكان يجب عليه باعتباره صاحب السلطة أن يتسلح بقوة نظامية غاشمة تتمثل فى "صالح" هذا، خاصة أنه كان يجب أن يتميز عن بقية الرعية بالزى الرسمى ممثلاً فى خوذة معدنية من بقايا مخلفات الحرب العالمية الثانية، وبالسلاح ممثلاً فى عصا غليظة، بالإضافة إلى أن الممثل الذى قام بأداء الدور (صبرى عبد المنعم) قد عمد فى أدائه التمثيلى إلى تلبس مزيج من شخصيتي جندى الأمن المركزى ومخبر المباحث معاً. وكما يتحول "أحمد سبع الليل" فى البرئ إلى الوعى الحقيقى القائم على معرفة الحقائق، وخاصة على يدى صديقه "حسين" الطالب الجامعى، فإن "صالح" فى فيلم "البداية" يتحول عن الوعى الزائف الذى غرسه فيه "نبيه بيه" (أى السلطة) إلى الوعى الصادق، الذى يبدأ فى استيعابه على يدي الصحفى "أحمد"، الذى ينادى بالديمقراطية وحق العمل وحرية الفكر، ونجد فيه مناظراً (بدرجة ما) لشخصية "حسين" الطالب الجامعى كمصدر للوعى الصادق لدى الفلاح المجند "أحمد سبع الليل".


