لا تخلو الآداب والفنون الإنسانية، منذ تاريخ نشأتها، من تناول حقوق الإنسان بصفة عامة، فأغلب جماع هذه الآداب والفنون هي الموضوعات التي تدور حول هذه الحقوق، بدءاً من الحرية السياسية ومروراً بحرية الفكر والحق في التعبير وغير ذلك، بل إننا لابد أن نلاحظ أن فحوى الآداب والفنون ذاتها هو الحق في "حرية التعبير". ولذلك يعنينا أن نستطلع من خلال هذه "الورقة البحثية" عملاً سينمائياً مصرياً له موقعه المميز في تاريخ السينما المصرية، وذلك من خلال البحث في حقوق المواطن المعرضة لتقييد حريته باحتجازه في شكل الحبس أو السجن أو الاعتقال بأي صورة من الصور.
ويتناول هذا التقرير الاوراق البحثية للدكتور ناجى فوزى حول عدد من افلام السينما التى اتخذت بعدا حقوقيا .من واقع سلسلة ندوات سينمائى اعدتها جمعية حقوق الانسان لمساعدة السجناء
فى فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس" فإننا نتقابل مع شخصين لا علاقة لهما بالسياسة من قريب ولا من بعيد (كما سنرى من خلال مشاهدة الفيلم) يتواجدان بالمصادفة داخل أحد أقسام الشرطة أثناء ترحيل عدد من الناشطين السياسيين المقبوض عليهم، فيتم ترحيلهما معهم إلى أحد المعتقلات السياسية عن طريق الخطأ، ليقعا تحت المعاملة استناداً إلى توصيفهما بهذا الاعتبار. فإذا كانت المصادفة توقع بشخصين بين براثن آلة التعذيب فى المعتقل السياسى فى فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس"، فإننا فى المقابل سنواجه حالة عمدية تدفع بالمواطن العادي بين براثن هذه الآلة القمعية وهو ممن ينطبق عليه المثل الشعبى المعروف "لا له فى التور ولا فى الطحين" انطباقاً تاماً، أى "لا ناقة له ولا جمل" فى هذا الشأن.
والحقيقة أن السينما المصرية لا تتجاوز الواقع الاجتماعي المصري خلال عقدي الخمسينيات والستينيات، عندما كانت الأجهزة الأمنية تأخذ أعدادا غير قليلة من المواطنين بالشبهات، باعتبارهم من أصحاب النشاط السياسي، على غير الحقيقة، وربما يتذكر البعض منا تلك الرواية التي تداولتها الكثير من الكتابات الصحفية وغير الصحفية عن مواطن مصري مسيحي، يتصادف أن أسمه يدل بوضوح على هويته الدينية، تعرض للاعتقال باعتباره من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، لأن الأجهزة الأمنية وجدت صورة إيصال تبرع باسمه لبناء أحد المساجد التابعة للجماعة. وإذا كانت هذه الرواية المتداولة لا تخلو من طرافة في حد ذاتها، إلا أنها تجئ تعبيراً بليغاُ عن مدي تعرض المواطن العادي لبطش الأجهزة الأمنية، بدون أي مبرر منطقي، في هذه الفترة الزمنية من تاريخ المجتمع المصري، وهو أمر قد لا تخلو منه أية مجتمعات أخري في نفس الظروف السياسية، أو في ظروف مشابهة لها ، كما لا يخلو منه المجتمع المصري في أى وقت من الأوقات، طالما أن إمكانية توجيه الاتهام بمناهضة نظام الحكم إلى أي مواطن أمر وارد، في حالة اختفاء الرقابة على تصرفات الأجهزة الأمنية، أو على الأقل ضعف هذه الرقابة.
فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس" 1979
أولاً: بيانات توثيقيه
الإخراج: حسين كمال
القصة: عن واقعة حقيقية في كتاب "حوار خلف الأسوار" للكاتب الصحفي "جلال الدين الحمامصي".
