هل تحتاج حركة حقوق الإنسان في مصر لتقرير جديد عن التعذيب؟ وهل يمكن أن تفلح عشرات الوريقات الجديدة كسبب في حماية جسد الإنسان المصري من كافة ضروب المعاملة الوحشية التي يواجهها إذا صادف في حياته احتكاكاً بسلطات الأمن أو إذا تم الاشتباه فيه بصدد جريمة، وخاصة إذا اتسعت دائرة التهم الموجهة له لتشمل المساس بأمن الحكومة؟ وهل تحتاج المنظمات الوطنية لحقوق الإنسان إلى الدفاع عن صفتها ـ الوطنية ـ هذه عند إعدادها لأي تقرير جديد يتضمن حالة حقوق الإنسان في مصر، وهو ما يمكن أن يشتمل ضمناً على " كشف عورة " حقيقة الديموقراطية في مصر؟
كل هذه الأسئلة واجهت مركز حقوق الإنسان لمساعدة السجناء أثناء إعداده لهذا التقرير. وبرغم تأكد أسرة المركز الشديد من أن تحسين حالة حقوق الإنسان هو أمر يتجاوز بكثير دور منظمات حقوق الإنسان، وهو يتطلب جهوداً مشتركة بين كافة قطاعات المجتمع لترسيخ ثقافة وواقع الديموقراطية، كنا نعلم أن دور التوعية والدفاع عن حقوق الإنسان في صورة تقارير ودراسات متعمقة حول البيئة التشريعية المنظمة للحقوق والحريات هو مجرد خطوة صغيرة للديموقراطية، لكنها خطوة مطلوبة. وهي أفضل بكثير من أن يكون معنى الوطنية وحماية الدستور هو دفن الرأس في الرمال، وإلا فلتتوقف الأحزاب والنقابات وكافة مؤسسات وقطاعات المجتمع عن المشاركة في هموم الوطن.
وفيما يتعلق بتقرير آخر جديد عن التعذيب، يعتقد المركز أنه من الصحيح أن التعذيب هو ظاهرة عالمية للأسف، تستخدمها الأنظمة الديموقراطية سراً، كما تستخدمها الأنظمة الاستبدادية جهراً. وبرغم كل ذلك فإن هذا لا يعفينا من مسئوليتنا تجاه حماية القيم التي تعلنها الحكومة ليل نهار حول حقوق الإنسان والديموقراطية. وبرغم احتدام جدل شديد حول الدور الذي تلعبه المنظمات الوطنية لحقوق الإنسان في الدفاع عن حقوق الإنسان، ودراستها لقضايا" شائكة" بالنسبة للحكومة كالتعذيب، وبرغم أن النقاش حول هذا الدور ليس محله مثل هذا التقرير، إلا أن المركز يعتقد أن هناك مسئولية مشتركة على كافة فئات وشرائح الوطن للدفاع عما يمكن تسميته بالشرعية الدستورية وقيم الديموقراطية والحقوق والحريات. وغنى عن البيان أن ما يواجه ما يسمى بالحركة الوطنية لحقوق الإنسان في مصر من مسئوليات لا يقتصر فقط على وجود تحديات، سيما فيما يتعلق بأزمة الشرعية. لكن الدور المطلوب منها والقيام بما يتوقع منها من مسئوليات يتطلب قيامها بتطوير جميع الأساليب المتبعة داخل هذه الحركة نفسها وفهما عاما لما يفترض عليها القيام به في مجمل العمل الأهلي في مصر.
