علي الرغم من أن التعذيب محظور في مصر و محرم بموجب العهود و الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها مصر الا انه اصبح نهجا منظما لرجال الشرطة فهو يمارس بانتظام و لم تتوقف بشاعته عند حدود المتهمين بممارسة العنف و الارهاب بل امتد ليشمل اعضاء القوي و الاحزاب السياسية و القيادات العمالية و الفلاحية و النقابية و نشطاء حقوق الانسان و المواطنين العاديين .
ولقد دأبت مؤسسات حقوق الانسان المصرية و العربية و الدولية ذات الثقة منذ سنين عدة علي اصدار نداءاتها المتكررة للنائب العام بضرورة تحريك الدعوي الجنائية في جرائم التعذيب التي يتم التثبت منها و كذلك ضرورة قيام اعضاء النيابة العامة بالتحقيق الفوري في بلاغات التعذيب و تنشيط دورها العملي في التفتيش علي السجون و مقار الاحتجاز بأقسام الشرطة و كافة الاماكن التي يجري فيها احتجاز المواطنين لكن عبثًا تكدست البلاغات و الوقائع وأستشري التعذيب كأداة للقمع تدفع الناس للخضوع و الإذعان و كثر ضحاياه حتي اصبح التقرير بإستشراء التعذيب و تفشيه من كلاسيكيات تقارير حالة حقوق الانسان في مصر .
النيابة العامة كسلطة إحالة و دورها في إستشراء جريمة التعذيب
علي الرغم من العوار الدستوري الذي بينا انه يشوب المادة 214/2 من قانون الاجراءات الجنائية كان يمكن للنيابة العامة ممثلة في شخص المحام العام او من يقوم مقامه ان تواجه جريمة التعذيب و ان تعمل علي ملاحقة مرتكبيها و تأمر باحالة كل الوقائع التي تم التثبت من وقوعها , الا ان الامر صار عكس ذلك تماما و باتت سلطة الاحالة الممنوحة للنيابة العامة هي العائق الاهم في مثول مرتكبي جريمة التعذيب امام القضاء و في احسن الفروض و افضلها باتت سلطة الاحالة الممنوحة للنيابة العامة هي التي تقدم الجلادين للمحاكمة الجنائية بقيود غير صحيحة واوصاف للجريمة تخالف الحقيقة و تتنكر لصنوف العذاب و الالم التي ألمت بضحايا التعذيب حتي ترسخ لدي الجلادين انهم بمأمن من المسألة و العقاب و الامثلة علي ذلك تستعصي علي الحصر ومنها :
مثال أول :
مذكرة المكتب الفني للنائب العام المؤرخة 15/10/1998 في القضية رقم 322 لسنة 1999 جنح سنورس و المقيدة برقم 2338 لسنة 1998 فحص المكتب الفني :
"الثابت من سؤال بكار عبد المجيد عزيز انه كان قد اكتشف سرقة الحانوت المملوك له و شقيقه محمد و شقيقزوجته فتوجه لمركز شرطة سنورس للابلاغ عن الواقعة فتم عرض الامر علي المحال ( نقيب شرطة / رئيس مباحث مركز شرطة سنورس ) حيث قام بمعاينة الحانوت و عاد لمركز شرطة سنورس حيث قام باحضار مجموعة من الاشخاص قام بالتعدي عليها بالضرب كي يجبرهم علي الاعتراف بارتكابهم واقعة السرقة و اضاف المذكور ان المحال قام باحضار زوجته ثم قام بتجريده من ملابسه و تعدي عليه بالضرب محدثا به اصابات بمؤخرته و قدميه لكي يجبره علي الاعتراف بارتكاب واقعة السرقة وكان ذلك في حضور زوجته و طلب منها ان تعترف بارتكابها الواقعة ثم قام باحضار شقيقه محمد عبد المجيد عزيز حيث قام بتعذييه