القصة السينمائية والسيناريو والحوار: فاروق صبري
التصوير: محسن نصر
المونتاج: رشيدة عبد السلام
الموسيقى والألحان: بليغ حمدي
مهندس الديكور ومنسق المناظر: نهاد بهجت
التمثيل: عادل إمام (جابر)- عبد المنعم مدبولي (مرزوق)- مشيرة إسماعيل (مني)- عقيلة راتب (حفظية)- سعيد عبد الغني (رمزي)- يونس شلبي (على)- إبراهيم سعفان – وجدي العربي– إسعاد يونس- جمال إسماعيل (الشاويش عبد المعطي)- مظهر أبو النجا – رشوان سعيد- على الغندور- عدوي غيث- علية عبد المنعم – أحمد سلامة – عبد الحميد المنير- رأفت راجي- أبو السعود عطية – فيصل عزب – سيد محمود – رشوان مصطفى.
ثانياً: ملخص قصة الفيلم
عندما يتلقي الشاب المتعلم ذو الأصول الريفية "جابر" خطاب القوي العاملة يكلفه باستلام وظيفته في "جمعية الرفق بالحيوان" بالقاهرة فهو لا يشأ أن يصدم والديه بمضمون هذا الخطاب، بما يشير إليه من وظيفة؛ ذلك أن "جابر" خريج كلية العلوم قسم الجيولوجيا، وهو ما يعني بالنسبة لوالديه ولبقية الأسرة والعشيرة من أبناء قريته أنه مهندس بترول أو ما نحو ذلك من تنقيب عن المعادن في باطن الأرض المصرية لذلك فهو يخفى عن الجميع حقيقة مضمون خطاب القوي العاملة، يساعده على ذلك جهل أبويه بالقراءة والكتابة. ولما يستقر جابر في مسكن متواضع فوق أسطح إحدى العمارات القديمة في أحد الأحياء الشعبية، فإن زملاءه وأصدقاءه من الجامعة يصرون على الاحتفال الصاخب في مسكنه باعتباره "الروف" المناسب لذلك، وتحويل هذا الصخب إلى مظهر شعبي يتناسب مع ما أحضره " جابر" معه من أطعمة ريفية مشهورة، فيرتدي جميع الحضور الجلاليب، إناثاً وذكوراً ويتسبب صخبهم في إزعاج رب الأسرة التي تقطن تحت السطح مباشرة، وهو "مرزوق أفندي"، الموظف البسيط الذي يخشي من سقوط النجفة " الثريا " الكبيرة التي تزين مسكنه المتواضع، تحت وطأة أقدام الراقصين من الشباب الصاخب ضيوف "جابر". وعندما تفاقم الأمور، بزيادة الصخب يقرر "مرزوق" مواجهة الساكن الجديد لوضع حد لهذه المهزلة، ولما كان جابر قد تلقي درساً عملياً من الفتاة المجربة "سونيا" بأن يتصنع التعالي ويتخذ مظهر القوة (ولو على غير الحقيقة) فإن جابر يطبق ما يتعلمه بصورة مباشرة على مرزوق، الذي يتراجع أمام هذا المظهر، تحت وطأة الخنوع الذي يتلبسه في ظل الشعور القوي بالخوف من بطش السلطات، بحسب ما هو شائع بين العامة في عقد الستينيات، حيث يعتقد "مرزوق" اعتقاداً جازماً بأن هذا الساكن الجديد ما هو إلا أحد رجال المخابرات، وأن ضيوفه الصاخبين في جلاليبهم، ما هم إلا زملاؤه في العمل يرتدون ملابس العمل باعتبارهم متنكرين في أزياء شعبية.
ومنذ تلك اللحظة الفارقة في حياة مرزوق يعيش في وهم أن "جابر" رجل مخابرات، ربما يضعه تحت المراقبة، فيعمد للعمل على إرضاء هذا "الساكن الخطير" فيقرر على زوجته حفيظة أن نقرأ عبارات وفقرات من "الميثاق" بصوت مرتفع يصل إلى آذان رجل المخابرات، وأن يقتني عدداً من الملصقات التي تحمل الشعارات السياسية الخاصة بهذا الزمن، وأن يعلقها على جدران مسكنه بطريقة تسمح لمن يطرق باب المسكن، أو يمر به مفتوحا، بأن يطالع هذه الملصقات، باعتبارها دليلا ماديا على تأييد مرزوق أهل بيته لنظام الحكم القائم، بما يبعد عنه شبهات رجل المخابرات الساكن فوقه. ويعيش "مرزوق" وزوجته "حفيظة" تحت وطأة هذا الإحساس القاسي بالخوف من بطش السلطات.
