أولاً: بيانات توثيقية
الإنتاج: ممدوح الليثى الإخراج: على بدر خان
القصة: نجيب محفوظ
السيناريو والحوار: ممدوح الليثى
التصوير: محسن نصر
المونتاج: سعيد الشيخ
الموسيقى: جمال سلامة
المناظر: ماهر عبد النور
إخراج المعارك: محمد راضى
التمثيل: سعاد حسنى (زينب دياب)- نور الشريف (إسماعيل الشيخ)- محمد صبحى (حلمى حمادة)- كمال الشناوى (خالد صفوان)- فريد شوقى (دياب)- شويكار (قرنفلة)- عماد حمدى (طه الغريب)- تحية كاريوكا (أم زينب)- فايز حلاوة (زين العابدين) على الشريف (حسب الله الفرارجى)- محمد توفيق (والد حلمى).
ثانياً: ملخص قصة الفيلم
"الكرنك" هو إسم المقهى الذى تمتلكه وتديره الراقصة المعتزلة، "قرنفلة"، ويتردد عليه نماذج بشرية متعددة ومتنوعة في نفس الوقت، سواء من حيث الجنس أو السن أو المستوى الاجتماعي أو المستوى العلمي أو الثقافي، فهناك مكان خاص بالكاتب المعروف "طه الغريب"، حيث يجالسه عدد من الأصدقاء والمريدين، وكثيراً ما يتطرق الحديث إلى السياسة، وعادة ما يتدخل جيل الشباب في أحاديث الكبار. ومن هؤلاء الشباب يبرز "إسماعيل" و"زينب" الطالبان في السنة النهائية بكلية الطب، والمتحابان، وهناك صديقهما "حلمى"، الذى يحيا حياة كاملة مع "قرنفلة"، التى تعشقه من خلال مشاعر خاصة تمزج بين رغبات الأنثى وعواطف الأمومة معاً، خاصة بسبب فارق السن الواضح بينهما، ولكن حلمى ينتمى إلى أسرة تضمه وأباه الأرمل المدرس. ويتعرض هؤلاء الطلبة للقبض عليهم من مجهولين، بعد أن يعبروا عن رأيهم في اللافتات القماشية التى تكتب وتعلق تأييداً للنظام الحاكم، ويتم اقتيادهم إلى مكان يجهلونه حيث يتعرضون لتهمة الانتماء إلى تنظيم حزب جماعة الإخوان المسلمين، ولما ينكرون التهمة يتعرضون للتعذيب الجسماني بناء على تعليمات "خالد صفوان" رئيس هذا الجهاز الأمني، ذي النزعة السادية المفرطة، بينما يحار أهل هؤلاء الطلبة في البحث عنهم في كل مكان بدءاً من قسم الشرطة ومروراً بمديرية الأمن وحتى جهاز المباحث العامة. إلا أن خالد صفوان يفرج عن الطلبة معتذراً بوجود سوء فهم وأن أمن البلاد القومي يقتضى هذا النوع من الحذر. ولكن يتكرر القبض على الطلبة الثلاثة ضمن آخرين، ولكن لكي يواجهوا هذه المرة تهمة الانتماء لتنظيمات شيوعية داخل مصر، وتبدأ سلسلة أخرى من التعذيب تصل إلى حد اغتصاب زينب بواسطة أحد أتباع "خالد صفوان"، وينال هذا الانتهاك من "زينب"، كما ينال التهديد باغتصاب "زينب" من إسماعيل، الذي يجهل حقيقة أنها قد اغتصبت بالفعل، فيدلى باعترافات كاذبة يرضى بها "خالد صفوان"، ولا يفرج عنهما إلا بعد تجنيدهما كمرشدين لحسابه. ومرة ثالثة يتعرض "إسماعيل" و"حلمي" للقبض عليهما، بحجة تحريض عمال المحلة الكبرى على الإضراب والتظاهر، ويشتد التعذيب وطأة عليهما، لينتهى الأمر بمصرع "حلمي" وانهيار "إسماعيل" انهياراً تاماً، وانحراف "زينب" قبل أن تتماسك من جديد، وإن كانت الظروف السياسية تتغير بحيث يحاكم "خالد صفوان" عن جرائمه، ويحاول إسماعيل أن يستعيد وعيه من جديد، خاصة بعد قيام حرب السادس من أكتوبر 1973.