مثل هذا التطوير يساعدنا على أن نفهم ما يجرى في مصر من تعذيب في ضوء فهم ذلك في سياقات عالمية، وفى ضوء مدى توافر المناخ المواتي للتعذيب في مصر من عدمه. ومثال ذلك أيضاً فيما يتعلق بانتشار العنف السياسي وما يسمى بظاهرة الإرهاب في مصر في عقد التسعينيات، وخاصة في منتصف التسعينيات. يتفهم المركز أن مثل هذه الظروف ساعدت على الانتشار السافر للقبض العشوائي والاعتقال لدوائر واسعة من الناشطين السياسيين وخاصة من تيار الإسلام السياسي. ولكن ـ وكما يعتقد المركز ـ فإن تبرير اللجوء السافر لقانون الطوارئ واستخدام التعذيب بصورة وحشية للحصول على الاعترافات بالضرورات السياسية التى كانت تمر بها البلاد هو تبرير غير سديد. فالقضاء على الإرهاب لم يكن ليتم ـ أبداً ـ بإرهاب آخر تمارسه الدولة على الناشطين السياسيين، وبممارسة ابشع أنواع الجرائم في غياهب النسيان ، حيث لا توجد أي شرعية وأي رقابة إلا شرعية الجلادين.
كانت هناك أسباب كثيرة تدعونا لإعداد تقرير جديد مختلف عن التعذيب، على الرغم من المجهود السابق للمؤسسات الوطنية لحقوق الانسان، وبرغم أن المركز قد سبق أن أعد تقريراً مماثلاً عن التعذيب في يناير 1999 من خلال دراسة 190 قضية بالتعويض المدني عن أعمال التعذيب، بل وقد سبق أن تم تناول الموضوع في العديد من التقارير التى أصدرتها بعض المنظمات الجادة ذات المصداقية كمنظمة العفو الدولية. فقد أشار تقرير منظمة العفو الدولية السنوي )1( في الجزء الخاص بمصر مثلاً إلى أن التعذيب المنظم قد استمر في مباحث أمن الدولة، في الإدارة العامة وفى فروعها بالمحافظات المختلفة وفى أقسام الشرطة. كما ورد أن أكثر وسائل التعذيب انتشاراً وشيوعاً هي الصعق بالصدمات الكهربائية، والضرب والتعليق من المعصمين والكاحلين، وأشكال متعددة من التعذيب النفسى، ومنها التهديد بقتل المعتقل، أو اغتصابه، أو إيذائه جنسياً، أو التهديد باغتصاب قريباته أو إيذائهن جنسياً.
- قانون الطوارئ… أصلح بيئة
يشكل قانون الطوارئ مناخاً أكثر من مناسب لانتشار التعذيب في مصر، بل والعديد من الانتهاكات الأخرى الماسة بحقوق الإنسان. أكدت هذه الحقيقة اللجنة المعنية بحقوق الإنسان التي لاحظت أثناء مناقشتها التقرير الدوري الثاني المقدم من الحكومة المصرية عام 1993 أن حالة الطوارئ تعد عائقاً رئيسياً في التنفيذ الكامل لاحترام حقوق الإنسان الواردة في العهد الدولي. وذلك أثناء نظرها في التدابير التي قامت بها مصر لإعمال الحقوق المعترف بها بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية(.
وبرغم تصديق الدولة المصرية على الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب، وتأكيد هذه الاتفاقية على اتخاذ كافة التدابير التشريعية ـ ومن ضمن ذلك إلغاء قانون الطوارئ ـ وغيرها لمنع أعمال التعذيب ( م2/1)، فان الحكومة المصرية لم تقم بمثل هذا الإجراء. ليس ذلك فحسب، بل إن الاتفاقية المذكورة كانت قد نصت بوضوح على أنه :" لا يجوز التذرع بأية ظروف استثنائية أيا كانت، سواء كانت هذه الظروف حالة حرب أو تهديداً بالحرب أو عدم استقرار سياسي داخلي أو أية حالة من حالات الطوارئ العامة الأخرى كمبرر للتعذيب". المادة 2 فقرة 2 من الاتفاقية(. وهذا الأمر معناه تأثيم التعذيب ومنعه منعاً قطعياً، حتى في حالة الحرب. وهذا الأمر هو ذاته ما كان العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية قد أكد عليه في المادة4 فقرة 2، والتي أشارت إلى عدم جواز المساس المطلق بأي من الحقوق المنصوص عليها في هذه المادة تحت أي مبرر استثنائي. وقد عددت هذه الفقرة عدة حقوق ومنها التحرر من التعذيب وكافة ضروب المعاملة القاسية والمهينة.
