أفلام "مراكز القوى" وحقوق الإنسان
تصف الباحثة السينمائية الدكتورة "درية شرف الدين" الأفلام التى تتناول مسألة "مراكز القوى"، وما يتصل بها من مظاهر فساد وعلامات إفساد، بأنها "سينما الاقتصاص من الماضي" ( د. درية شرف الدين: السياسة والسينما في مصر 1961- 1981، القاهرة: دار الشروق، 1992، ص131) مشيرة إلى أن حركة 15 مايو 1971 قد مثلت "الشرارة الأولى التى استند عليها (الرئيس) السادات أمام الشعب، لتغيير وجه مصر السياسى والاقتصادى والاجتماعى فى السبعينيات، كحقبه تاريخية خالفت فى كثير من تفاصيلها كلاً من حقبتى الخمسينيات والستينيات"، وأن "السادات" كان "أسرع من الجميع (السياسيين خصومه) فى التصرف وحرية الحركة، عندما استطاع التخلص من خصومه السياسيين وأدخل قادتهم السجن، ثم بدأ يفتح النار تدريجياً من خلال صحافة الدولة الرسمية، على ممارسات مراكز القوى وقد لاقى ذلك استجابة من الشعب، الذى تصاعدت مطالبه بالتغيير والتصحيح بعد النكسة، والتى كشفت له محاكمات مراكز القوى. عن انحرافات جسيمة، خاصة ما تعلق منها بما سمى بقضية انحراف جهاز المخابرات العامة. وقد قدر لتلك الممارسات، التى ارتبطت بمولد ونمو وتضخم تلك الفئة فى العهد السابق للسادات، أن تكون أهم تيار سينمائى شهدته سينما السبعينيات فى مصر،وهو تيار سينما مراكز القوى. وكما مثلت الهزيمة العسكرية فى عام 1967، الضوء الأخضر الذى أبرزته الحكومة كجواز مرور لبعض الأفلام، لتناول بعض أوجه الحاضر بالنقد والهجوم، مثلت حركة 15 مايو أو ثورة التصحيح فى بداية السبعينيات الضوء الأخضر لهذه الحقبة، لتتناول ممارسات الستينيات بالنقد والهجوم. وكما كان ماضى سينما الستينيات هو الوجه الغالب لها، وتمثل هذا الماضى فى عهد الملكية والاقطاع وسوء الأحوال قبل الثورة، وعلى امتداد فترة زمنية ممتدة، كان ماضى سينما السبعينيات ماضي أكثر قرباً، وأكثر تحديداً، وتمثل فى فترة الستينيات، وكان موضوعه ممارسات مراكز القوى فى جانب وقائع التعذيب والقمع والمعتقلات، وزوار الفجر، والتنصت والتجسس على الجميع، كما كان موضوعه الفساد الأخلاقى والاجتماعى لاقطاب تلك الفئة، والإرهاب الذى مارسوه لكتب حرية الرأى والتعبير. ولأن تلك الموضوعات، بحكم طبيعتها، كان يمكنها أن تتيح مجالاً لسينما واعية، ولسينما رائجة فى نفس الوقت، فقد تراوحت الأفلام التى تناولتها ما بين القدرة على إثارة الوعى والتنبيه، أو السطحية والدعائية للعهد الجديد، أو ما بين السينما الجيدة وسينما جمهور الانفتاح والتجارة بالفن").
هذه الأفلام تركز جميعها على عدد من جوانب الممارسات الشاذة والمنحرفة التى عرفت عن مراكز القوى، سواء تلك التى أعلنت فى أعقاب الهزيمة العسكرية عام 1967 (انحرافات جهاز المخابرات المصرية العامة، وكذا انحرافات بطانة المشير" عبد الحكيم عامر") أو تلك التى أعلنت فى أعقاب ما عرف باسم "حركة التصحيح" فى مايو 1971 (انحرافات أجهزة الأمن السياسى والأمن العام بوجه خاص).
وعلى ذلك فإن ما يمكن تسميته بأفلام "مراكز القوى"، تتعرض لقضايا سياسية مباشرة مثل استبعاد القوى الوطنية المخلصة من المشاركة فى القرارات المصيرية، ومثل كبت حرية الرأى بصفة عامة، سواء بين المواطنين أو فى أجهزة التعبير مثل الصحف وغيرها، ومثل اجهاض أية ممارسات سياسية تتسم ولو بقدر من الديمقراطية، كما أن هذه الأفلام تتعرض لقضايا أمنية مباشرة مثل التحالف بين الأجهزة الأمنية بصفة عامة وبينها وبين الأجهزة القمعية التى يمكن أن تكون تابعة لها، وذلك مثل التحالف بين جهازى "المخابرات العامة" و"المباحث العامة/ البوليس السياسى"، وبينهما وبين السجن الحربى والمعتقلات السياسية. كما تتعرض هذه الأفلام إلى حقوق الإنسان فى علاقته بهذه الأجهزة الأمنية والقمعية معاً، مثل إشاعة الخوف بين المواطنين، وتلفيق التهم، والقبض على المواطنين وحجزهم بدون وجه حق، والتعذيب البدنى، والقهر المعنوى؛ بما يصل إلى حد الاعتداءات الجنسية ممثلة فى اغتصاب الإناث أو هتك عرضهن وهتك عرض الرجال، بالاضافة إلى ما يمكن أن يتلازم مع ذلك كله من فساد أخلاقى ومالى، وما اشتهر عن هذه الأجهزة من قيامها بالتجسس والتنصت على بعضها البعض وعلى المواطنين وعلى الحكام فى نفس الوقت، بالاضافة إلى تصارع هذه الأجهزة الأمنية فيما بعضها البعض.