بقصد جبره علي الاعتراف ايضا و من سؤال جميع الشهود و التي تأيدت بما خلصت اليه تقارير مصلحة الطب الشرعي ان الواقعة تشكل من حيث التكييق القانوني الجناية المؤثمة بالمواد 126, 280 , 282/2 من قانون العقوبات الا انه بالنظر لظروف الدعوي و ملابساتها و من كون المحال في مقتبل عمره و حياته الوظيفية و لم يثبت ارتكابه لمثل هذه الواقعة من قبل وفي تقديمه للمحاكمة الجنائية ما يعصف بمستقبله الوظيفي ومستقبل من يعول ( اسرته ) و لما كانت المحاكمة التأديبية ( داخل وزارة الداخلية ) فيها ما يحقق هدف المشرع و يردعه و يجعل ما اتاه من تصرف تحت بصر الهيئة التي ينتمي اليها فتقوم سلوكه ليستقيم )
و انتهت النيابة العامة في هذه القضية بأنه لا وجه لاقامة الدعوي الجنائية و لم يقدم الضابط التي قررت النيابة العامة ذاتها ثبوت ارتكابه لجريمة للتعذيب للمحاكمة الجنائية و اكتفت بتحويله للمساءلة الجنائية أمام رؤسائه بوزارة الداخلية و قد عاقبه مجلس التأديب الشرطي الاستئنافي بخصم عشرة ايام من راتبه فقط .
وقرار النيابة العامة بعدم تقديم المتهم فى مثالنا هذا للمحكمة الجنائية وانتهاء الأمر بجزاء الخصم من الراتب كان بتاريخ 15/10/1998 وبعد شهرين فقط (ستون يوم) تم توجيه الاتهام لذات ضابط الشرطة بتعذيب موتا وحرقه بالكيروسين مما أدى الى وفاة المجنى عليه (4)
مثال ثانى:
القضية رقم 4681 لسنة 2004 جنايات حدائق القبة.
المقيدة برقم 533 لسنة 2005 كلي غرب القاهرة
المقيدة برقم 232 لسنة 2003 حصر تحقيق
ملخص الوقائع:
وترجع وقائع القضية الي يوم 16 سبتمبر 2003 عندما استدعي الضباط المتهم كلا من / محمد عبد القادر السيد البالغ من العمر 31 عاما - وشقيقه/ سامح عبد القادر السيد البالغ من العمر 27 عاما – مازال معتقلا حتى ألان - و عندما ذهبا الي القسم تم احتجازهما بدون مسوغ قانوني. وبتاريخ 21 سبتمبر 2003 فوجيء أهلية المجني عليه باتصال تليفوني من القسم يطلب منهم الحضور لاستلام ولديهما وعندما ذهبوا للقسم لم يتمكنوا من مشاهدة اى منهما واخبرهم احد المتواجدين بالقسم إن نجلهم/ محمد عبد القادر السيد قد توفي وتم نقله لمستشفي الساحل. وعندما توجه أهليته للمستشفي وجدوه قد توفي وتم وضعه في ثلاجة المستشفي، وعندما شاهدوا الجثة لاحظوا وجود العديد من الإصابات الحديثة و التي أثارت شكوكهم حول أسباب الوفاة. وقد اخبرهم الضباط المتواجدون بالمستشفي إن الوفاة حدثت نتيجة هبوط حاد بالدورة الدموية وطلبوا من أهلية المجنى عليه عدم الإبلاغ مقابل الوعد بمكافأتهم نظير سكوتهم بإرسالهم لأداء فريضة الحج.
ولكن أهل الضحية رفضوا ذلك ولجأوا الي جمعية المساعدة القانونية لحقوق الإنسان حيث قاموا بتقديم شكواهم بهذا الخصوص. وقد تقدم محاموا جمعية المساعدة ببلاغ الي نيابة حدائق القبة بالواقعة و التي انتقلت وعاينت الجثة وطالب محاموا الجمعية بإحالة الجثة للطب الشرعي لبيان سبب الوفاة و تاريخها و الأداة المستخدمة في الوفاة لتوافر شكوك قويه لديهم تفيد تعذيب المجنى عليه .