3- القضايا الرئيسية التى يثيرها الفيلم من وجهة نظر حقوق الإنسان
يحتفى فيلم "الكرنك" بقضيتين رئيسيتين تسيطران سيطرة واضحة على فكر "صناعة" وهما قضيتا "الاختفاء القسري" و"التعذيب"، وإن كان الفيلم يشير إلى مسألتين أخريين تتصلان بفكرة حقوق الإنسان وهما "التجنيد للعمل لحساب الأجهزة الأمنية تحت الإكراه" و"انتهاك حرمة الحقوق الشخصية بالتنصت على المكالمات التليفونية"، وذلك من خلال اهتمام بالتفاصيل يتفاوت تفاوتاً تاماً بين هاتين المسألتين الأخيرتين.
أولاً: قضية الاختفاء القسري (الاختفاء غير الطوعى)
ويعرف الاختفاء القسري بأنه "احتجاز شخص محدد الهوية رغماً عنه"، وذلك من جانب موظفى أى فرع من أفرع الحكومة أو مستوياتها، أو من جانب مجموعات منظمة أو أفراد عاديين، بزعم أنهم يعملون باسم الحكومة أو بدعم منها أو بإذنها وبموافقتها، فتقوم هذه القوى بإخفاء مكان ذلك الشخص أو ترفض الكشف عن مصيره أو الاعتراف باحتجازه. وطبقاً للمعايير الدولية فعملية الاختفاء القسري للأشخاص تعد انتهاكاً صارخاً لمجموعة متكاملة من حقوق الإنسان (الحق في الحياة- الحرية والأمان الشخصي- الحق في سلامة الجسد من التعرض للتعذيب)" (1).
وتكفل كل من التشريعات القانونية الوطنية في مصر، والمواثيق الدولية المعلنة حماية حق الإنسان من التعرض لظاهرة الاختفاء القسري، فيتضمن الدستور المصري عدداً من المواد التى تقرر حماية الأشخاص من التعرض لذلك، وهو ما يمكن الوقوف عليه من الاطلاع على نصوص المواد الدستورية أرقام 41، 42، 57، 71، ونص المادة 280 من قانون العقوبات المصري(2)، كما تنص المادة الأولى من الإعلان المتعلق بحماية الأشخاص من الاختفاء القسري: "يعتبر كل عمل من الأعمال الخاصة بالاختفاء القسري جريمة ضد الإنسانية، ويدان بوصفه إنكاراً لمقاصد ميثاق الأمم المتحدة وانتهاكاً خطيراً وصارخاً لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التى وردت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أعادت تأكيدها وطورتها الصكوك الدولية الصادرة في هذا الشأن"(3).
