التوربيني ..بين قسوة النظام وغياب المجتمع

Submitted by تعذيب on Wed, 2006/12/13 - 13:46.

كتب اسامة رشدى

أثارت قضية التوربيني وعصابته للاعتداء على أطفال الشوارع وقتلهم بأبشع الطرق، الذعر في مصر قد نتفق جميعا ابتداءًعلى ضرورة توقيع أقصى عقوبة بحق هؤلاء الأشرار الذين تجردوا من كل معاني الإنسانية وتحولوا إلى وحوش آدمية تغتصب وتعذب وتقتل أطفالابأبشع الوسائل

ومع ذلك ينبغي أن لا يمر الحدث دون  إمعان النظر فيما يعتري المجتمع المصري من تغيرات خطيرة أدت  لتصاعد مستوى الجرائم والعنف المجتمعي، بشكل خطير وغير مسبوق، فضلا عن انتشار المخدرات واتساع رقعة المتعاطين لها وهي أهم روافد الجريمة في أي مجتمع.. فهذه ليست مصر التي نعرفها بالتأكيد. فما الذي أحدثه عهد مبارك الأسود  في مصر؟

 

أول ما يلفت نظر أي متابع  لتصاعد العنف المجتمعي هو أنه يعكس مستوى العنف والقسوة والبلطجة البوليسية الغير مسبوقة والتي يجري التعامل بها مع الشعب، في أقسام الشرطة والسجون ومقار جهاز مباحث أمن الدولة، وتفشي التعذيب وتلفيق القضايا وكل أنواع الاحتيال وانتهاك القانون، فهذه الممارسات الغير آدمية أفرزت كما من العنف غير مسبوق في مصر.

 

فما رأيناه وعايشناه بأنفسنا من جرائم ومظالم لهذا النظام تصاعدت بعد ذلك واستشرت، لا يمكن في النهاية إلا أن تؤدي لشرور وفساد عظيم سواء في صورة عنف وصدام سياسي دامي اشتعل بين الإسلاميين و النظام في فترة التسعينات، وعندما خفت العنف السياسي ظهر جليا مدى تفاقم مستويات العنف الجنائي والمجتمعي والبلطجة، والذي أدى  لنتائج  كارثية كإفرازات  لربع قرن من حكم البلطجة والتعذيب وانتهاك القانون.

 

وإذا أضفنا للعنف البوليسي تفاقم الأوضاع الاقتصادية والفساد ومعاناة القطاع الأعظم من المصريين خاصة ممن باتوا يعيشون على هامش المجتمع في المناطق العشوائية والفقيرة التي تفتقد لكل مقومات الحياة الكريمة،  يمكن أن نفهم كيف أنتج هذا الواقع هذا الكم من التفكك الأسري وتشرد الأطفال وحدوث مشاكل اجتماعية خطيرة.

 

لقد ساهم عنف النظام وقسوته مع الفقر والفساد في تفكك المجتمع وارتفاع حدة الضغينة والحقد بين أبنائه، وهو ما يؤدي لتردي الشعور بالانتماء، ويساهم في دفع المجتمع لما هو أسوأ من العنف السياسي وهو العنف الإجرامي والمجتمعي.

 

 

عشرات الآلاف من الأطفال في طول مصر وعرضها باتوا يهيمون على رؤؤسهم في الشوارع بعد أن لفظهم المجتمع، وأصبحوا وقودا وعرضة لكل أنواع الجريمة والاستغلال، والنظام  غالبا غير موجود رغم أن الظاهرة بدأت تسجل في مسلسلات تليفزيونية ..واقتصر التعامل مع القضية من المنظور الأمني الفاشل مما أدى لتفاقمها. فهؤلاء الأطفال ليسوا في حاجة لمن يطاردهم ليضربهم أو يلقي بهم في زنازين أقسام الشرطة الكئيبة التي تمتهن فيها كرامة الإنسان وتدمر فيها قيمه، وبالتالي فإن الدولة بمؤسساتها الاجتماعية والتعليمية غائبة وتتعامل مع الظاهرة كما يتم التعامل مع الكلاب الضالة.