وقد جاء تقرير الطب الشرعي ليثبت ( انه بناء علي ذلك فإننا نري حكما علي شكل و واقع تلك التعدادات فإننا نري أنها علي غراء ما يتخلف عن الصعق الكهربائي باستعمال سلك كهربي او ما شابه و ذلك في تاريخ يتفق عدة ساعات قبل وفاة المذكور. وقد أفاد التقرير بان الوفاة أصابته نتيجة الإصابات الموصوفة سلفا بما أحدثته من صدمة عصبية و هبوط بالدورة الدموية و التنفسية وقد حدثت في تاريخ معاصر لتاريخ الوفاة الوارد بالأوراق). (5)
تصرف النيابة كسلطة إحالة:
علي الرغم من إن وقائع القضية وشهادة الشهود ومناظرة النيابة العامة ( كسلطة تحقيق) لجنة المجني عليه وورد تقرير مصلحة الطب الشرعي معززا ومؤكدا لأدلة الإثبات إلا أن النيابة العامة ( المحامي العام لنيابة غرب القاهرة الكلية) قرر إحالة المتهم ( ضابط الشرطة بجهاز مباحث امن الدولة) الي المحكمة الجنائية بالفقرة الاولي فقط من المادة 126 عقوبات وقد ضمن إن الإحالة ما هو نصه " بصفته موظف عام " ضابط شرطة بجهاز مباحث امن الدولة" قام بتعذيب متهم هو المجني عليه /محمد عبد القادر السيد بأن أحدث به الإصابات الموصوفة بتقرير الصفة الشتريحية وكان ذلك بقصد حملة علي الاعتراف علي النحو المبين بالتحقيقات".
واسقط سيادة المحامي العام وفاة المجني عليه عن أمر الإحالة وهو ما يؤدي عملا الي إفلات الضابط المتهم من أحكام عقوبة القتل العمد لمرتكب جريمة التعذيب المؤدي للوفاة. هكذا وببساطة شديدة مارست النيابة العامة سلطة الإحالة وتجاهلت مصرع مواطن تحت وطأة التعذيب ولم تري في الأمر سوءا سوي احد الإصابات .
سلطة الاحالة
سلطة الإحالة - ماهيتها ودورها :
يمكن تعريف ماهية و دور سلطة الاحالة بأنها تلك الجهة التي تقوم بتقدير ما حملته اوراق التحقيق و مراقبة تقدير قضاء التحقيق لمدي كفايته الأدلة التي تبرر احالة المتهم الي المحاكمة و التحقق من مراعاة الاجراءات المتخذة من قبلها للضمانات التي كفلها القانون سواء للحرية الشخصية او لصيانة امن المجتمع .
وبعد قيام سلطة الاحالة بعملية التقدير هذه تصدر قرارها اما بأنه لاوج لإقامة الدعوى الجنائية او امرها باحالة المتهم الي المحكمة الجنائية بعد ما تقوم بتكييف الواقعة المعروضة عليها التكييف الذي تراه مطابقا للقانون و تسبغ عليها الوصف الذي تتحدد به تلك الجريمة في قانون العقوبات مادامت تحتمل وصفا اخر غير ذلك الوصف المقدم لها .
كما يمكننا في نطاق هذا التعريف التوضيحي لسلطة الإحالة إن نقرر بأن اعمال مبدأ ازدواج درجة التقاضي ( التقاضي علي درجتين ) يفترض وجود سلطة احالة مستقلة عن سلطة التحقيق الابتدائي حيث إن وجود رقابة علي ما تباشره سلطة التحقيق الابتدائي من اجراءات يعد ضمانا اكيدا لفاعلية نصوص القانون الامر الذي يكفل مشروعية اجراءات التحقيق الابتدائي و من خلال هذه الرقابة فقط يمكن للقضاء إن يباشر دوره في حماية المجتمع و ضمان الحقوق الفردية لمتهم و كذا تبرز اهمية وجود جهة قضائية اعلي درجة من الجهة التي باشرت التحقيق الابتدائي .