إن أوال القضايا الرئيسية التى يثيرها فيلم "الكرنك" هي مسألة "الاختفاء القسري للمواطن". ولعلنا نتذكر أن ظاهرة الاختفاء القسري في مصر قد اشتهرت في عقد الستينيات من القرن العشرين باسم "زوار الفجر"، أي هؤلاء الذين ينتمون إلى الأجهزة الأمنية التابعة لسلطة الدولة ويقومون بإلقاء القبض على المواطن (أو المواطنين) في أي مكان يتواجد فيه (مسكن- عمل- طريق- نادى رياضي- دار علم... الخ) واقتياده إلى مكان مجهول للشخص نفسه (غالباً) ولذويه (عادة)، ولعل هناك من لا يزال يتذكر تلك العبارة المشهورة التى تصف مكان تواجد المواطن الذي يختفى عن ذويه قسراً بأنه "وراء الشمس". (وهناك فيلم مصري بهذا الإسم ذاته: "وراء الشمس"، كما أن هناك فيلماً أخر سابقاً له باسم "زائر الفجر"). في فيلم "الكرنك" هناك من يراقب الأنشطة الطلابية داخل أسوار الجامعة، على الرغم من أن هؤلاء الطلبة ينتمون إلى أجهزة تابعة للنظام السياسي الحاكم في الدولة ويمارسون أنشطتهم ذات الطابع السياسي من خلالها. وفى تقدير هذا المراقب المجهول أن بعض العبارات التى بتبادلها عدد من هؤلاء الطلبة في نقاشهم، تعد نوعاً من النشاط العدائي لنظام الحكم يجب حمايته منها، وهو ما يترتب عليه أن تفاجأ أسرة طالبة كلية الطب "زينب دياب" بأن هناك عدداً من الرجال المجهولين يقتحمون مسكنهم المتواضع ويفتشونه ثم يقتادون الفتاة صحبتهم في إحدى السيارات المجهولة، في نفس الوقت الذي يواجه فيه "إسماعيل" وأهل بيته نفس الموقف، حتى يتم اقتياده في سيارة أخرى، وفى النهاية يتضح أن هناك عدداً من الطلبة قد تم اقتيادهم بنفس الطريقة ولنفس المكان، وهو ما نعرفه كجهاز أمن على مستوى عال جداً، لا يحدد الفيلم ما هو، ولكن كل مشاهدي الفيلم يستقبلونه على أنه جهاز "المخابرات العامة المصرية"، وهو الأمر الذى يزداد تأكيداً بموقف الرئيس السابق لهذا الجهاز (صلاح نصر) حيث قام برفع دعوى قضائية يطلب فيها وقف عرض الفيلم لأنه –كما يدعى- يعرض بشخصه(4). ولذا كانت ظاهرة الاختفاء القسري "تشكل" نوعاً من العذاب لضحاياه الذين يظلون على جهل بمصيرهم، والذين يخافون باستمرار على حياتهم ويعلمون أن فرص حضور من يمد لهم يد المساعدة ضئيلة، فهم بعد إقصائهم عن دائرة حماية القانون واختفائهم من المجتمع محرومون بالفعل من جميع الحقوق، وقد يعانون لمدة طويلة من الآثار النفسية المترتب على هذا الشكل من أشكال تجريد الناس من صفاتهم الإنسانية، وكذلك أفراد الأسرة التى تتأرجح أحاسيسهم بين الأمل واليأس، والذين قد ينتظرون لسنوات طويلة حيث يعانون من التعذيب الذهنى البطئ، وهو التعذيب الذى يرجع إلى عدم علمهم بما إذا كان المفقود على قيد الحياة أم لا".(5) لذلك نحن نتابع في الفيلم "دياب" والد "زينب" وزوجته ومعهما "أم إسماعيل" يتلطمون في عدة أماكن تتصل بالأمن في صورتيه الجنائية والسياسية بحثاً عن الشابين، فيترددون على قسم الشرطة ثم مديرية الأمن وفى النهاية يصلون إلى جهاز المباحث العامة، ولا يصلون إلى أية نتيجة تشير إلى مصير الشابين، حيث تبدأ أسرتاهما في الإحساس بنوع من المعاناة لا حد له، خاصة أن القبض على الفتاة ليلاً واختفاءها يصاحبه أمواج من التكهنات والتفسيرات التى من الممكن أن تسئ إلى سمعتها، وهو الأمر الذى يستغله بسوء نية أحد سكان الحى الذى يطمع في الزواج من الفتاة الحسناء (راجع موقف "حسب الله" بائع الدجاج في الفيلم).