2- فيلم "وراء الشمس" 1978
أولاً: بيانات توثيقيه
الإنتاج: محمد راضى
الإخراج: محمد راضى
القصة والسيناريو والحوار: حسن محسب
التصوير: عبد العزيز فهمى
المونتاج: أحمد متولى
الموسيقى: شعبان أبو السعد
مهندس الديكور ومنسق المناظر: صلاح مرعى
التمثيل: نادية لطفى (سهير)- رشدى أباظة (الجعفرى)- شكرى سرحان (د. حسام)- محمد صبحى (وليد)- محمود المليجى (الصول عبدالحق)- منى جبر (زينب)- السيد راضى (منصور)- محيى إسماعيل (يوسف)- أحمد زكى (عصام)- صلاح منصور (هاشم بك)- زين العشماوى (على)- محمد الدفراوى (إبراهيم)- عبد السلام محمد- على الشريف- محمد السبع- نبيل الهجرسى- فتحية شاهين- راوية أباظة- عبد المنعم أبو الفتوح- هياتم- صفاء الشامى- رشاد عثمان- عزت الأمير- إلهامى فايد- وفيق فهمى- سلوى صادق- هدى يوسف- أحمد ماهر- محمد الحموى- مختار السيد- ميشيل نجم- أحمد بدير.
ثانياً: ملخص قصة الفيلم
يحدد فنان فيلم "وراء الشمس" الهوية الزمنية لأحداث فيلمه بوضوح تام، فهى تأتى فى أعقاب الهزيمة العسكرية المروعة فى يونيه 1967، حيث يصر أحد كبار قادة الجيش على إجراء تحقيق للوقوف على الأسباب الحقيقية لهذه الهزيمة وهو الأمر الذى يؤدى إلى اغتياله بمعرفة قائد السجن الحربى، فعندما يرفض القائد العسكرى الثائر التغاضى عن إصراره على طلب هذا التحقيق، أثناء الزيارة الخاصة التى يقوم بها "الجعفرى" قائد السجن الحربى من أجل اقناعه بذلك، فإن "الجعفرى" لا يجد مناصاً من اغتياله باطلاق رصاصات مسدسه، وإن كان "منصور" الشاب إبن القائد الثائر يشاهد بعينيه واقعة اغتيال أبيه. هذه الواقعة الأساسية تشكل الافتتاحية الساخنة للفيلم، قبل ظهور لوحات السماء الخاصة به، لنكتشف لاحقاً أن الفتاة الرقيقة إبنة القائد العسكرى الثائر، التى سبق أن استقبلت "الجعفرى" وهى تتأهب لمغادرة المسكن للمشاركة فى نشاط جامعى منظم من أجل رعاية أسر الشهداء والمهجرين من مدن قناة السويس، هذه الفتاة تصبح عميلة نشطة من عملاء الأجهزة الأمنية المصرية، التى تترك مهامها الأساسية المتمثلة فى حماية الوطن داخلياً وخارجياً من أعدائه الحقيقيين، لكى تصب نشاطها فى ملاحقة المواطنين المصريين، سواء كانوا من ذوى الأنشطة السياسية أو حتى الذين يتصلون بهم، أو يقعون فى دائرة اشتباه الممارسة السياسية، حتى ولو بابداء الرأى؛ فنجد أن "سهير" قد تركت عملها الأصلى كمعيدة فى الجامعة لكى تصبح عضواً نشطاً فى أكثر من دائرة من دوائر الأمن المصرى، فهى عميلة أساسية لحساب "الجعفرى" من السجن الحربي، كما أنها –أيضاً- عميلة هامة لحساب المسئول الأمنى الكبير "هاشم بك"، الذى نستطيع أن نكتشف بسهول أنه يمثل رئيس جهاز المخابرات العامة، وبذلك تكتمل دائرة " الإرهاب الأمنى " بشقيها المشهورين فى التاريخ المصرى الحديث، وهما جهاز المخابرات العامة (فى جانبه الانحرافى المؤكد تاريخياً) ومدير السجن الحربى (الذى تتخلد ذكراه دائماً فى المذكرات الخاصة لأصحاب الرأى الذين شاءت ظروفهم أن يكونوا نزلاء لديه فى سجنه الحربى المشهور). وفى نفس الوقت فإننا نكتشف أن الشاب "منصور" ذاته يصبح نزيلاً داخل السجن الحربى، ويمنحنا فنان الفيلم فرصة التعرف على أسباب ذلك التحول الغريب، ذلك أن "الجعفرى" يقوم باعتقال الشاب وإيداعه السجن الحربى، لأنه شاهد العيان الوحيد على جريمته، ونحن نتقابل مع ذلك الشاب الرقيق المهذب الأنيق، وقد أصبح مسخاً بشرياً فى ملابس المسجونين الزرقاء داخل السجن، وتابعاً خاصاً "للجعفرى"، يجنده الأخير للتجسس على نزلاء السجن لحسابه، فمن الواضح أن حياة السجن (التى سنشاهدها فيما بعد) كفيلة بتحويل هذا الشاب إلى ذلك المسخ البشرى.