وما يؤكده الواقع العملي أن سلطات الطوارئ لا فرق لديها بين الحقوق غير القابلة للتصرف فيها والمنصوص عليها في المادة4/2 من العهد الدولي، أو الحقوق التي يجوز تقييدها في حالة الطوارئ. ذلك ما يمكن التدليل عليه بالاتساع المبالغ فيه للمناخ والصلاحيات الاستثنائية الممنوحة لسلطات الطوارئ. بل والممنوحة لها دونما أية رقابة من القضاء الطبيعي. ومن أبرز هذه الصلاحيات حق سلطة الطوارى في تقييد حرية الأشخاص في الاجتماع والانتقال والإقامة، وقبل ذلك بالاعتقال كما أشارت المادة 3 من قانون الطوارئ رقم 162 لسنة 1958. فقد أجازت هذه المادة لرئيس الجمهورية أو من يقوم مقامه، متى قامت حالة الطوارئ، اعتقال الخطرين على الأمن والنظام العام. وهناك سلطة تقديرية واسعة لحكومة الطوارئ في تحديد مدى خطورة هؤلاء الأشخاص، وماهية النظام والأمن العام…الخ. وقد أفرزت هذه الصلاحيات، ما أسمته تقارير منظمات حقوق الإنسان بظاهرة الاعتقال المتكرر . هذا الجو يعتبر مناخاً مواتياً للتعذيب، فيه تستطيع سلطة الطوارئ احتجاز المعتقلين لأطول فترة ممكنة، كما تستطيع إصدار أوامر اعتقال جديدة، بعد الإفراج عن المعتقلين، وقبل السماح لهم بمغادرة أماكن احتجازهم. وهذا ما تؤكده تقارير عديدة
وبموجب صدور القانون رقم 50 لسنة 1982 فإن الاختصاص بنظر كافة الطعون والتظلمات من أوامر الاعتقال أصبح موكولاً لمحكمة الطوارئ؛ حيث تم سلب اختصاص القاضي الطبيعي وهو مجلس الدولة حسب نص المادة 172 من الدستور التي تؤكد أن مجلس الدولة جهة قضائية مستقلة.
ليس ذلك فحسب، بل أن طريق التظلم طبق قانون الطوارئ نفسه به بعض العقبات، ويخلق أيضاً مناخاً مواتياً للتعذيب. فطبقاً لنص الفقرة الثانية من المادة الثالثة من قانون الطوارئ، فان لكل معتقل ولكل ذي شأن أن يتظلم من القبض أو الاعتقال إذا انقضى ثلاثون يوماً من تاريخ صدوره دون أن يفرج عنه. وبذلك فان هناك قيداً زمنياً وضعته هذه الفقرة على ممارسة المعتقل لحقه في التظلم. إذ اشترطت انقضاء ثلاثين يوماً على تاريخ الاعتقال دون أن يفرج عنه.
وهذه المادة ليست مجرد انتهاك صارخ للمادة 68 من الدستور المصري، التي تنص على عدم جواز تحصين أى عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء، وإنما هي قبل ذلك تخلق مناخاً بعيداً عن أي رقابة فيه ظروف ملائمة لرجال الأمن لممارسة التعذيب ضد المعتقلين، نظراً لطول هذه الفترة)6(. ففي هذه الفترة تنقطع صلة المعتقلين السياسيين بالخارج، ولا يسمح لهم بتلقي الزيارات سواء من أسرهم أو من محاميهم. ومن المعروف أن أماكن الاعتقال لا تخضع للرقابة والإشراف القضائي الفعال بما يحد من ممارسة التعذيب أو إساءة معاملة المعتقلين بواسطة رجال الأمن. وفى هذه الفترة أيضاً بالذات ـ لوقوعها بعد الاعتقال مباشرة ـ تستهدف سلطات الطوارئ انتزاع المعلومات والاعترافات…الخ
2- قانون العقوبات .. حماية قاصرة
على الرغم من الحماية الواسعة التي أضفاها قانون العقوبات على الحق في السلامة الجسدية بصفة عامة، بتجريمه جرائم الضرب والجرح من أحاد الناس وبتشديد العقوبات على هذه الجرائم، إلا أن ذات التشديد والحماية قد غابا عن جرائم الاعتداء على السلامة الجسدية من قبل الموظفين العموميين، وهم الأشخاص الأكثر توقعا للقيام بالتعذيب، وبالأخص ضباط الشرطة، بالنظر إلى السلطات الممنوحة لهم. ومن مواد قانون العقوبات التي تؤثم الاعتداء من ضباط الشرطة على سلامة المواطنين، المواد 126، 129، 282. وهى على الترتيب: جناية تعذيب المتهم لحمله على الاعتراف، وجنحة استعمال القسوة من الموظفين العموميين، وجناية التعذيبات البدنية التي تعاقب كل من يقبض على شخص بدون وجه حق إذا وقع القبض مصحوباً بالتهديد أو التعذيب..