وتتكرر مسألة "الاختفاء القسري" في الفيلم في مناطق أخرى منه، فكما يتم القبض على "زينب وإسماعيل" بتهمة الاشتراك في تنظيم للإخوان المسلمين، يعاد القبض عليهما بتهمة الاشتراك في تنظيم شيوعى، ولاحقاً نشاهد القبض على "حلمى حمادة" واقتياده من مسكن أبيه، ونعلم بإعادة القبض على "إسماعيل" في نفس ليلة القبض على "حلمى"، بل إن الفيلم يقدم لنا معاناة من نوع خاص بسبب "الاختفاء القسري"، ذلك أن "قرنفلة" التى تعشق "حلمى" تعانى بسبب اختفائه المفاجئ وتحاول أن تعرف له طريقاً ولكن بلا جدوى، حتى تنهار بسبب مصرعه في النهاية، وهناك حالة أخرى للاختفاء القسري يتعرض لها عضو مجلس الشعب الذى يحتج لدى خالد صفوان على القبض على حلمى للمرة الثانية.
ثانياً: التعذيب (والتعذيب حتى الموت)
في الحقيقة أنه على الرغم مما قيل عن أن فيلم "الكرنك" يشتهر بمشاهد التعذيب العنيف، التى يحتوى عليها، إلا أننا نستطيع أن نكتشف أن هناك أقلاماً مصرية (لاحقة) أمعنت في إظهار التعذيب على الشاشة السينمائية من جهة، ومن جهة أخرى فإن فيلم "الكرنك" يقدم التعذيب من خلال قدر ملحوظ من الاستحياء، في الوقت الذى كان يعلم فيه معظم المصريين ببشاعة التعذيب الذى كان يقع على المسجونين السياسيين في عصر ما عرف باسم "مراكز القوى" ومن خلال ما عرف باسم "انحراف جهاز المخابرات العامة المصرية".
وإذا كان الفيلم يقدم الغرض من قيام خالد صفوان بدفع زبانيته إلى تعذيب مسجونيه (واشتراكه هو أحياناً في ذلك) وهو الحصول إما على معلومات من المسجون المعذب، أو على اعتراف منه بارتكاب فعل (أو إصدار قول) فيه ضرر بنظام الحكم القائم يمسه من قريب أو بعيد، فإن الفيلم يوضح تماماً أن الشخصيات الرئيسية فيه، من المسجونين المعرضين للتعذيب، عادة يجهلون التهمة المنسوبة إليهم، وبالتالى فهم لا يعلمون شيئاً من الممكن أن يفضوا به (الحصول على معلومات) ولم يقوموا بفعل شئ أو قوله، مما يعد تهمة قابلة للاعتراف بها (الحصول على اعتراف) وإن كنا سنلاحظ أنه تحت ضغط من الإكراه المعنوى يقوم "إسماعيل" بتسجيل اعترافات يمليها عليه "خالد صفوان" بنفسه ويوقع عليها، وهو يعتقد أنه بذلك يحمى "زينب" من التعرض للاغتصاب.
ومن جهة أخرى يقدم الفيلم عدداً غير قليل من وسائل التعذيب التى يواجهها المسجونون السياسيون على يد خالد صفوان وزبانيته، يعد الضرب هو أقلها، وهو هنا يعد أبسط مظاهر ما يمكن أن نسميه بـ "العنف الميكانيكى" الذى يقع على أجساد المسجونين. ويتنوع هذا الضرب إلى عدة صور، ما بين الصفع سواء على الوجه أو على القفا، واللكم والركل بالأقدام في كل مواضع أجساد المسجونين
(أو المعتقلين بالمعنى الأقرب للوصف القانوني). وبالإضافة إلى ذلك هناك نوع من الضرب الأكثر قسوة وعنفاً، وهو الضرب باستخدام العصى والهروات، والفيلم يقدم لنا مصرع "حلمى" أثناء تعرضه لهذا النوع من الضرب بالعصى والهراوات، خلال مشاجرة تقع بين المسجونين وجلاديهم.
