فى اطار ما تعرض له الاخوة اللاجئين السودانيين من عنف لفض اعتصامهم من حديقة مسجد مصطفى محمود بالمهندسين .يساهم المحامى والناشط الحقوقى اشرف ميلاد فى ايضاح الجوانب القانونية للمشكلة هلى مدار حلقات ثلاث ننشرها تباعا.
شهدت الأعوام الثلاثة الأخيرة (2005:2003) فى مصر ثلاثة أحداث مؤسفة قام فيها الأمن المصرى بانتهاكات ضد اللاجئين السودانيين ويذكر أن هذه الأحداث الثلاثة قد أضرت كثيرا بسمعة مصر وأدت إلى العديد من الانتقادات والتساؤلات فيما يتعلق بالتزام الحكومة المصرية بالقانون الدولى:
فى مساء 28/1/2003، قامت الشرطة المصرية باعتقال ما لا يقبل عن مائتى وخمسين إفريقيا من شوارع المعادى بل أن البعض منهم قد تم اعتقاله من منزله وتم تجميعهم فى قسمى شرطة المعادى والبساتين(يذكر أن المقصود بحملة الإعتقالات هذه هم أبناء السودان على وجه الخصوص ولكن رجال الشرطة كانوا يقبضون على كل من له بشرة داكنة فى محيط منطقة المعادى مما أعطى لهذه الحملة الأمنية طابعا عنصريا.)
وتم خلال هذه الحملة العديد من الانتهاكات التى لم تخل بالطبع من إهانات عنصرية وفقا لاقوال بعض المقبوض عليهم وقد تم تجميع هؤلاء المقبوض عليهم فى حديقة قسم المعادى (حيث كان العدد أكبر بكثير من أن تستوعبه زنزانة قسم الشرطة) فى شتاء شهر يناير ليقضوا اليل فى العراء بلا غطاء جالسين على الأرض مما استلزم تدخل مفوضية الأمم المتحدة التى اتصلت بمكتب وزير الداخلية وتم ترحيلهم إلى مجمع التحرير والإفراج عن معظمهم بعد ثلاثة أيام بعد تصاعد الانتقادات من المنظمات الحقوقية الدولية ضد الحكومة المصرية والتى اتهمتها بالعنصرية والتعسف ضد الأفارقة على وجه التحديد.
فى صباح يوم 25/8/2004، تجمع ما يقرب من ثلاثة آلاف لاجىء سودانى أمام مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لشئون اللاجئين احتجاجا على قرار الأخيرة بتجميد إجراء المقابلات مع طالبى اللجوء من السودانيين على وجه التحديد انتظارا لما قد تسفر عنه مفاوضات حكومة السودان مع متمردى الجنوب فى أعقاب توقيع بروتوكول ماشاكوس الذى كان بمثابة علامة على قرب حلول السلام فى السودان بين حكومة الشمال والحركة الشعبية بالجنوب. فى هذا اليوم كانت هناك مفاوضات بين بعض منظمات المجتمع المدنى المهتمة بقضية اللاجئين من جهة و مكتب القاهرة لمفوضية الأمم المتحدة السامية لشئون اللاجئين من جهة أخرى و لم تسفر عن أية نتيجة مما استفز اللاجئين السودانيين الذين بدأوا فى الهتاف ضد المفوضية مما أدى لتدخل الأمن وحدثت مصادمات أدت لإصابة العشرات من الطرفين واعتقال 22 من الموجودين لمدة 25 يوما تعرضوا فيها إلى إساءة معاملة وضرب وإهانات عنصرية على يد رجال الشرطة فى قسم شرطة الدقى.
وقامت الشرطة المصرية بتصرف أثار استنكارا واسعا لما فبه انتهاكا صارخا لأهم حق للاجىء وهو حمايته من سفارة دولته وهو سماح رجال الشرطة لأحد عناصر أمن السفارة السودانية بالدخول إليهم فى الزنزانة وتهديدهم مشيرا إلى أن لا الأمن المصرى ولا المفوضية السامية يستطيعون حمايتهم:. بل وصل الأمر إلى حصول ضابط الأمن على قائمة بأسماء وعناوين هؤلاء المقبوض عليهم ما جعل معظمهم يغيرون عنوان منزلهم خوفا من تعرض رجال السفارة السودانية لهم. وتم الإفراج عن هؤلاء المقبوض عليهم يوم 21/9/2004 بعد أن تأكد للنيابة أن هؤلاء المقبوض عليهم قد تم اعتقالهم بشكل عشوائى خاصة بعد أن تبين أن بعض المقبوض عليهم كانوا متواجدين بمقر المفوضية لإنهاء إجراءات إعادة توطينهم فى أستراليا وكندا أى أنه لا توجد مطالب لهم من المفوضية إضافة إلى أسباب سياسية بسبب حملة الإتنقادات التى طالت الحكومة المصرية آنذاك.