وحقيقة الامر إن تلك الجهة ( سلطة الاحالة ) تعتبر رغم تلك الأهمية(2) الا انها تعتبر من احدث الانظمة الاجرائية من حيث النشأة و التكوين اذ لم يبدأ الاهتمام بها الا منذ اواخر القرن التاسع عشر و لم يؤت هذا الاهتمام ثمرته دفعة واحدة و انها بطريقة تدريجية بحيث لم يتح لهذه الجهة إن يتكامل تكوينها في اكثر الانظمة الاجرائية تقدما الا في اواخر القرن العشرين ثم اضطردت اهميتها بعد ذلك في اغلب التشريعات حتي اصبحت في الوقت الحاضر في اعداد الانظمة الاجرائية في العالم .
التشريع المصري وسلطة الإحالة من عام 1905 و حتي حادث المنصة .. دهشة و تعديلات جائرة:
علي الرغم من الأهمية التي قدمنا بها لسلطة الاحالة الا انها لم تشغل اهتمام المشرع المصري بذات الاهمية التي اولاها لنظام قضايا التحقيق فلم يأخذ بها ( أي سلطة الاحالة ) الا في سنة 1905(3)
فمنذ ما يقرب من 101 عام مضت كان قانون تحقيق الجنايات الصادر سنة 1904 ينص علي إن يكون نظر قضايا الجنايات علي درجتين ( المادة 208 / استئناف الاحكام الصادرة من محكمة الجنايات في اول درجة يرفع الي محكمة الجنايات في محكمة الاستئناف ) وعندما قرر المشرع الغاء استئناف الجنايات ظهرت و للمرة الاولي في تاريخ التشريع المصري جهة مستقلة سميت سلطة الاحالة و عهد المشرع بها الي قاضي اطلق عليه اسم قاضي الاحالة ثم حلت محله غرفة الاتهام لتكون قضاء الاحالة في الجنايات ثم تعرضت هذه الوظيفة لمحاولة المساس بها فالغيت بالقانون رقم 107 لسنة 1962 و احل المشرع محلها من حيث اختصاصها بالاحالة نظام مستشار الاحالة و استمر جور المشرع المصري الحديث علي تلك السلطة رغم مالها من اهمية و ضرورة قصوي حتي وصلنا الي عام 1981 .
وفي الرأي لدينا إن المشاهد الاربع الاهم في 1981 هذا هي :
1- القبض علي و احتجاز أكثر ممن 1200 من الشخصيات السياسية و نشطاء العمل العام المعارضين لسياسات الحكم ( سبتمبر )
2- اغتيال الرئيس السادات في حادث المنصة الشهير و بزوغ نجم الرئيس مبارك علي الساحة الرئاسية . ( اكتوبر )
3- إعلان حالة الطوارئ و قانونها العرفي المطبق حتي هذه اللحظة ( اكتوبر )
4- إلغاء سلطة الإحالة بالقانون 170 لسنة 1981 في نوفمبر 1981 و جمع النيابة العامة لسلطات التحقيق و الاتهام و الاحالة . ( نوفمبر )
ولنا أن نتخيل أن الدولة التي تم اغتيال رئيسها وما زال مجلس الشعب يقنن لمشروعية الحكم و انتقال حقيبة السلطة الي الخلف , حريصة كل الحرص علي أن يواكب تغيير شخص الرئيس في ذات اللحظة الغاء سلطة الاحالة كسلطة مستقلة و تضمينها كأحد المهام الوظيفية الروتينية لجهاز النيابة العامة .