وفي نفس الوقت بتسلم جابر عمله في جمعية الرفق بالحيوان وهو لا يدري إلى أي حد تجاوزت نتائج تصرفه مع "مرزوق"، في تلك الليلة الصاخبة، بحيث أنه أصبح مصدر إرهاب صباحي ومسائي، نهاري وليلي، "لمرزوق وحفيظة" معاً أما كل من "منى" وأخيها (ولدا مرزوق وحفيظة) لا يعلمان عن الأمر شيئا، وإنما تجمع الجيرة بين كل من "جابر" و"منى" فى علاقة حب شبابية، تحف بها للرغبة فى الاستكانة لقلب كل منهما إلى قلب الآخر، وهما يجهلان تماماً طبيعة المشاعر التي يحملها "مرزوق" نحو "جابر"، لذلك تتكرر اللقاءات العاطفية بينهما في الأماكن العامة. ويأتي صباح يوم يجمع بين "جابر" من جهة و"مرزوق" وإبنته "منى" من جهة أخري في موقف الأتوبيس القريب من منطقة سكنهم، فيبادر "مرزوق" بإبعاد أبنته سريعاً، مضحياً بأجرة "التاكسي"، خاصة عندما يقترب منه "جابر" متودداً، مما يثير توجس "مرزوق" وحفيظته تجاهه أكثر فأكثر، فهو لا يرى فى "جابر" سوى رجل مخابرات يريد أن يوقع به فى براثن التحقيق والاعتقال من خلال أية "زلة لسان" تتصل بأى أمر ذي طابع سياسى من قريب أو بعيد؛ مثل زحمة وسائل النقل العام أو التوظيف أو السلع التموينية، وما يشابه ذلك من أمور تتداولها الألسنة بصفة عامة. ولما يقلهما أتوبيس واحد معاً، يتناوبان الإصرار على دفع ثمن التذكرتين، ليرسو ذلك على "مرزوق"، الذى يثير حافظة محصل التذاكر بتقديمه لورقة عملة نقدية كبيرة، تدفع إلى نفاذ صبر المحصل، بعد أن عاصر مشاحناتهما على دفع ثمن التذكرتين، فيكتب إيصالاً بقيمة الباقي على ظهر أحد التذكرتين، مما يجعل "جابر" يعارضه مطالباً بالباقي نقدا، ليتحول الأمر إلى مشاجرة ثلاثية تجمع "جابر" و"مرزوق" فى معسكر، فى مقابل المحصل فى المعسكر الآخر، لينتهى الأمر بالثلاثة فى أقرب قسم للشرطة.
ولما كان الضباط القائمون على العمل بقسم الشرطة يعانون من ارتباك شديد، بسبب اكتظاظ القسم بعدد كبير من المعتقلين السياسيين بتهمة محاولة قلب نظام الحكم بالقوة، وهم يتوالى تسليمهم إلى القسم فى جماعات متتابعة، وفى نفس الوقت يقع هؤلاء الضباط تحت ضغط الأوامر بسرعة ترحيل هؤلاء المعتقلين إلى سجون اعتقالهم، فإن أحد الضباط يقرر الافراج عن محصل الأتوبيس حتى لا يتعطل بركابه، ويحتجز كلاً من "جابر" و"ومرزوق"، حيث يزج بهما حراس القسم داخل إحدى غرف الحجز الاحتياطى (التخشيبة)، بين عدد غير قليل من المسجونين السياسيين الذين تم القبض عليهم، ولا يزال يتوالى آخرون غيرهم، ومطلوب ترحيلهم إلى السجون. ومع مرور الوقت، وربكة العمل العشوائي داخل قسم الشرطة بمناسبة حملة الاعتقالات الجارية، وتغير الضباط بدون إجراءات تسليم وتسلم تثبت هوية المحتجزين وأسباب احتجازهم، ينتهي الأمر بترحيل كل من "جابر" و"مرزوق" ضمن المقبوض عليهم فى حملة الاعتقالات، ولا يستمع أى مسئول من ضباط القسم والقائمين على ترحيلهم إلى احتجاجاتهم بأنهم ليسوا من ضمن هؤلاء المعتقلين وأنهم لا يعدون أن يكونوا "بتوع الأتوبيس" الذين حضروا بسبب مشاحنة عابرة مع محصل المركبة العامة، ولكن صرخاتهم المدوية "إحنا بتوع الأتوبيس" تذهب سدى فى قسم الشرطة، كما تذهب سدى فى المعتقل السياسى، الذى يقوم على رئاسته وإدارته "رمزى بك"، ويعتمد فى قهر مسجونيه فيه على "الشاويش عبد المعطى"، الذى يؤدى دوره فى خدمة سيده باعتباره الجلاد الأول، معتقداً اعتقاداً راسخاً أنه يقوم على تأديب الخونة الذين يبيعون أوطانهم، بحسب ما يلقنه له رؤساؤه مثل "رمزى بك".