بالاضافة إلى أننا نكتشف أن الشاب يجهل كل شئ عن شقيقته، سوى ما يخبره به "الجعفرى"، والأخير يقنعه بأن شقيقته قد غادرت الوطن، وأنها تعيش خارجه بكل خير. ومن جهة أخرى يتضح أن "الجعفرى" هو الذى يقوم باخبار الفتاة بأن أباها قد تعرض لجريمة قتل، والقاتل لا يزال مجهولاً، ثم يستدرجها إلى فيلا خاصة حيث يسيطر على تصرفاتها تحت تأثير المخدر، لكى تفيق منه فتكتشف أنه قد قام باغتصابها، وأنه قد صور مشهد الاغتصاب هذا بالتفصيل، لكى ترضخ لطلباته، فيجندها لحسابه وحساب "هاشم بك"، لتصبح الفيلا "مصيدة أمنية"، بما تحتويه من وسائل للتجسس بالتنصت والتصوير وغيرهما. ويصبح من أهم أعمال المتابعة التى تكلف بها سهير "من كل من "الجعفرى" و"هاشم بك"، هو التجسس على طلبة الجامعة واساتذتهم الذين يشاركونهم نشاطهم السياسى، بينما ينحصر ذلك النشاط حقيقة فى العناية بأسر الشهداء ورعاية المواطنين المهجرين من مدن قناة السويس الثلاث من جهة، وفى البحث عن الحقائق الخافية وراء الهزيمة، لتجنبها، من جهة أخرى. وتصبح المفارقة أن "سهير" مطالبة بالتجسس على هؤلاء الذين كانت تعمل معهم من قبل لصالح المواطنين والوطن، ولكن الفيلم يقدم كل المسئولين عن أمن الوطن ولا هم لهم إلا التجسس على بعضهم البعض، وليس فقط على النشطين السياسيين من المواطنيين أو المشتبه فيهم أنهم كذلك، بل إن رئيس المخابرات "هاشم بك" يكلف مساعده "على" بأن يجتهد فى التجسس على تحركات رئيس الدولة ذاته، فى حياته العامة وحياته الخاصة على السواء، ومن ثم التجسس على بقية المسئولين بصفة عامة. ولكن عودة "سهير" إلى الجامعة بغرض التجسس على طلابها ومسئوليتها، تكون سببا فى تراجعها عن الاستمرار فى التعاون مع كل من "الجعفرى" و"هاشم بك"، وإنما يصبح ذلك بمثابة نقطة البدء فى تخطيط "سهير" للانتقام من "الجعفرى" على وجه الخصوص، لذلك تتقدم "سهير" بمعلومات مضللة عن النشاط الطلابى الذى يقوده الأستاذ الجامعى الدكتور "حسام"، ويعاونه فيه ثلاثة من نشطاء الطلبة هم "وليد" و"يوسف" و"عصام". وعندما تحتدم مظاهرات الطلبة المشهورة، احتجاجاً على الهزيمة ومطالبة بالتحقيق فى أسبابها، يكتشف "هاشم بك" أن معلومات "سهير" عن زعماء هذه المظاهرات غير صحيحة، وهو الأمر الذى يتسبب فى إحراج "الجعفرى"، فيأمر مساعديه بسرعة القبض على الزعماء الحقيقيين للمظاهرات، حيث يتعقبونهم فى أماكن اختفائهم جميعاً، فيقبضون على "وليد" و"يوسف" و"عصام" كما يقبضون على الدكتور "حسام" من مسكنه فجرا، ويقتادون الجميع إلى السجن الحربى، حيث يسعى "الجعفرى" بكل وسائل الترغيب والتعذيب للحصول على اعترافات مزورة من كل منهم، بأنه شريك مدبر فى تنظيم سياسى يسعى لقلب نظام الحكم فى الدولة، وتكون التهمة السياسية جاهزة فى مثل هذه الأحوال، فالمقبوض عليه يصنف إلى أحدى فئتين، إما الإخوان المسلمين وإما الشيوعيين. ويزيد على ذلك أنه لابد أن يكون زعيم التنظيم (وهو هنا الدكتور حسام) متعاوناً مع بلد أجنبى يمول هذا التنظيم.