وفى يوم 29/9/2005، أعلنت مجموعة من اللاجئين السودانيين اعتصاما مفتوحا أمام مقر مفوضية الأمم المتحدة السامية لشئون اللاجئين بميدان مصطفى محمود بالمهندسين الى حين تحقيق قائمة مطالب تقدموا بها إلى المفوضية (20مطلبا) تشمل استئناف إجراء مقابلات تحديد صفة اللاجىء بالنسبة للسودانيين والتى توقفت لأكثر من ثمانية عش شهرا، فتح الملفات المغلقة للحالات المرفوضة من قبل المفوضية، إعادة الإعانات المالية وإعادة التوطين فى بلاد أخرى. تم عمل مقابلة بين وفد نم خمسة من المفاوضين (قادة الاعتصام) و بعض موظفى مكتب المفوضية السامية ولم تسفر عن شيىء. وفى يوم 26/10/2005، تم اسئناف المفاوضات بحضور ممثلين عن بعض المنظمات المعنية ولم يتفق الطرفان للمرة الثانية تم تلتها جولات أخرى إلى أن تقدمت المفوضية فى يوم 17/12/2005 بمبادرة تعد فيها بالاستجابة لبعض المطالب مع إمكانية عمل لقاءات شهرية مع قادة الاعتصام للمتابعة.
بيد أن هذا الطرح (وإن كان لم يجد قبولا لدى اللجنة والتى تخوفت من مجرد وعود بلا برنامج زمنى) قد جعل اللجنة تطلب مهلة لإقناع المعتصمين بهذا الحل خاصة فى ظل فترة اعتصام قاربت الثلاثة أشهر حذرت فيها المفوضية من إمكان التدخل الأمنى الذى قد يؤدى لوقوع كارثة ولكن بعض المعتصمين لم يقبلوا هذا الحل بالرغم من تأزم الوضع حتى أن أحد أعضاء لجنة التفاوض ذكر أن دورهم قد أصبح محاولة إقناع المعتصمين بفض الإعتصام سلميا. ويذكر أن قادة الاعتصام من المفاوضين قد طلبوا مهلة لمحاولة إقناع المجموعة التى ترفض الإنصراف بالامتثال لمطلب الرحيل. وعلى المقابل، أصدرت المفوضية بيانا أوضحت فيه أن قادة الإعصام قد فشلوا فى إقناع المعتصمين بالرحيل مشيرة إلى أنها, أى المفوضية، قد بذلت ما فى وسعها فى محاولة لنفى أى مسئولية عن الاقتحام المتوقع حدوثه خلال أيام.
يبلغ عدد اللاجئين السودانيين فى مصر (وفقا لإحصاء مكتب القاهرة لمفوضية الأمم المتحدة السامية لشئون اللاجئين عام 2004 والذى توقف بتوقف إجراء مقابلات اللاجئين السودانيين اعتبارا من يونيو 2004) 15365 لاجئا من إجمالى 20374 لاجئا فى مصر أى حوالى 75% من إجمالى عدد اللاجئين تحت حماية المفوضية. يذكر أيضا أن هناك عدد من طالبى اللجوء السودانيين الذين لم تتم بعد مقابلاتهم بالمفوضية وهو عدد لم ترد أية إحصائيات به. والحكومة المصرية ملزمة بتوفير الحمية المقررة لهم وفقا لاتفاقية 1951 الخاصة باللاجئين والتى شاركت مصر فى إعداد مسودتها وتم التصديق عليها عام 1980. ووفقا للمادة 151 من الدستور المصرى ، فإن الإتفاقية الدولية هى جزء من التشريع المصرى.
و الحكومة المصرية قد تحفظت على خمسة بنود من الاتفاقية والتى تضمن للاجئين التالى: الحق فى الحصول على الجنسية المصرية، الحق فى العمل، الحق فى التعليم المجانى، الضمان الاجتماعى والحق فى الحصول على وجبات غذائية. والحكومة المصرية وفقا لمذكرة تفاهم بينها وبين مفوضية الأمم المتحدة السامية لشئون اللاجئين تم توقيعها فى فبراير 1954 قد تعهدت بتوفير التسهيلات اللازمة للمفوضية لمباشرة أعمالها وتمنح اللاجئين الذين يدخلون فى اختصاص المفوضية الإقامة طبقا للنظم الجارى العمل بها.
