
سلطة الاحالة
Submitted by تعذيب on Mon, 2006/07/03 - 13:46.
سلطة الإحالة - ماهيتها ودورها :
يمكن تعريف ماهية و دور سلطة الاحالة بأنها تلك الجهة التي تقوم بتقدير ما حملته اوراق التحقيق و مراقبة تقدير قضاء التحقيق لمدي كفايته الأدلة التي تبرر احالة المتهم الي المحاكمة و التحقق من مراعاة الاجراءات المتخذة من قبلها للضمانات التي كفلها القانون سواء للحرية الشخصية او لصيانة امن المجتمع .
وبعد قيام سلطة الاحالة بعملية التقدير هذه تصدر قرارها اما بأنه لاوج لإقامة الدعوى الجنائية او امرها باحالة المتهم الي المحكمة الجنائية بعد ما تقوم بتكييف الواقعة المعروضة عليها التكييف الذي تراه مطابقا للقانون و تسبغ عليها الوصف الذي تتحدد به تلك الجريمة في قانون العقوبات مادامت تحتمل وصفا اخر غير ذلك الوصف المقدم لها .
كما يمكننا في نطاق هذا التعريف التوضيحي لسلطة الإحالة إن نقرر بأن اعمال مبدأ ازدواج درجة التقاضي ( التقاضي علي درجتين ) يفترض وجود سلطة احالة مستقلة عن سلطة التحقيق الابتدائي حيث إن وجود رقابة علي ما تباشره سلطة التحقيق الابتدائي من اجراءات يعد ضمانا اكيدا لفاعلية نصوص القانون الامر الذي يكفل مشروعية اجراءات التحقيق الابتدائي و من خلال هذه الرقابة فقط يمكن للقضاء إن يباشر دوره في حماية المجتمع و ضمان الحقوق الفردية لمتهم و كذا تبرز اهمية وجود جهة قضائية اعلي درجة من الجهة التي باشرت التحقيق الابتدائي .
وحقيقة الامر إن تلك الجهة ( سلطة الاحالة ) تعتبر رغم تلك الأهمية(2) الا انها تعتبر من احدث الانظمة الاجرائية من حيث النشأة و التكوين اذ لم يبدأ الاهتمام بها الا منذ اواخر القرن التاسع عشر و لم يؤت هذا الاهتمام ثمرته دفعة واحدة و انها بطريقة تدريجية بحيث لم يتح لهذه الجهة إن يتكامل تكوينها في اكثر الانظمة الاجرائية تقدما الا في اواخر القرن العشرين ثم اضطردت اهميتها بعد ذلك في اغلب التشريعات حتي اصبحت في الوقت الحاضر في اعداد الانظمة الاجرائية في العالم .
التشريع المصري وسلطة الإحالة من عام 1905 و حتي حادث المنصة .. دهشة و تعديلات جائرة:
علي الرغم من الأهمية التي قدمنا بها لسلطة الاحالة الا انها لم تشغل اهتمام المشرع المصري بذات الاهمية التي اولاها لنظام قضايا التحقيق فلم يأخذ بها ( أي سلطة الاحالة ) الا في سنة 1905(3)
فمنذ ما يقرب من 101 عام مضت كان قانون تحقيق الجنايات الصادر سنة 1904 ينص علي إن يكون نظر قضايا الجنايات علي درجتين ( المادة 208 / استئناف الاحكام الصادرة من محكمة الجنايات في اول درجة يرفع الي محكمة الجنايات في محكمة الاستئناف ) وعندما قرر المشرع الغاء استئناف الجنايات ظهرت و للمرة الاولي في تاريخ التشريع المصري جهة مستقلة سميت سلطة الاحالة و عهد المشرع بها الي قاضي اطلق عليه اسم قاضي الاحالة ثم حلت محله غرفة الاتهام لتكون قضاء الاحالة في الجنايات ثم تعرضت هذه الوظيفة لمحاولة المساس بها فالغيت بالقانون رقم 107 لسنة 1962 و احل المشرع محلها من حيث اختصاصها بالاحالة نظام مستشار الاحالة و استمر جور المشرع المصري الحديث علي تلك السلطة رغم مالها من اهمية و ضرورة قصوي حتي وصلنا الي عام 1981 .
وفي الرأي لدينا إن المشاهد الاربع الاهم في 1981 هذا هي :
1- القبض علي و احتجاز أكثر ممن 1200 من الشخصيات السياسية و نشطاء العمل العام المعارضين لسياسات الحكم ( سبتمبر )
2- اغتيال الرئيس السادات في حادث المنصة الشهير و بزوغ نجم الرئيس مبارك علي الساحة الرئاسية . ( اكتوبر )
3- إعلان حالة الطوارئ و قانونها العرفي المطبق حتي هذه اللحظة ( اكتوبر )
4- إلغاء سلطة الإحالة بالقانون 170 لسنة 1981 في نوفمبر 1981 و جمع النيابة العامة لسلطات التحقيق و الاتهام و الاحالة . ( نوفمبر )
ولنا أن نتخيل أن الدولة التي تم اغتيال رئيسها وما زال مجلس الشعب يقنن لمشروعية الحكم و انتقال حقيبة السلطة الي الخلف , حريصة كل الحرص علي أن يواكب تغيير شخص الرئيس في ذات اللحظة الغاء سلطة الاحالة كسلطة مستقلة و تضمينها كأحد المهام الوظيفية الروتينية لجهاز النيابة العامة .