ويبدأ "الجعفرى" سلسلة، تكاد أن لا تنتهى، من حلقات التعذيب للمقبوض عليهم، بدءاً من إرهابهم معنويا، وذلك باطلاق عدد كبير من نزلاء السجن الحربى فى فناء السجن، حيث تنهال عليهم أسواط الحراس، وتتعقبهم الكلاب الجائعة، بل إنهم لابد أن يلاحظوا أن هناك سجيناً كسيحاً، من الواضح أنه أصبح هكذا نتيجة للتعذيب البدنى القاسى، ثم يقدم لهم "الجعفرى" نموذجاً عملياً فى التعذيب حتى الموت، فهناك نزيل ينكر صلته بالأنشطة السياسية تماماً، بل إنه يعترف بأنه قواد متخصص فى نشاط الدعارة، ومع ذلك فإنه لا يسلم من عذاب "الجعفرى"، الذى يأمر بضربه ثم إغراق رأسه فى الماء، لينتهى الأمر بموته تماماً، بينما يذعن طبيب السجن لتوجيهات "الجعفرى"، بأن المسجون مات بسبب "ضربة شمس". ولما لا يجد "الجعفرى" استجابة من الدكتور "حسام" وطلبته الثلاثة، فإنه يبدأ معهم سلسلة طويلة من شتى أنواع التعذيب، فيصل مع الدكتور "حسام"، فضلاً عن وسائل التعذيب المعتادة مثل شد الأطراف على آلة التعذيب بالشد، وغيرها، يصل إلى حد إحضار زوجته مقبوضاً عليها من أجل الاعتداء على عرضها أمام زوجها المسجون، للضغط عليه لكى يوقع اعترافاً مكذوباً بنشاط معاد للدولة والوطن. وينتهى الأمر بقيام الجعفرى باغتيال "عصام" وهو يستجوبه فى مكتبه؛ فيطلق عليه النار، وهو يدعى بأن المسجون قد حاول الهرب فأرداه قتيلاً أثناء مطاردته. وتحت وطأة التعذيب الشديد، يصل "يوسف" إلى حالة من الهذيان لا يسيطر فيها على وعيه السيطرة الكاملة، فيلفظ ببعض أسماء من يعرفهم، وهو يقرر أن هؤلاء ليسوا خونة وليسوا جواسيس، بل هم مواطنون صالحون مثل "سهير"، حيث يلفت الاسم انتباه "الجعفرى"، فيتأكد أن المقصود بها هى عمليته بالفعل، ولا يلبث أن يسلم "يوسف" الروح متأثراً بالتعذيب، ليكون ثانى الطلبة الثلاثة الذى يلقى حتفه بين يدى "صول" السجن الحربى "الصول عبد الحق"، الذى نكتشف أنه يتعاطف مع المسجونين الأبرياء ولكنه لا يستطيع أن يملك شيئاً حيال ذلك سوى هذا التعاطف، وإرسال ما يستطيع من طعام لهم مع "منصور".
ويشرع "الجعفرى" فى الإعداد لتأديب "سهير" والانتقام منها من جديد، ولكنه لا يعرف أن "سهير" قد سبقت فى الإعداد للانتقام منه، فقد ساعدت على استدراج زوجة "الجعفرى" الحسناء اللعوب، لكى تمضها ليلها في أحضان "هاشم بك"، وتحوز "سهير" فيلماً يصور تفاصيل هذه الواقعة، فتعرضه على "الجعفرى" وهى تعلنه بأن هناك عدداً غير قليل من نسخ هذا الفيلم فى أماكن أخرى أمينة، ولكن الذى لا تعلمه "سهير" وكذلك "الجعفرى" أن الفيلا المستخدمة فى التجسس على زوارها، هى أيضاً موضع مراقبة دقيقة من "هاشم بك" وأعوانه، حيث يتابع "هاشم بك" كل تفاصيل وقائع هذه المواجهة بين "الجعفرى" و"سهير"، خاصة أن مدير السجن الحربى يطالبها بالتجسس على "هاشم" لحسابه، مقابل التستر منه على تعاونها مع الطلبة المتظاهرين، ففى الواقع أن "سهير" لا تكتفى بالتستر على الطلبة المتظاهرين، بل تتعاون معهم بإخفاء حقيبة المنشورات التى يلجأ بها "وليد " إليها فى فيلتها هرباً من مطاردة رجال "الجعفرى" ورجال "هاشم بك".
بل إنه يبدو واضحاً أن عاطفة ما تنشأ بالتبادل بين "سهير" و" وليد". ويزيد على ذلك أن تتصل "سهير" بأحد أساتذة الجامعة من زملاء الدكتور "حسام"، لكى يتسلم أوراقاً هاماً يتابع بها مسيرة "حسام"، كما أنها تسعى مع أهالى الطلبة المعتقلين لتكليف أحد كبار المحامين بالدفاع عنهم بدءاً بالإبلاغ عن اعتقالهم وطلب الافراج عنهم، وإن كان هذا المحامى لا يسلم من بطش رجال "الجعفرى". وإذا كان "هاشم بك" يكتشف أن "الجعفرى" بات يحلم باللقاء الغرامي بينه وبين زوجة مدير السجن الحربى، إلا أنه من الواضح أن "هاشم بك" يعلم بالكثير مما يحيط "الجعفرى"، بما يجعله تابعاً له حتى النهاية، "فالجعفرى" يفاجأ بأن مدير المخابرات يعلم بوجوده فى فيلا "سهير"، ويأمره بالتوجه إلى السجن الحربى لمتابعة نشاطه فى تعذيب المسجونين السياسيين، وتكتشف "سهير" أنها مراقبة وأنها والفيلا تحت سيطرة عيون "هاشم" وأذانه، فتثور ثائرتها وتحطم أجهزة التسجيل والتنصت التى تضمها تلك الغرفة السرية بالفيلا، بدون أن تتوصل إلى أيها هو التابع لـ "هاشم بك" ورجاله. وعندما يتأكد "هاشم" من سلوك "سهير" وخطورة وجودها بما تعرفه من معلومات عن شبكة مراكز القوى التى يتقدمها هو، فإنه يأمر باغتيالها، وهو ما يقوم به تابعه "على" ورجاله، حيث يطاردونها إلى أن ينفردوا بها فيطلقون عليها النار. وتحت تأثير نوع من الهياج العصبى يصيب "الجعفرى"،.