وقد انتقدت المادة 129 التي تعاقب كل مستخدم عمومي وكل شخص مكلف بخدمة عمومية إذا استعمل القسوة اعتماداً على وظيفته بحيث إنه أخل بشرفهم أو أحدث آلاماً بأبدانهم بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بغرامة لا تزيد على مائتي جنيه مصري. انصب الانتقاد على العقوبات الهزيلة بتلك المادة، كما اقتصرت بالحماية على الإيذاء البدني دون الإيذاء المعنوي. أما المادة 282 فبرغم اعتبارها جناية، إلا إنها قد انتقدت أيضاً بدورها لأنها لم تفرق بين وقوع الأفعال الواردة بها من فرد على فرد أو من سلطة على فرد. وكان من واجبها تشديد العقوبة في هذه الحالة الأخيرة، باعتبار أن التعذيب في هذه الصورة يأتى اعتماداً على السلطة الممنوحة للموظفين العموميين متمثلين في ضباط الشرطة
أما أكثر المواد إثارة للانتقاد والجدل هي المادة 126 التي تجرم تعذيب المتهم لحمله على الاعتراف. فقد نصت هذه المادة على أن: " كل موظف أو مستخدم عمومي أمر بتعذيب متهم أو فعل ذلك بنفسه لحمله على الاعتراف يعاقب بالأشغال الشاقة أو السجن من ثلاث سنوات إلى عشر. وإذا مات المجني عليه يحكم بالعقوبة المقررة للقتل عمداً ". فهذه المادة اشترطت ثلاثة أركان لوقوع الجريمة. هذه الأركان هي: وقوع تعذيب على متهم، وقوعه من موظف أو مستخدم عام، وأن يكون القصد من التعذيب هو حمل المتهم على الاعتراف.
ويلاحظ أن الفقه قد انتقد بشدة هذه المادة )8(. حيث يلاحظ قصورها الشديد في تجريم أفعال كثيرة، على خلاف الضوابط والتعريف الواسع لجريمة التعذيب في الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب وغيره من كافة ضروب المعاملة القاسية. فهذه المادة لا تؤثم مثلاً حالة وقوع التعذيب من غير الموظف العام، مرشدي المباحث مثلاً. كما لا تؤثم وقوع التعذيب بناء على موافقة وسكوت الموظف العام، وليس أمره بذلك. أيضاً لا يعتبر تعذيباً وفق هذه المادة، تعذيب غير المتهم، مثل أقارب أو ذوى المتهم. و في هذا السياق فهناك مثلاً ما أسمته منظمات حقوق الإنسان بظاهرة احتجاز الرهائن، والتي انتشرت بقوة مع أقارب المتهمين الهاربين من أعضاء الجماعات الإسلامية المسلحة. ووفق هذه المادة أيضاً فإن ذلك الذي يحدث بغير هدف الحصول على الاعتراف، كالانتقام أو المجاملة لا يعتبر تعذيبا.
الفارق الواسع بين نص هذه المادة ـ الخالي حتى من تعريف واضح التعذيب ـ وتعريف التعذيب في الاتفاقية الدولية يمكن أن يتضح بقراءة هذا التعريف في الاتفاقية المذكورة. فوفقا لنص المادة الأولى من هذه الاتفاقية يقصد بالتعذيب: " أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسدياً كان أم عقلياً، يلحق عمداً بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه، هو أو شخص ثالث، أو تخويفه أو إرغامه هو أو شخص ثالث، أو عندما يلحق به مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أيا كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي، أو أي شخص اَخر يتصرف بصفته الرسمية".