 

قد رأينا من خلال متابعة قضية  التوربيني وعصابته من قتلة الأطفال كيف كانوا ينتقلون بسهولة وبشكل يومي بين القاهرة والإسكندرية وطنطا وغيرها مستخدمين أحدث قطارات مصر التي جعلوا من أسطحها مكانا آمنا لممارسة الاغتصاب والتعذيب بل والقتل بأبشع الوسائل، رغم أنها منشآت عامة يفترض أن هناك من يحرسها ومن يراقبها ومع ذلك فلا حياة لمن تنادي.

 

إن الشعب المصري حر وكريم، قد يقبل الفقر وقلة ذات اليد ويشعر بالرضي  إن وجد العدل والتكافل والعدالة في توزيع الثروة ونزاهة الحكام والمسئولين ، فالحرة تموت ولا تأكل بثديها، أما عندما يتفشى الظلم والإهانة والتعذيب والمحسوبية والفساد والنهب المنظم لثروات مصر وفساد الحكام والمسئولين، وانتهاك القانون.. فهذا يخلق واقعا مجتمعيا مفتوحا على كل الشرور ما لم يتداركنا الله برحمته، ونسعى لوقف هذا التدهور الحاصل.

 

ولولا رحمة الله بمصر ووجود بعض الآليات الخيرة في المجتمع من مؤسسات دينية وتعليمية وأهلية تحاول ما استطاعت امتصاص هذه الشحنات السلبية المتعاظمة وتحافظ على تماسك المجتمع، في مواجهة ممارسات هذا النظام الجائر الوحشي لتفاقم الأمر أكثر مما هو عليه الآن.، ولكن تبقى هناك شريحة تتسع عاما بعد عام تتفلت وتكبر كالنبت الشيطاني على هامش المجتمع الذي يتسع فيه نطاق الفقر والمجتمعات العشوائية وما يترتب على ذلك من تردي للخدمات التعليمية والاجتماعية والصحية وتسرب الأطفال من التعليم واتساع نطاق ما بات يعرف بأطفال الشوارع.

 

هذا السفاح الملقب بالتوربيني كان نفسه ضحية للاغتصاب ومحاولة القتل، ولم يجد أي حماية من هذا المجتمع للأسف، وسجن بعد ذلك قبل سنوات لمدة عام في قضية تحرش جنسي، وخبر بالتالي أنواعا أخرى من العنف والتعذيب والإهانة في السجن، فخرج سفاحا يريد أن ينتقم من كل من حوله ولا سيما الضعفاء من أطفال الشوارع الذين تخلت عنهم الدولة وتركتهم وقودا للجرائم الأخلاقية والجنائية ولأمثال التوربيني وغيره من السفاحين.

 

لقد تضاعفت ميزانيات وزارة الداخلية عدة مرات خلال الخمسة عشر عاما الأخيرة ووصلت لأكثر من تسعة مليار جنيه، وأصبح كبار الجنرالات يحصلون على رواتب ومكافآت وبدلات تصل لعشرات ولمئات الآلاف من الجنيهات شهريا.. ولدينا جيوش جرارة من الأمن المركزي أكثر من الجيش المصري، ولدينا كل أنواع الأجهزة الشرطية ومع ذلك فالأمن يشهد أسوأ حالاته، لأنه تحول إلى أمن الحاكم وأصبح أمن المجتمع على هامش الاهتمامات، فالأمن مشغول بمحاصرة الجامعات والتعدي على الطلاب والعمال والنقابيين والنشطاء السياسيين ومحاصرة المتظاهرين .. والتوسع في نظام الحراسات الخاصة حتى تحول الأمر لنوع من الوجاهة الاجتماعية..

 

الملايين تنفق سنويا على المؤتمرات الفارغة التي تقام في أفخم القاعات والفنادق وتدعى لها الشخصيات من مصر والعالم، باسم الطفولة، وعلى شرف الهانم الكبيرة الفارغة من أموال المصريين، بينما آلاف الأطفال المشردين والمفقودين من عائلاتهم يهيمون على وجوههم في مصر بطولها وعرضها، ولم تحظ هذه القضية بالاهتمام الكافي، رغم أنهم يتاجرون بالحديث عن الطفولة.

 


Reply

The content of this field is kept private and will not be shown publicly.
  • Images can be added to this post.
  • You may write mixed Arabic and English freely, line direction will be computed automaticaly

More information about formatting options