وفى المعتقل يلتقى كل من "جابر" و"مرزوق" بنماذج من المسجونين السياسيين الواقعين رهن الاعتقال، والذين يكابدون كل مظاهر التعذيب والقهر والإذلال البدنى والنفسى معاً (وإن كان الفيلم لا يصل إلى حد الاعتداء على الأعراض كما فى أفلام "الكرنك"، "وراء الشمس"، "حلاوة الروح")، وهى نماذج تجمع بين عدد من أعضاء المنظمات السياسية المناوئه لنظام الحكم القائم، وهى جميعها غير شرعية، استناداً إلي النظام السياسى للدولة القائم على الحزب الواحد (الاتحاد الاشتراكى)، ومن طلبة الجامعة، وهم هنا يجمعون بين الراغبين فى تغيير المجتمع سلمياً مثل الشاعر "محمود" والممثل "على"، والذين يرون أنه لا سبيل لتغيير المجتمع الا بتدميره من خلال مواجهات ذات طابع دموى. بالاضافة إلى رجل دين يتمثل فى ذلك الشيخ الملتحى المعمم، الذى يقدمه الفيلم منحازاً إلى التغيير السلمى للمجتمع.
ولما يحين الدور على استجواب كل من "جابر" و"مرزوق"، بعد طول معاناة من مظاهر التعذيب، مثل الاستقبال الأول للمسجونين باللكم والركل والصفع على الوجه والعنق والقفا .. الخ، ومثل حمامات الشمس المحرقة لساعات طوال مع منع الماء فى نفس الوقت، يبدأ "رمزى" باستجواب "مرزوق، الذى يحاول أن يوضح سوء التفاهم الذى أتى به وزميله "جابر" خطأ إلى هذا المكان، إلا أن "رمزى" يعتقد أن "مرزوق" يحاول أن يضلله، فيعمل على تحوير أقواله لتتسق مع تهمة قلب نظام الحكم، وهو ينسب إليه تهمة طبع منشورات سياسية معادية للنظام والقيام بتوزيعها على ركاب الأتوبيس، ولكن "مرزوق" يفطن لمحاولة "رمزى"؛ فيرفض التوقيع على محضر التحقيق المزور، فينتهى الأمر به إلى أن يقع فريسه لتعذيب الجلاد الرسمى للمعتقل "الشاويش عبد المعطى". ويتكرر نفس الموقف مع "جابر"، الذى يكتشف هدف "رمزى" بأسرع من "مرزوق"، فيرفض التوقيع على اعتراف بطبع منشورات سياسية معادية وتوزيعها، فينتهى أمره هو أيضاً إلى "الشاويش عبد المعطى"، الذى يقوم على جلده بقسوة. وبينما يتلقى الرجلان جرعات متتالية من التعذيب والقهر البدنى والنفسى، فإن الزوجة "حفيظة" والإبنة "منى" وشقيقها يجدون فى البحث عن الزوج والأب الغائب. ويزداد عبء البحث الواقع على كاهل الابنة الشابة "منى"، حيث تتطوع للبحث عن حبيبها "جابر" أيضاً. ولما كانت الإبنة وأخوها لا يعلمان شيئاً عن الهواجس التى باتت تسكن صدرى والديهما تجاه "جابر"، فإنهما (الإبنة والإبن) لا يشعران بمقدار الهلع الذى تشعر به الأم "حفظية"، وهى تعتقد أن اختفاء الزوج المقترن باختفاء "جابر"، هو رهين بشخصية "جابر"، باعتباره (فى اعتقادها) واحداً من رجال المخابرات، قام باصطياد زوجها بطريقة أو بأخرى ليختفى هكذا فجأة.