بعد هذه الأحداث المتلاحقة، فإنه يجمع باقى المسجونين، وهو يقدم للدكتور "حسام" اعترافاً مكتوباً لكى يوقع عليه، ولكن "حسام" يرفضه وهو يمزق هذه الأوراق، فتثور ثائرة "الجعفرى" على نزلاء السجن الذين يجمعهم فى ساحته، فيثور عليه المسجونون ويحاولون الاعتداء عليهم، فيطلق نيران مسدسه فيصيب "وليد" ويحاول أن يقتل "حسام" فيتلقي عنه الرصاصة "الصول عبد الحق"، الذى يموت بين ذراعى "حسام"، الذى يفزع من مظهر الدماء على يده وه يتجه إلى الجمهور (الكاميرا) محذراً بأن هذه الدماء هى مسئولية الجميع (الدم ده فى رقبتكم كلكم)، لكى ينتهى الفيلم بتحذير أخر يسطره مخرج الفيلم على شاشته من أن يتكرر ذلك الذى يحدث مرة أخرى.
3- القضايا التى يثيرها الفيلم من وجهة نظر حقوق الإنسان (السجون والنزلاء)
إزاء فيلم سينمائى مصرى يتخذ من تعذيب المسجونين مادة أساسية لتكوين أحداثه ووقائعه، لا مناص لنامن أن نكرر الاشارة إلى موقف القوانين والمعاهدات والمواثيق الدولية فى هذا الشأن، وهو ما سبق أن أشرنا إليه تفصيلاً فى "الورقة البحثية الخامسة" عن السينما المصرية وحقوق الانسان، فذكرنا أنه استناداً إلى نصوص الإعلان العالمى لحقوق الإنسان فى ديسمبر 1948، ينص العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية فى مادته العاشرة (فقرة أولى) على أن: "يعامل جميع المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية تحترم الكرامة الأصيلة فى الشخص الانسانى"، وهو الأمر الذى يعيد التأكيد عليه الدستور المصرى فى مادته الثانية والأربعين التى تقرر أن: "كل مواطن يقبض عليه أو يحبس أو تقيد حريته بأى قيد، يجب معاملته بما يحفظ عليه كرامة الانسان، ولا يجوز إيذاؤه بدنياً أو معنوياً"، كما تعرف "التفاقية مناهضة التعذيب" مفهوم التعذيب ذاته بأنه: "أى عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسدياً كان أم عقلياً، يلحق عمداً بشخص ما؛ بقصد الحصول من هذا الشخص أو من شخص ثالث على معلومات أو على اعتراف أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه فى أنه ارتكبه هو أو شخص ثالث" .
والحقيقة أن فيلم "وراء الشمس" يحقق عدداً من الملاحظات التى يجب أن توضع فى الاعتبار عند تناوله من وجهة نظر القضايا التى يثيرها من ناحية "حقوق الإنسان"، ومن خلال ندواتنا السينمائية التى تدور حول هذا الشأن:
أولا: أنه يتماس مع قضايا حقوق المسجونين والمقبوض عليهم بصفة عامة، إلا أننا لابد أن نلاحظ أن فيلم "وراء الشمس" يقترب كثيراً، فى روحه، من روح فيلم "الكرنك"، بما يحمله من مضمون الفيلم السياسى أولاً، وبما يقدمه من ضروب مختلفة من صور الإخلال بحقوق الإنسان وانتهاكها. فكل من الفيلمين ينتميان إلى السينما السياسية (ويقترب منهما فى ذلك فيلم "حلاوة الروح" وإن كان يستقل بقضيته ذات البعد الإنسانى النفسى الصرف) والسينما السياسية فى معناها المباشر هى التى تعنى أن الفيلم السينمائى يتناول قضية سياسية تناولاً مباشراً مثل قضايا الحريات السياسية والحكم وتصرفات الحكام السياسية وغيرها. ونحن نجد أن فيلمى "الكرنك" و"وراء الشمس"، ينطلقان من فكرتى "حرية التعبير" و"حرية الانتماء السياسى"، وما يترتب عليهما من الحق فى حرية إبداء الرأى بالطرق الشرعية والقنوات القانونية، وهكذا. إن فيلمى "الكرنك" و"وراء الشمس" يستندان إلى نفس الخلفية الفكرية، وهى هنا "خلفية سياسية" ويزيد على ذلك أن كلاً من الفيلمين يبداَن من هم واحد وهو "هم الوطن"، وإن كان فيلم "الكرنك" يبدأ اهتمامه بهذا الهم من قبل وقوع الهزيمة 1967 ، بينما يبدأ فيلم "وراء الشمس" هذا الاهتمام من بعد وقوعها، لذلك فإن المتاح لفيلم "الكرنك" أن يتابع أسبابها فى تصرفات أجهزة الحكم (ذات الطابع الأمنى على الأخص) بينما يشير فيلم "وراء الشمس" إلى استمرار هذه الأسباب لفترة ما بعد وقوع الهزيمة، وأنه لا صلاح ولا إصلاح حقيقى إلا بالقضاء على هذه الأسباب.
ثانيا: استناداً لما سبق نستطيع أن نلاحظ أن هناك عدداً من الآحداث والمواقف التى تقابلنا معها فى فيلم "الكرنك" (وبعض الأفلام الأخرى فى ذات الاتجاه) يمكن أن نتقابل معها فى فيلم "وراء الشمس"، سواء فى عمومياتها أو حتى فى بعض تفاصيلها. فمثلاً نحن نتقابل فى فيلم "الكرنك" مع مسألة "الاختفاء القسرى"، عندما يتم القبض على طلبة الجامعة واقتيادهم إلى جهة أمنية غير معلومة، وكما يختفى كل من الطلبة "حلمى حمادة" و"إسماعيل" و"زينب" فى فيلم "الكرنك"، بعد القبض عليهم، فإن كلاً من الطلبة "وليد" و"عصام" و"يوسف" وكذلك استاذهم "الدكتور حسام"، يختفون اختفاء غير طوعياً، بالقبض عليهم واقتيادهم إلى السجن الحربى. بل يزيد على ذلك فإنه كما يقدم فيلم "الكرنك" أسرة "زينب" وهى تجد فى البحث عنها فى عدد من أقسام الشرطة ومديرية الأمن، فإن فيلم "وراء الشمس" يقدم زوجة الطالب الجامعى الشاب "يوسف" وهى تجد فى البحث عنه فى السجون المدنية المعروفة، وهى تجهل أنه محتجز هناك فى السجن الحربى، وهكذا.