وبالفعل لم تخيب النيابة العامة ( التابعة كل التبعية لوزير العدل و السلطة التنفيذية ) رجاء اصحاب الحكم فيها , نهم قبل العام 1981 وجد التعذيب و افلت بعض مرتكبيه من العقاب لكن ظل التعذيب قاصرا علي المعارضين السياسين للحكم .ولكن ومنذ هذا التاريخ طال التعذيب الجميع اعضاء الاحزاب و القوي السياسية , القيادات العمالية , الفلاحية , المواطنين العاديين , نشطاء حقوق الانسان و باتت سيادة القانون المزعومة مهدرة كل يوم عشرات المرات و في ذات اللحظة التي تهدر فيها الكرامة الانسانية للمواطن تحت وطأة التعذيب لا تهدر سيادة القانون فقط بل تفقد السلطة الاساس الوحيد لمشروعيتها .
الطابع القانوني لسلطة الاحالة : ( طابع قضائي )
ورد نص المادة 70 من الدستور كما يلي :
((لا تقام الدعوى الجنائية إلا بأمر من جهة قضائية فيما عدا الاحوال التي يحددها القانون))
و بالعودة للأعمال التحضيرية لمشروع الدستور يبين بوضوح انصراف تفسير كلمة الدعوي الجنائية الي الدعوي العمومية في الجنايات كما إن مدلول ( الجهة القضائية ) لا ينصرف الي مطلق الهيئة القضائية بل الي جهات القضاء بالمعني الدقيق ( قضاء الحكم ) ومن ثم بات من المؤكد إن المشرع الدستوري استهدف اضفاء الطابع القضائي علي أمر الإحالة ليوفر ضمانات استقلال سلطة الاحالة عن سلطة التحقيق كذلك فان اعطاء المشرع للنيابة العامة سلطة التحقيق و إن كان له ما يبرره من الناحية العملية الا انه يستلزم إن يعرض تحقيقها علي جهة قضائية محايدة اوفر ضمانا والا ترتب علي ذلك اهدار مبدأ ازدواج درجة التقاضي و اهدار ضمان جوهري للخصوم في مواد الجنايات , وما يدعم هذا النظر إن المشرع المصري حين الغاؤه نظام نظر الجنايات علي درجتين في سنة 1905 اوجد مع محكمة الجنايات قاضي الاحالة فضلا عن غرفة المشورة (كدرجة ثانية لجهة استئنافية ) لهذا القاضي.
وفي حالتنا الراهنة و بالنظر الي نص المادة 214/2 و المستحدثة بالقانون 170 لسنة 1981 و التي اوردت انه ( ترفع الدعوي في مواد الجنايات باحالتها من المحامي العام او من يقوم مقامه الي محكمة الجنايات .. ).
ولا يعد من قبيل التزيد التقرير بأن المحامي العام ليس قاضيا بالمعني الضيق بل هو في واقع الامر عضو من اعضاء النيابة العامة بدرجة وظيفية معينة ومن ثم لا يوفر عمله الضمانات المطلوبة و التي استهدفها المشرع الدستوري بإيراده نص المادة 70 سالفة الذكر .
فرض جدلي :
وحتي لو سلمنا في سياق البحث ( كفرض جدلي ) إن نص المادة 214/2 اجراءات جنائية هي احد تلك الاحوال التي قصدها المشرع الدستوري في المادة 70 من الدستور كاستثناء علي الاصل العام .
و كانت المحكمة الدستورية العليا قد استقرت علي مجموعة من الضوابط التي تعينها علي الفصل في الدعوي الدستورية و مراقبة المشروعية الدستورية وهذه الضوابط هي :
1- النصوص الدستورية متكاملة مترابطة تعمل في اطار وحدة عضوية .
2- تفسير النصوص الدستورية في ضوء الغاية منها و اعتبار ان الدستور وثيقة تقدمية .
3- تفسير النصوص المتعلقة بالحقوق و الحريات العامة في ضوء المواثيق الدولية و القواعد المستقرة في الدول الديمقراطية .
واذا كانت المحكمة الدستورية قد سبق و اكدت علي ان مضمون القاعدة القانونية يتحدد علي ضوء المستويات التي التزمتها الدول الديمقراطية باطراد في مجتمعاتها .
فاذا كان الامر كما سلف فان التساؤل الذي يؤكد مخالفة المادة 214/2 اجراءات جنائية لنصوص الدستور هو :
ما الحل اذا شاب البطلان احد اجراءات التحقيق الابتدائي ؟؟
بعد أن أصبحت سلطة التحقيق هي ذاتها سلطة الاحالة و بصفة خاصة في الجنايات التي تقتضي رقابة القاضي علي تحصيل الدليل و تلقية قبل ان تقدم الجناية الي المحكمة ؟؟
بطبيعة الحال لا يجوز تقرير البطلان بمعرفة سلطة التحقيق ذاتها و كذلك لا يمكن القول بأن المحامي العام له ان يتولي هذه المهمة قبل اصداره الامر بالاحالة ذلك ان المحامي العام ليس قاضيا بل هو عضو من اعضاء النيابة العامة كما انه لا يمكن لمحكمة الجنايات منعقدة في غرفة المشورة القيام بهذه المهمة حيث انها لا تملك سلطة التصدي للتحقيق برمته و سلطة الاحالة معاً و من ثم لا يكون لها سلطة بحث الدليل من عدمه فقد حلت هذه الغرفة محل مستشار الاحالة في نظر استئناف الامر بأن لاوجه لاقامة الدعوي في جناية و هي في ذلك تتقيد بفكرة الاثر الناقل للاستئناف و بالتالي يمكننا التقرير بأن المادة 214/2 المستحدثة القانون 170 لسنة 1981 قد خلقت ورائها قصورا تشريعيا و باتت مشوبة بعدم الدستورية