وتحت وطأة القهر والتعذيب، يمتثل كل من "مرزوق" و"جابر"، على التوالى، لرغبة "رمزى بك" ويقوم كل منهما بالتوقيع على الاعتراف المزور المنسوب إليه. وإذا كانت "حفيظة" وولدها يعانون فراق الزوج والأب "مرزوق"، فإن الوطأة تزداد ضراوة بسبب انقطاع مصدر دخل الأسرة وهو مرتب الزوج الغائب، حيث يتم وقف مرتبه باعتباره غائباً عن العمل ومنقطعاً عنه بدون إذن وبدون عذر مقبول، فتقرر الإبنة الانقطاع عن الدراسة للانخراط فى العمل، ولكن الأم تمنعها وهى تبدأ فى بيع أثاث منزلها.
وتحت وطأة التعذيب الشديد (كالعادة) يموت الطالب الجامعى الشاعر "محمود" بين ذراعى "مرزوق"، الذى يتسبب ذلك الحادث الجلل فى جلاء بصيرته، ليصبح مواطناً ايجابياً، ربما للمرة الأولى فى حياته، وليس فى الفيلم فقط، وترتج الشاشة السينمائية بصياح عدد كبير من المسجونين وهم يرددون أن "محمود" قد مات. ولما يشعر "رمزى" بخطورة الموقف، فإنه يجمع المسجونين فى الفناء المتسع وهو يعرض جثمان "محمود"، باعتباره قد تعرض للموت بسبب تكرار محاولات هروبه، ولكن "مرزوق" يقود مظاهرة عارمة ضد "رمزى"، خاصة عندما يطالبهم الأخير بالتوقيع على إقرار بموت "محمود" أثناء محاولة الهروب، ويبدأ المسجونون فى محاصرة "رمزى"، مما يدفع "الشاويش عبد المعطى" لاطلاق نيران مدفعه الرشاش عليه ثأراً لمحمود وبقية المسجونين ولنفسه، باعتباره عاش مخدوعاً بشعارات زائفة وتعليمات مزيفة، إلا أن بقية الحراس المحاصرين المكان يسارعون باستخدام أسلحتهم النارية، لكى تتحول ساحة السجن إلى مذبحة بشعة، تتساقط فيها أجسام المسجونين وعدد من جلاديهم فى نفس الوقت، فكما بدأ الأمر بالقبض العشوائى، ينتهى أيضا بمذبحة عشوائية، لا فرق.
3- القضايا التى يثيرها الفيلم من وجهة نظر حقوق الإنسان (السجون والنزلاء)
مرة أخرى نكرر أنه إزاء فيلم سينمائى مصرى يتخذ من تعذيب المسجونين مادة أساسية لتكوين أحداثه ووقائعه، فإنه لا مناص لنا من تكرار الإشارة إلى موقف القوانين والمعاهدات والمواثيق الدولية فى هذا الشأن، وهو ما سبق أن أشرنا إليه تفصيلاً فى الورقة البحثية الخامسة، وركزنا عليه بإيجاز فى الورقة البحثية السادسة عن "السينما المصرية وحقوق الإنسان"، فذكرنا أنه استناداً إلى نصوص الإعلان العالمى لحقوق الإنسان فى ديسمبر 1948، ينص العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية فى مادته العاشرة (فقرة أولى) على أن: "يعامل جميع المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية تحترم الكرامة الأصيلة فى الشخص الإنساني"، وهو الأمر الذى يعيد الدستور المصرى التأكيد عليه فى مادته الثانية والأربعين التى تقرر أنه: "كل مواطن يقبض عليه أو يحبس أو تقيد حريته بأى قيد، يجب معاملته بما يحفظ عليه كرامة الإنسان، ولا يجوز إيذاؤه بدنياً أو معنوياً". كما تعرف "اتفاقية مناهضة التعذيب" مفهوم "التعذيب" ذاته بأنه: "أى عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسدياً كان أم عقلياً، ويلحق عمداً بشخص ما؛ بقصد الحصول من هذا الشخص أو من شخص ثالث على معلومات أو على اعتراف أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه فى أنه ارتكبه هو أو شخص ثالث" (ملحوظة: يمكن الرجوع فى شأن النصوص السابقة جميعاً إلى تقرير فريق العمل بمركز حقوق الإنسان لمساعدة السجناء بعنوان "دفاعاً عن حقوق السجناء"، طبعة أولى، يناير 2002، ص 161-162).