لاجئو السودان هم من مختلف القبائل والأقاليم السودانية وقد تزايد عددهم فى أعقاب انقلاب الثلاثين من يونيو 1989. وكان هناك العديد من المعارضين الشماليين و أبناء الجنوب (قبائل الدينكا والشلوك والزاندى إضافة إلى جبال النوبة) الذين نزحوا الى مصر فى أعقاب الحرب الأهلية 1983كذلك أبناء شرق السودان من قبيلة البجا (أعضاء فى حزب سياسى بإسم مؤتمر البجا) . وبدءا من مارس عام 2003، نزح إلى مصر الألاف من أبناء إقليم دارفور فرا من عمليات القتل الجماعى والنهب المنظم الذى قامت به القوات الحكومية بمساعدة ميليشيات الجنجويد. ويذكر أنه حتى عام 1995كتنت عملية نزوح السودانيين الى مصر تتم بشكل لا يستلزم دائما التقدم الى مفوضية اللاجئين حيث إن تواجد المواطن السودانى على أرض مصر لا يستلزم الحصول على الإقامة نظرا لإعفائهم منها. و لكن فى أعقاب محاولة اغتيال الرئيس مبارك فى أديس أبابا 1995، تم إلغاء هذا الإعفاء ووضع القيود على إقامة السودانيين بمصر مما استلزمهم التقدم للحصول على حق اللجوء خوفا من الترحيل القسرى الذى كانت تقوم به السلطات المصرية للسودانيين الذين لا يحملون إقامة فى مصر وكان هذا يجدث من وقت لآخر.
واللاجىء عموما عندما يتم قبوله فى مصر فإن أمامه ثلاثة خيارات بعد ذلك وفقا لاتفاقية 1951 (الاندماج فى دولة اللجوء/ العودة الطوعية/ إعادة التوطين فى دولة ثالثة). و فى ظل استمرار التوتر وعدم الاستقرار فى السودان حتى بعد توقيع اتفاقية السلام فى يناير 2005 بالإضافة الى عدم وجود الخدمات الأساسية (من تعليم وصحة فى الجنوب) و عدم وجود عفو عام من قبل الحكومة السودانية وتوفير حياة كريمة (وهذا ما تتطلبه اتفاقية 1951) فإن العودة الطوعية غير مطروحة وأن كانت المفوضية قد بدأت فى التشجيع على العودة الطوعية إلا أن الاستجابة من قبل اللاجئين لبرنامج العودة الطوعية كانت ضئيلة للغاية. أما فيما يتعلق بخيار الاندماج فى بلد اللجوء فإنه قد أصبح خيارا صعبا أيضا خاصة فى ظل وقف معظم المساعدات المالية التى كانت المفوضية تمنحها للاجئين عن طريق شريكها التنفيذى (منظمة كاريتاس) والتى كانت تتراوح بين 150 إلى 500 جنيها مصريا حسب حجم الأسرة بالإضافة الى ضعف المساعدة الطبية التى تقدم لهم بالاضافة الى عدم وجود تصريح بالعمل حيث تحفظت مصر على البند الخاص بمنح الوظائف للاجئين (وان كانت السلطات المصرية قد أعفت السودانيين من دفع مبلغ 1000 جنيه لتصريح العملإلا أن الحصول على فرصة عمل لأجنبى فى مصر نادرة جدا بسبب العراقيل التى يضعها القانون المصرى أمام توظيف الأجانب).
لذلك، فمن الطبيعى أن يكون التوطين فى إحدى الدول التى تستقبل حالات اللاجئين (مثل أستراليا وكندا و الولايات المتحدة الأمريكية) هو الخيار الذى ينشده اللاجىء فى مصر. ولكن، منذ أن بدأت مفوضية اللاجئين فى تطبيق اتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية بشكل موسع بدءأ من مارس من عام 2003 والتى توسعت فى تعريف اللاجىء حيث تنص على وجود حالات للجوء أكثر مما ورد فى اتفاقية 1951 (كوجود كوارث طبيعية أو حرب أهلية أو غزو خارجى فى جزء من البلاد أو كلها) قد ازداد عدد المقبولين من أبناء السودان ولكن المقبولين وفقا لهذه الاتفاقية لا يحق لهم التوطين فى بلد آخر مما زاد من عدد المقبولين وقلل عدد الذين يتم توطينهم بالإضافة إلى قيام دول التوطين بتخفيض عدد اللاجئين المقبولين للهجرة إليها مما جعل السوادنيين على وجه الخصوص بما أنهم يشكلون 75% من إجمالى عدد اللاجئين وإيضا بسبب توقف إجراءات المقابلة معهم منذ يونيو 2004 بسبب محاولة تنفيذ برنامج العودة الطوعية الى التذمر من قبل معظمهم.
يذكر أيضا أن هناك العديد من حالات التحرش من قبل الأمن السودانى ضد نشطاء سياسيين خاصة من أبناء دارفور ووصلت هذه التحرشات إلى حد الإيذاء البدنى أو التهديد بالقتل مما أزاد من خوف اللاجئين السودانيين عالى أمنهم الشخصى الذى عبر بعضهم عنه بأنه لا يوجد فارق كبير بين تخوفهم من الأمن المصرى والسودانى ففى الحالتين لا يضمن اللاجىء أمنه.