هذه المسافة الواسعة بين الاتفاقية وقانون العقوبات قد حاول القضاء ملئها. وقد حاولت المحاكم المصرية أحياناً مد نطاق التأثيم ليشمل التعذيب المعنوي ـ على الرغم من غموض المادة 126 في ذلك . فقد جاء في حيثيات حكم الجناية رقم 3856 لسنة 1986 جنايات الحسينية ( أن: " التعذيب هو في عقيدة المحكمة عبارة عن اعتداء على المتهم أو إيذائه مادياً أو معنوياً. وبهذا المعنى فالتعذيب صورة من صور العنف أو الإكراه. والتعذيب المادي يتسع للضرب والجرح والتقييد بالأغلال والحبس والتعريض للهوان والحرمان من الطعام أو من النوم وما شابه ذلك من سائر ألوان الإيذاء والحرمان، ولا يشترط درجة معينة من الجسامة في التعذيبات البدنية. أما التعذيب المعنوي فهو يتجه إلى إذلال النفس بقصد حملها على الاعتراف.." كما أكدت محكمة النقض ـ لتلافى عيب المادة التي اشترطت التعذيب أو الأمر به فقط ـ أنه يستوي أن يكون التعذيب تصريحاً أو تلميحاً. فأشارت إلى أنه :" عندما يصبح التعذيب عملاً معتاداً فإن امتناع الرئيس عن نهى مرءوسيه عن القيام بتعذيب المتهمين المراد انتزاع الاعتراف منهم، هو أمر بالتعذيب10(. هذا الاجتهاد، وغيره من الاجتهادات، قد يساهم في الوصول لقدر من الحماية للمتهمين ضحايا التعذيب، لكنه لن يصل بالحماية إلى اكثر من ذلك؛ وبالقطع لن يصل بها إلي ذات الدرجة الواردة بالاتفاقية.
3- قانون السجون.. تسهيل التعذيب.
لم يخل قانون السجون رقم 396 لسنة 1956 من بعض العيوب، بالرغم من نصه على بعض الحقوق للمسجونين. ومن أبرز هذه العيوب التي تخلق الجو المواتي للتعذيب هو ذلك الوارد بالمادة الأولى مكرر. فقد نصت هذه المادة على أن :" إيداع كل من يحجز أو يعتقل أو يتحفظ عليه أو تسلب حريته في أحد السجون المبينة بالمادة الأولى أو ( أحد الأماكن) التي يصدر بتحديدها قرار من وزير الداخلية ويسرى عليها جميع الأحكام الواردة في هذا القانون، لابد أن يكون حق الدخول فيها منصوصاً عليه في المادة 85 للنائب العام أو من ينيبه من رجال النيابة بدرجة رئيس نيابة على الأقل".
وهذه المادة لا تعطى فقط لوزير الداخلية الحق في إنشاء سجون خاصة واعتبار أي مكان خاص سجناً، مثل أي معسكر أو مبنى وزارة الداخلية أو المباحث العامة أو مباحث أمن الدولة أو معسكرات الأمن المركزي أو أية مبان أو أماكن خاصة، وإنما هي أيضاً تعتبر كل هذه الأماكن سجوناً قانونية تسرى عليها كافة الأحكام الواردة في قانون السجون ( . وهناك استحالة عملية بالطبع لأن تكون في هذه الأماكن جميع الضوابط الواردة بالليمانات والسجون العمومية والسجون المركزية. أما عن إعطاء النائب العام وحده أو من ينيبه وحده حق الإشراف وزيارة هذه الأماكن، فهذا أيضاً منتقد بدوره لأنه يصعب عملياً على النائب العام ترك مهامه ومتابعة هذه الأماكن. كما أن إشراف النيابة على السجون، هو إشراف شكلي غير موجود، كما سنرى في جزء تال من هذا التقرير.