ويحقق فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس" عدداً من الملاحظات التى من شأنها أن توضع فى الاعتبار، عند تناوله من وجهة نظر القضايا التى يثيرها من ناحية "حقوق الإنسان"، خاصة "حقوق السجناء"، خاصة أن وقائع فيلم هذه الندوة الثامنة لابد أن تدعو إلى فكرنا فيلمى "الكرنك" و"وراء الشمس" فى مواضع تماس متكررة ومتعددة، وفيلم "حلاوة الروح" فى بعض المواضع.
أولاً: يثير فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس" القضايا الثلاث التقليدية فى مجال العلاقة بين الأجهزة الأمنية والمواطنين فى أحوال الضبط والقبض والاحتجاز والتحقيق والمعاملة أثناء هذه الاجراءات وهى قضايا "الاختفاء القسرى" و"التعذيب" و"الاعتراف تحت ظروف الإكراه".
1- فنحن نواجه نوعاً مستجداً من حالات الاختفاء القسرى للمواطنين، فى فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس"، فما واجهناه فى أفلام سابقة، خاصةً مثل فيلم "الكرنك"، هو قيام رجال تابعين للأجهزة الأمنية بالقبض على المواطن واقتياده من مسكنه أو مكان عمله (أو دراسته أيضاً..الخ) وحجزه للتحقيق معه فى مكان غير معلوم لذويه؛ الذين يجهلون الجهة التى يتبعها من يقبضون عليه، ولا المكان الذى يحتجز فيه، ولا سبب القبض عليه أو التهمة المنسوبة إليه. أما فى فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس"، نلاحظ أن بطلينا "جابر" و"مرزوق" يذهبان إلى قسم الشرطة فى مشاجرة عادية يشكلان فيها طرفاً ويشكل محصل التذاكر بالأتوبيس الطرف الآخر فيها. ولأن قسم الشرطة يموج بحركة غير عادية فى ذلك اليوم، بسبب النشاط العالى للأجهزة الأمنية فى القبض على عدد كبير جداً من الأشخاص المنسوب إليهم الاشتراك فى مؤامرة لقلب نظام الحكم، فإن خلطاً خطيراً يقع من ضباط القسم، ينتهي بإدراج كل من "جابر" و"مرزوق" ضمن المقبوض عليهم فى هذه الحملة الأمنية ذات الطابع القمعي، التى تستهدف عدداً كبيرا من الناشطين السياسيين المصريين فى ذلك الوقت.
والحقيقة أن حالات الاختفاء القسرى التى شاهدناها فى عدد من الأفلام السابقة مثل "الكرنك" و"وراء الشمس"، تتعلق بأسباب تحمل وجهات نظر مقبولة من حيث المنطق العادي للأمور فى هذا المجال، أى أن هناك من يقوم بعملية القبض والاحتجاز استناداً إلى سبب معين، سواء كان حقيقياً أو وهمياً ملفقاً. أما فى فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس" فإن سبب الاختفاء القسرى هنا يبدو عبثياً تماماً، فمجرد تواجد الشخصية مصادفة بمقر مخفر الشرطة، ينتهي بهما إلى الاعتقال بتهمة سياسية لا علاقة لأى منهما بها على الاطلاق.