والفصيلة الثالثة من فصائل التعذيب تتمثل في الجلد بالسياط، سواء كان الجلد يقع على جسم المسجون وهو معلق ومقيد الحركة (مصلوباً أو معلقاً إلى قائم أو على حائط) أو على جسمه وهو في غير هذه الحالات ولكنه لا يملك فرصة المقاومة. يضاف إلى ذلك التعذيب عن طريق إطلاق الكلاب المدربة على نهش الأجساد الآدمية، وتحريضها على نهش أجسام المسجونين بعد دهن أجسامهم بمواد ذات رائحة تثير شهية هذه الحيوانات لأجساد هؤلاء المسجونين. وفى مشهد واحد يقدم الفيلم الشاب "حلمى" مربوطاً إلى طاولة التعذيب لكى يتم صعقه بالكهرباء من حين لآخر، بالإضافة إلى أن "خالد صفوان" يقوم بإطفاء سيجارته في جسد الشاب المعذب، إمعاناً في تعذيبه. وإذا كانت "زينب" تتعرض لفكرة العنف الميكانيكى بنوع من التدرج (يبدأ بالصفع وينتهى بالركل) فإن أبشع ما تتعرض له من عنف هو انتهاك جسدها كأنثى حتى المواقعة الجنسية في شكل الاغتصاب الكامل. وإذا كانت بشاعة هذا النوع من التعذيب تظهر بصورة مباشرة من خلال مشهد الاغتصاب ذاته، فإنها تظهر بنفس القوة ولكن بصورة غير مباشرة في موقف "إسماعيل" الذى يقبل الاعتراف على نفسه كذباً بما لم يرتكبه من أفعال أو ينطق به من أقوال، من أجل أن يحمى "زينب" من الاغتصاب، وفيما تعانيه "زينب" في حياتها الشخصية بعد الافراج عنها، سواء بما يتمثل في حالة الاكتئاب النفسى، أو السقوط في بئر إدمان الخمر والوقوع في براثن السقوط الأخلاقى بإعادة امتهان الجسد طالما أنه أصبح مباحاً للانتهاك على مثل هذا النحو، أو في تحطيم العلاقة العاطفية بين الشابين الخطيبين عندما يكتشف "إسماعيل" أن الشيء الذى قام من أجله بالتضحية بمصيره الإنسانى قد انتهك بالفعل وكأنه ضحى من أجل لا شئ.
وفى ساحة المعتقل يتصادم المسجونين مع حراسهم وجلاديهم في مشاجرة عنيفة، يتعرض فيها المسجونون للضرب الشديد بالعصى والهراوات، فيسقط "حلمى" صريعاً تحت وطأة هذا الضرب الذى كان من الواضح أنه يتلقاه بكثافة على نحو خاص. كما يشير الفيلم إشارة سريعة إلى تعرض المسجونين للتعذيب عن طريق المنع من النوم أو الحرمان منه، وهو ما يتبع مع "إسماعيل" على وجه التحديد، حتى أنه يضطر إلى النعاس أثناء التحقيق معه، فينقطع عنه بعد أن يتلقى صفعاً قوياً على قفاه (مؤخرة العنق)، وبالإضافة إلى ذلك هناك إشارات أخرى إلى فكرة التضييق في استخدام دورات المياه، ومنع الطعام أو الشراب عن المسجون. وبالطبع يدخل تحت تصنيف التعذيب ما يمكن أن يقع على المسجون من إكراه معنوى، مثل تهديد إسماعيل باغتصاب زينب.
ثالثاً: ويشير الفيلم إلى أنه تحت الإكراه الجسدى والمعنوى يقوم "خالد صفوان" بتجنيد "زينب" لتعمل مرشدة لحسابه، ولما تتقاعس عن تقديم تقريرها عن النشاط السياسى للطلبة أقرانها في كلية الطب، تتعرض للخطف من الطريق العام، بواسطة رجال "خالد صفوان"، فيقتادوها إليه في فيلته الخاصة، فيكرر عليها محاضرة من محاضرات التهديد، وهو يتعمد أن يذكرها بما كانت تتلقاه من تعذيب على يديه، خاصة وهو يتعمد أن يفرك لها أذنها بقسوة تثير الألم في جسدها وروحها معاً. فإذا كان التهديد هو وسيلة الضغط للتجنيد تحت الإكراه، وكان الغرض من هذا التجنيد هو الحصول على معلومات، فإن "خالد صفوان" يقدم لها أجرها عن هذا الفعل.