ويتفق فيلم "وراء الشمس" مع سابقه فيلم "الكرنك" فى استعراض بعض أنواع التعذيب البدنى والمعنوى التى من الممكن أن يتعرض لها المعتقلون السياسيون المحتجزون لدى الأجهزة الأمنية (أياً كانت مسمياتها: مخابرات عامة، مباحث عامة، سجن حربى، معتقل، … إلخ) مثل الجلد بالسياط، والتعليق من الأقدام مع الجلد، وإطلاق الكلاب المدربة لنهش أجسام المسجونين، ومنع الطعام أو الشراب (نفهم من تصرفات الصول عبد الحق أن الطلبة المعتقلين يعانون من نقص الطعام)، بل إن فكرة اغتصاب الاناث تتردد فى الفيلمين (مع اختلاف الهدف وتفاصيل التنفيذ كما سنذكر بعد)، بالاضافة إلى فكرة الإكراه المعنوى عن طريق الضغط على المعتقل ذهنياً وعقلياً بالقلق على عرضه متمثلاً فى زوجته (أو خطيبته).
وفى فيلم "الكرنك" يوحي مدير المخابرات "خالد صفوان" للمعتقل الشاب "إسماعيل" بأن خطيبته "زينب" معرضة للاغتصاب؛ ما لم يوقع على الاعترافات المطلوبة منه، فيستجيب الشاب لهذا التهديد ، بينما كانت "زينب" قد تعرضت للاغتصاب بالفعل. وفى فيلم "وراء الشمس" يقوم "الجعفرى" بالضغط النفسى على الطالب "يوسف" بالإيحاء إليه أن زوجته الشابة قد اغتنمت فرصة القبض عليه وسارعت بالهرب صحبة رجل أخر، لكى تؤثر فكرة الخيانة الزوجية فى فكر الشاب وتهيئ لانكساره أو انهياره. كما أن "الجعفرى" يأمر رجاله باحضار زوجة "الدكتور حسام" للاعتداء عليها أمام عينيه لكى ينهار ويرضخ لطلبات "الجعفرى". وفى كل من الفيلمين نلاحظ أن هناك نوعا من تجنيد المواطن لكى يكون مرشداً يقوم بالتجسس على الآخرين لحساب جهاز أمنى، وذلك تحت التهديد أو الاكراه، ففى فيلم "الكرنك" ترضخ "زينب" للاكراه وتتعاون مع "خالد صفوان" خوفاً من "تكرار تعرضها" للاغتصاب بواسطة رجاله، ويقبل خطيبها "إسماعيل" هذا التعاون ويشاركها إياه خوفاً من "تعرضها" للاغتصاب، فهو يجهل أنها قد اغتصبت بالفعل، وفى فيلم "وراء الشمس" يوقم "الجعفرى" باغتصاب "سهير" بنفسه ويهددها بشريط الفيلم الذى يصور واقعة الاغتصاب كاملة، فتقبل أن تصبح من معاونيه ومعاونى "هاشم بك"، كما أنها تقبل أن تظل عشيقة له حتى تسنح لها فرصة الخلاص والانتقام معاً.
ثالثا: ومع ذلك، فإن فيلم "وراء الشمس" يتجاوز فيلم "الكرنك" (إلى حد ما) فى عرض مظاهر الارهاب والتعذيب التى تقوم بها أجهزة الأمن القمعية ضد المواطنين بصفة عامة، وفى مواجهة الناشطين السياسيين على نحو خاص، فمما يبدو أن أخف مظاهر القمع والارهاب هى قطع العلاقة وفصم الصلة بين المعتقل وذويه، فهناك ذلك السجين الكسيح (على الشريف) لا يستطيع أن يتصل بذويه (زوجته وأطفاله) إلا عن طريق تهريب الرسائل المتبادلة، كما أن كلاً من الأخوين الشقيقين "منصور" و"سهير" لا يعلمان شيئاً عن بعضهما البعض، "فالجعفرى" يقنع "سهير" بأن أخاها قد هرب إلى الخارج بعد مصرع أبيه، وأنه –بحكم سلطاته واتصالاته- ينقل الرسائل بينهما، فى الوقت الذى يمنع فيه رسائل الشقيقة عن شقيقها، ويملى على الشقيق رسائل تحتوى على معلومات مغلوطة توحى لها بأنه يتنقل بين بعض الدول الأوروبية، كما أن "الجعفرى" يخبر الشقيق بأن أخته قد تركت البلاد إلى الخارج وأنه يجد فى سبيل معرفة مكانها.