وبالفعل لم تخيب النيابة العامة ( التابعة كل التبعية لوزير العدل و السلطة التنفيذية ) رجاء اصحاب الحكم فيها , نهم قبل العام 1981 وجد التعذيب و افلت بعض مرتكبيه من العقاب لكن ظل التعذيب قاصرا علي المعارضين السياسين للحكم .ولكن ومنذ هذا التاريخ طال التعذيب الجميع اعضاء الاحزاب و القوي السياسية , القيادات العمالية , الفلاحية , المواطنين العاديين , نشطاء حقوق الانسان و باتت سيادة القانون المزعومة مهدرة كل يوم عشرات المرات و في ذات اللحظة التي تهدر فيها الكرامة الانسانية للمواطن تحت وطأة التعذيب لا تهدر سيادة القانون فقط بل تفقد السلطة الاساس الوحيد لمشروعيتها .
الطابع القانوني لسلطة الاحالة : ( طابع قضائي )
ورد نص المادة 70 من الدستور كما يلي :
((لا تقام الدعوى الجنائية إلا بأمر من جهة قضائية فيما عدا الاحوال التي يحددها القانون))
و بالعودة للأعمال التحضيرية لمشروع الدستور يبين بوضوح انصراف تفسير كلمة الدعوي الجنائية الي الدعوي العمومية في الجنايات كما إن مدلول ( الجهة القضائية ) لا ينصرف الي مطلق الهيئة القضائية بل الي جهات القضاء بالمعني الدقيق ( قضاء الحكم ) ومن ثم بات من المؤكد إن المشرع الدستوري استهدف اضفاء الطابع القضائي علي أمر الإحالة ليوفر ضمانات استقلال سلطة الاحالة عن سلطة التحقيق كذلك فان اعطاء المشرع للنيابة العامة سلطة التحقيق و إن كان له ما يبرره من الناحية العملية الا انه يستلزم إن يعرض تحقيقها علي جهة قضائية محايدة اوفر ضمانا والا ترتب علي ذلك اهدار مبدأ ازدواج درجة التقاضي و اهدار ضمان جوهري للخصوم في مواد الجنايات , وما يدعم هذا النظر إن المشرع المصري حين الغاؤه نظام نظر الجنايات علي درجتين في سنة 1905 اوجد مع محكمة الجنايات قاضي الاحالة فضلا عن غرفة المشورة (كدرجة ثانية لجهة استئنافية ) لهذا القاضي.
وفي حالتنا الراهنة و بالنظر الي نص المادة 214/2 و المستحدثة بالقانون 170 لسنة 1981 و التي اوردت انه ( ترفع الدعوي في مواد الجنايات باحالتها من المحامي العام او من يقوم مقامه الي محكمة الجنايات .. ).
ولا يعد من قبيل التزيد التقرير بأن المحامي العام ليس قاضيا بالمعني الضيق بل هو في واقع الامر عضو من اعضاء النيابة العامة بدرجة وظيفية معينة ومن ثم لا يوفر عمله الضمانات المطلوبة و التي استهدفها المشرع الدستوري بإيراده نص المادة 70 سالفة الذكر .
فرض جدلي :
وحتي لو سلمنا في سياق البحث ( كفرض جدلي ) إن نص المادة 214/2 اجراءات جنائية هي احد تلك الاحوال التي قصدها المشرع الدستوري في المادة 70 من الدستور كاستثناء علي الاصل العام .
و كانت المحكمة الدستورية العليا قد استقرت علي مجموعة من الضوابط التي تعينها علي الفصل في الدعوي الدستورية و مراقبة المشروعية الدستورية وهذه الضوابط هي :
1- النصوص الدستورية متكاملة مترابطة تعمل في اطار وحدة عضوية .
2- تفسير النصوص الدستورية في ضوء الغاية منها و اعتبار ان الدستور وثيقة تقدمية .
3- تفسير النصوص المتعلقة بالحقوق و الحريات العامة في ضوء المواثيق الدولية و القواعد المستقرة في الدول الديمقراطية .
واذا كانت المحكمة الدستورية قد سبق و اكدت علي ان مضمون القاعدة القانونية يتحدد علي ضوء المستويات التي التزمتها الدول الديمقراطية باطراد في مجتمعاتها .