كما يشير الفيلم إلى ظاهرة هامة ارتبطت في التاريخ المصري بعقد الستينيات من القرن العشرين، وهى التجسس على الاتصالات التليفونية التى يقوم بها رجال السلطة فى أعلى درجاتها (الوزراء مثلاً) ذلك أن الفيلم يقدم "خالد صفوان" وهو يأمر بوضع الاتصالات التليفونية لأحد الوزراء تحت المراقبة من خلال التنصت عليها وتسجيلها.
رابعاً: وتعذيب المسجونين على شاشة السينما المصرية يشير إلى آفة تعانى منها المجتمعات الإنسانية جميعاً وبصفة عامة، قديماً وحديثاً، وبدون النظر إلى مدى تقدمها أو تأخرها (وإن كانت الظاهرة أكثر انتشاراً في المجتمعات المتأخرة) فكما يذكر تقرير أعده "مركز حقوق الإنسان لمساعدة السجناء" أنه "من الصحيح أن التعذيب هو ظاهرة عالمية (للأسف) تستخدمها الأنظمة الديمقراطية سراً، كما تستخدمها الأنظمة الاستبدادية جهراً"(6) وتشير الدراسة الخاصة بهذا الموضوع إلى أن التعذيب في مصر لا يقتصر الهدف منه على ذلك الغرض التقليدى ذى الطابع التاريخي وهو "الحصول على اعتراف"، وإنما يتجاوزه إلى فكرة "الحصول على معلومات" وأحياناً يكون الهدف منه هو مجرد الانتقام(7). ونحن نلاحظ أن "خالد صفوان" في الفيلم يتعمد أن يلقى القبض على "عضو مجلس الأمة" والزج به في تهمة تمس نظام الحكم، انتقاماً من هذا العضو البرلمانى لأنه يتدخل فيما لا يعنيه باعتراضه على ممارسات "خالد صفوان" وزبانيته ضد الشبان الطلبة، وبالتحديد بعد القبض على كل من "حلمى، وإسماعيل" لثالث مرة. ومن الواضح أن للتعذيب آثاراً مدمرة على شخصية الإنسان، إلى درجة أن يصبح "الاحتجاز غير القانونى- في أسوأ الأحوال- هو أمر أخف وطأة من التعذيب"(8).
4- أسلوب المعالجة الفنية لقضايا حقوق الإنسان في فيلم "الكرنك"
تدعونا مشاهدة فيلم "الكرنك" إلى طرح عدد من الأسئلة في هذا المجال، نستطيع أن نحصل على إجابتها من خلال مناقشة الفيلم في ندوته العامة، وهى الإجابات التى تشكل في مجموعها العام أسلوب المعالجة الفنية لقضايا حقوق الإنسان من خلال هذا الفيلم، وذلك بالبحث في الموضوعات التالية:
أولاً: العلاقة بين الفيلم والرواية الأدبية المأخوذ عنها.
أ- المحافظة على مضمون الرواية بوجه عام من عدمه.
ب- إضافة شخصيات أو أحداث أو حذفها.
ج- ملاحظات هامة لابد من الإشارة إليها (مشهد قتل حلمى- تعديل النهاية الواردة في النص الأدبى).
ثانياً: نواحى التميز الفنى في الفيلم.
أ- الإخراج.
ب- أداء الممثل.
ج- مواقع فيلمية متميزة (مصرع حلمى- اغتصاب زينب- اعتراف إسماعيل حماية لزينب -اكتشافه لمأساتها- فكرة الانتحار تراود زينب- معاناة الأسرة في البحث عن الولد الغائب /الاختفاء القسري... الخ).
ثالثاً: أوجه القصور الفنى (مكان التعذيب- الاستحياء في تقديم التعذيب منسوباً إلى السلطات في ظل الثورة المصرية لأول مرة على الشاشة).