وإذا كان فيلم "الكرنك" يقدم قتيلاً واحداً يلقى مصرعه داخل المعتقل، وهو "حلمى حمادة"، الذى يسقط صريعاً تحت تأثير ضرب الهراوات المبرح، فإن فيلم "وراء الشمس" يزخر بعدد غير قليل من القتلى، سواء خارج المعتقل (السجن الحربى) أو داخله، فافتتاحية الفيلم تتضمن نوعاً من الاغتيال السياسى يقوم به مدير السجن الحربى، فيقتل أحد القادة العسكريين المطالبين بالتحقيق فى أسباب الهزيمة العسكرية، كما يقوم "على" تابع "هاشم بك" وعدد من رجاله باغتيال "سهير" فى صحراء الهرم، قرب نهاية الفيلم، ونحن نستطيع أن نعده نوعاً من الاغتيال السياسى أيضاً. وداخل المعتقل يلقى أكثر من مسجون مصرعه نتيجة التعذيب ذاته، أو أثناء الاستجوابات الجائرة بمعرفة "الجعفرى"، فهناك معتقل يلقى مصرعه وهو يتظلم من اعتقاله منكراً صلته بالسياسة، معترفاً بممارسة القوادة واحتراف الدعارة.
ويلقى "يوسف" مصرعه تحت وطأة التعذيب، فيسلم الروح بين يدى كل من "الصول عبد الحق" و"منصور". أما "عصام" فإن محاولة انتزاع اعتراف مكذوب منه فى فترة الراحة التى يقتنصها من برنامج التعذيب، تنتهى إلى ثورة عارمة تدفع "بالجعفرى" أن يطلق الرصاص على الشاب الجامعى المعتقل فيرديه قتيلاً، وهو الأمر الذى يحاول "الجعفرى" تكراره أثناء ثورة المسجونين عليه فى ساحة المعتقل الرئيسية، وهو يوجه مسدسه مصوباً إياه نحو الدكتور "حسام" بغرض قتله، فيسارع "الصول عبد الحق" لحماية "حسام"، لكى تنال منه رصاصات "الجعفرى" وترديه قتيلاً، بعد أن يكون قد قتل كلاً من "وليد" ومسجون آخر فى نفس الساحة. وإذا كان فيلم "الكرنك" يكتفى بعرض أساليب التعذيب بكل أنواعها المتاحة، ويعرض نتائجها المعنوية من خلال شخصية واحدة هى شخصية "إسماعيل" الذى يتخرج طبيباً، ويصبح شخصاً سلبياً غير منتم لمجتمعه بصفة عامة، ذلك أن "زينب" خطيبته وإن كانت تستجيب لتجنيدها مرشدة ضد زملائها بعد الافراج عنها، إلا أنها تتخلص من ذلك كله بمجرد الاعلان عن زوال دولة مراكز القوى، ففى المقابل فإن فيلم "وراء الشمس" يقدم بعضاً من آثار التعذيب المتخلفة على الأحياء، متمثلة فى تحول الشاب "منصور" إلى مسخ إنسانى، وفى وجود سجين كسيح لا يتمكن من الحركة إلا مقعداً، وقبل أن يلفظ "يوسف" أنفاسه الأخيرة يصيبه نوع من الهذيان، فنعرف أخيراً أن ما ينطق به من معلومات هو أحد علامات سكرات الموت التى يعانى منها تحت وطأة التعذيب الجسدى الذى يعانى منه هو وزملاؤه. ولكن الذى يلفت انتباهنا هو أن "عصام" عندما يحاول أن يقتنص جرعة من الراحة من التعذيب، فيوهم "الجعفرى" بأنه مستعد للاعتراف، ينتهى أمره بمصرعه برصاص "الجعفرى"، بينما يجد "يوسف" بعضاً من الراحة فى توقف التعذيب، عندما يلاحظ "الجعفرى" أنه يمكن أن يدلى ببعض المعلومات المفيدة، إلا أن التعذيب يتوقف فى مرحلة متأخرة جداً، بعد أن ينال من الفتى إلى حد الهذيان وهو يعانى سكرات الموت.
يزيد على ما سبق أن فيلم "وراء الشمس" لا يكتفى بمظاهر الارهاب المعنوى المعتادة التى تصاحب "زوار الفجر" عادة وهم يسعون للقبض على المواطنين، وإنما يقدم أيضاً ضحايا آخرين، ممن لا ناقة لهم ولا جمل فى هذه الأحداث، فعند مداهمة مخيمات المهاجرين ليلاً، للقبض على الطلبة المتظاهرين (يوسف بالذات) يتعرض "البمبوطى" الصغير (عبد السلام محمد) للاعتداء من رجال الأمن أثناء تمشيطهم للمنطقة، إلى حد أنه يفقد أحد عينيه فى هذا الاعتداء.
ويزيد فيلم "وراء الشمس" عن فيلم "الكرنك" فى بعض مظاهر أو اساليب التعذيب البدنى، مثل استخدام آلة الشد، التى تؤثر على أوصال الشخص بشد أطرافه الأربعة، ومثل خلع الأظافر من الأصابع، والتغطيس فى الماء، بما يعرض الشخص للاختناق، بل للموت غرقاً، وهكذا، كما يشير "الجعفرى" فى حوار له مع "سهير" إلى وسائل تعذيب أخرى يمارسها مع المعتقلين (نفخ- خوازيق- كهرباء).