فاذا كان الامر كما سلف فان التساؤل الذي يؤكد مخالفة المادة 214/2 اجراءات جنائية لنصوص الدستور هو :
ما الحل اذا شاب البطلان احد اجراءات التحقيق الابتدائي ؟؟
بعد أن أصبحت سلطة التحقيق هي ذاتها سلطة الاحالة و بصفة خاصة في الجنايات التي تقتضي رقابة القاضي علي تحصيل الدليل و تلقية قبل ان تقدم الجناية الي المحكمة ؟؟
بطبيعة الحال لا يجوز تقرير البطلان بمعرفة سلطة التحقيق ذاتها و كذلك لا يمكن القول بأن المحامي العام له ان يتولي هذه المهمة قبل اصداره الامر بالاحالة ذلك ان المحامي العام ليس قاضيا بل هو عضو من اعضاء النيابة العامة كما انه لا يمكن لمحكمة الجنايات منعقدة في غرفة المشورة القيام بهذه المهمة حيث انها لا تملك سلطة التصدي للتحقيق برمته و سلطة الاحالة معاً و من ثم لا يكون لها سلطة بحث الدليل من عدمه فقد حلت هذه الغرفة محل مستشار الاحالة في نظر استئناف الامر بأن لاوجه لاقامة الدعوي في جناية و هي في ذلك تتقيد بفكرة الاثر الناقل للاستئناف و بالتالي يمكننا التقرير بأن المادة 214/2 المستحدثة القانون 170 لسنة 1981 قد خلقت ورائها قصورا تشريعيا و باتت مشوبة بعدم الدستورية
كيف تمارس النيابة العامة سلطة الإحالة
إذا كان المشرع الدستوري قد أضفي علي سلطة الإحالة طابعا قضائيا فان الأمر يفترض بطريق اللزوم العقلي أنصاف ألمحام العام أو من يقوم مقامه بالطابع والصفة القضائية وقت إصداره لأوامر الإحالة وهو مقيد في ذلك بأحكام المادة 166 من الدستور:
( القضاة مستقرون ولا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون ولا يجوز لأي سلطة التدخل في القضايا أو في شئون العدالة).
والمعني مما سبق أنه يجب علي المحامي العام أو من يقوم مقامه مباشرة سلطته في الإحالة بإستقلال تام كما خولها له القانون دون الرجوع أو النصح أو استشاره احد أو أي سلطة أخري.
ما سبق هو الأمر المفترض اتساقه مع القانون, لكن النائب العام أزاد الأمر سوءاً ومخالفه فأصدر عام 1996 القرار رقم 1626 وهو القرار الذي ضمنه الكتاب الدوري رقم 4 لسنة 96 وبموجب المادة الأُولى من هذا القرار تم تفويض المستشار النائب العام المساعد بالنظر في جميع قضايا الجنايات والجنح التي يتهم فيها ضباط الشرطة.
وقد رتب هذا القرار عملياً أن كل أعضاء ورؤساء النيابة العامة والمحامون العامون يقومون بإرسال كل قضايا التعذيب الي المكتب الفني للنائب العام برئاسة المستشار النائب العام المساعد والذي يقوم بدوره بإعطاء تعليماته للمحامي العام ( سلطة الإحالة) ويختار القيد والوصف الذي يراه مناسباً للجميع أو يشير علي المحامي العام بان لا وجه لأقامه الدعوى الجنائية.
خلاصة القول:
إن ما ورد بالكتاب الدوري المشار اليه بعالية قد انتزع اختصاص منحه القانون الي ألمحام العام ليعطيه للسيد المستشار النائب العام المساعد وان كل المحامون العامون يصدرون أوامر الإحالة في قضايا التعذيب نزولا علي طلب رئيسهم الأعلى (النائب العام المساعد) رغم إن قيامهم بوظيفة سلطة الإحالة كانت توجب عليهم إلا يقبلوا بسلطان علي نفسهم وضميرهم سوي سلطان القانون.