رابعاً: بينما لا يتعرض فيلم "الكرنك" إلى فكرة الفساد الاخلاقى المصاحب للفساد السياسى أو بالأحرى "فساد الأمن السياسى"، فإن فيلم "وارء الشمس" يشير إلى هذه المسألة بوضوح، "فالجعفرى" يعتدى على "سهير" ويسمح بتصوير هذا الاعتداء لكى يكون وسيلة تهديد وإذلال لها، و"هاشم بك" يقيم علاقة جنسية مع زوجة "الجعفرى"، وفى كل الحالات يتضح أن الجميع يتجسسون على الحياة الخاصة للجميع بالصوت والصورة أو بأحدهما على الأقل. وكذلك يتعرض فيلم "وراء الشمس" إلى منطقة أخرى من فساد المسئولين وهى "فساد الذمة"، وهى منطقة لا يتعرض لها فيلم "الكرنك"، "فالجعفرى" يقوم بالاستيلاء على المال العام ويهربه للخارج فى شكل أرصدة فى بنوك أجنبية، وشراء عقارات فاخرة فى البلاد الأوروبية، وهناك إشارة واضحة ومباشرة إلى استغلال كبار المسئولين للمال العام المخصص للمصاريف السرية فى الأجهزة الأمنية، وهى تظهر أيضاً فى حوار "الجعفرى" مع زوجته، وفى نفس الحوار يشير الجعفرى" إلى فساد ذمم بعض الوزراء، فهو يشير إلى وزير سابق بأنه "حرامى كبير".
ونستطيع أن نضيف إلى صور الفساد المتعددة السابقة ما يمكن أن نسميه "بالفساد الأمنى"، فعلى حساب الأمن الحقيقى للوطن يتلاعب المسئولون الكبار عن هذا الأمن فى الحقائق المتعلقة به، فهناك عبارة دالة فى الحوار، تأتى على لسان "إبراهيم"، كبير مساعدى "الجعفرى"، توضح ذلك النوع من التلاعب، وهو يقرر أمام "الجعفرى" أن: هاشم بك ورجالته ساعات بيضيفوا معلومات أو يحذفوا معلومات (من ملفات التحقيق والتحريات عن المعتقلين) علشان يساعدونا"، أى أن هناك نوعاً مما يمكن أن نطلق عليه "التكامل القمعى أو القهرى" بين أجهزة الأمن أو سلطاته، فجانب من رجال هذه الأجهزة يتلاعبون فى الملفات الخاصة بالمعلومات عن المعتقلين السياسيين، بالاضافة أو الحذف؛ عملاً على أحكام الحصار حول المعتقل السياسى بدون أى سبب حقيقى، ولمجرد الانتقام منه لكونه صاحب رأى يختلف مع نظام الحكم القائم أو يناوئه.ويتأكد ذلك بصورة أخرى مباشرة، وهى إجبار المعتقل السياسى على التوقيع على اعترافات مجهزة تنسب إليه على غير الحقيقة، ونحن لا ننسي أن " خالد صفوان" في فيلم " الكرنك "، يشرف بنفسه على تزوير التسجيلات الصوتية عن طريق المونتاج لكي توحي لمن يسمعها بأن المعتقل يعترف على نفسه، وهو أمر مخالف للحقيقة.
وربما يتصل بما سبق أيضاً فكرة "الاتهامات سابقة التجهيز"، التى تأخذ المواطن بالشبهات، ففيلم "وراء الشمس" يشير بصورة غير مباشرة إلى أن تصنيف الطلبة الجامعيين المعتقلين يستند إلى الشبهات القائمة على استنتاجات غير مؤكدة، فالطالب "وليد"، الذى لا يبدى أى فكر ينتمى إلى "جماعة الاخوان المسلمين، توجه له التهمة بانتمائه إلى هذه الجماعة؛ لمجرد أن خاله (شقيق أمه) واحد من هذه الجماعة، وسبق أن تم اعتقاله لهذا السبب عام 1954، ويتم استبعاد الطالب "يوسف حنا" من هذا الاتهام لأنه "غير مسلم"، ومن ثم لا يبقى إلا أن يتم تصنيفه ضمن "الشيوعيين"، لأنه يستحيل –منطقياً- أن يكون منتمياً إلى تنظيم سياسى دينى إسلامى. بل إننا لابد أن نتذكر أن فكرة "التصنيف العشوائى" أو "التصنيف بالشبهات"، غالباً ما يمكن أن تكون هى المبرر الوحيد الذى يبرر وجود "القواد" فى المعتقل السياسى، وهو يعترف بممارسته نشاطاً جنائياً فى مجال الأعمال المنافية للآداب، وفي ذلك المجال نستطيع أن تذكر أنه يتم القبض على "إسماعيل" في فيلم "الكرنك" أول مرة باعتباره من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، ثم يقبض عليه ثانية باعتباره شيوعيا.
4- القضايا الفنية
يثير فيلم "وراء الشمس" عدداً غير قليل من القضايا الفنية الهامة سواء من حيث تصميم المناظر، أو اختيارات الملابس، أو الأداء التمثيلي (بما في ذلك انتخاب طاقم التمثيل) أو الإضاءة السينمائية المعبرة، أو الجمل الموسيقية الدالة المصاحبة للأحداث، وغير ذلك من عناصر فن الفيلم السينمائي، يؤطرها جميعاً فن المخرج السينمائى، خاصة ونحن نتابع تمكن المخرج من تصميم حركة هذا الحشد الهائل من الممثلين، خاصة عندما يتجمع العدد الأكبر منهم فى إطار الصورة السينمائية الواحدة، ولعل ذلك هو المبرر المناسب لعدم إحساس المشاهد (المتفرج) بأى نوع من الملل، عند متابعته لفيلم يتعدى الساعتين مركزاً على قضية واحدة تتلخص فى فكرة "قهر الوطن والمواطن".