2- وتعرض المقبوض عليهم للتعذيب أثناء احتجازهم، لا يعد بالنسبة لمشاهدى أفلام "الكرنك" (وتوابعه مثل "وراء الشمس" و"حلاوة الروح") شيئا جديداً بصفة إجمالية، فهناك الجلد، ومنع المياه، والركل والصفع واللكم، والجديد من نوعه فى هذا الفيلم هو تقديم اصطلاحات خاصة بالتعذيب يتداولها القائمون على المعتقل من قادة وجلادين، فهناك "الترويق"، ويقصد به حفل الاستقبال الترهيبى التعذيبى الذى يلاقيه المعتقلون عند وصولهم للسجن لأول مرة، بما ينالونه من ركل ولطم ولكم وصفع، مع ما يسمعونه من ألفاظ الشتم والسب. وهناك "التكييف"، الذى يقصد به الانتقال إلى مرحلة أعلى من التعذيب، عادة ما تتضمن الجلد بصفة أساسية فى هذا الفيلم. وهناك آخر مراحل التعذيب وهى مرحلة "الافراج"، التى يقصد بها الوصول بتعذيب المسجون "السياسى" إلى حد الموت الذى يرى فيه المعذبون نوعاً من الخلاص من هذا العذاب. ويقدم الفيلم جديداً ممثلاً فى "حمام الشمس"، الذى يعنى الوقف تحت لهيب الشمس الحارق لمدة تصل إلى ما يتجاوز الخمس ساعات مع رفع الذراعين لأعلى فى نفس الوقت. وهناك أيضاً القهر المعنوى للمسجون الذى يمتثل لأوامر جلاديه ليمثل دور أحد الحيوانات ترفيهاً عن الجلاد وإذلالاً للمسجون إلى حد الثمالة، فيقوم "مرزوق" بأداء دور "الكلب"، حيث يقوم بالسير على ساعديه وركبتيه (على أربع) ويسحبه أحد الجلادين من عنقه بحبل موثق حوله، وينبح بالفعل تقليداً للكلاب، وهو يردد من حين لآخر إجابة على تساؤل مأمور المعتقل "أنا كلب يا رمزى بك". أما "جابر" فهو يؤدى دور "القرد" الذى يقوم بالترفيه عن العامة فى الطرق، فيتراقص على نغمة "أرقص أرقص يا ميمون"، على صفيح ساخن يلهب قدميه العاريتين، ثم يؤدى حركات "عجينة الفلاحة "و"نوم العازب"، ونحن نتابع مع الفيلم إلى أى حد عبثي يمكن أن تنتهك كرامة الإنسان.
والتعذيب فى فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس" من الممكن أن ينتهي بالمسجون المعذب إلى الجنون، فهناك مسجون يصل به تعذيبه إلى حد الجنون، خاصة وهو يعاصر موت أحد رفاق محبسه بسبب التعذيب (أبو فتحي) فيتصور أن "أبو فتحي" يأتيه من العالم الآخر (من حين لآخر) حاملاً معه الصحف وبعض الطعام. ولكن التعذيب يصل فى حده الأقصى –كما ذكرنا من قبل- إلى ما يسمى بمرحلة "الافراج"، أى إلى موت المسجون على أثر ما يتلقى من تعذيب مثل الشخصية التى لا نراها وهو "أبو فتحي"، وشخصية أخرى تتعايش معها وهو للشاعر الجامعي "محمود".
3- وعادة ما يكون الغرض من تعذيب المسجونين السياسيين هو الحصول على اعترافات موقعة منهم بالتهم والجرائم السياسية المنسوبة إليهم، وهى فى العادة تتصل بفكرة تغيير نظام الحكم بالقوة، وما يتصل به من جرائم التحريض وبث المنشورات المناهضة لنظام الحكم وحيازتها، وحيازة الأدوات والمواد الخاصة بالتفجيرات أو حيازة الأسلحة النارية أو الأسلحة البيضاء، وهكذا. وفى فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس" يقتصر الغرض من التعذيب على الحصول على توقيع باعترافات بتهم الشروع أو التآمر لقلب نظام الحكم بالقوة.
والحقيقة أن السعي وراء الحصول على هذه الاعترافات، حتى ولو بالتزوير، يأتى استناداً إلى ظاهرة تستشري فى نظم الحكم الشمولية، أو ذات الطابع الشمولي (حتى ولو ادعت غير ذلك) حيث تسعى أجهزة الأمن المختلفة إلى إيهام الحاكم بتعرضه لخطر من أعداء (حقيقيين أو وهميين) وأن هذه الأجهزة الأمنية هى الوحيدة القادرة على حمايته من هذا الخطر وإنقاذ نظام حكمه منه. ومن العجيب أنه مع تعداد أجهزة الأمن فى الدولة، يقوم نوع من التنافس بينها فى إيهام الحاكم بالخطر وإيهامه بحمايته منه، وكان التنافس فى مصر، خاصة فى عقد الستينيات، قائماً بين جهازى "المخابرات العامة" ذي السطوة القوية، و"المباحث العامة/ البوليس السياسى" ذي السطوة الأقل قوة وإن كانت ليست أقل عنفاً فى العادة. وفى كل الحالات تنتهي هذه الممارسات المشبوهة برفع درجة سطوة هذه الأجهزة الأمنية، ومنح قيادتها امتيازات مادية وأدبية مبالغاً فيها.
ثانياً: نستطيع أن نرصد عدداً من المشاركات السردية الخاصة بأفلام ما عرف باسم "مراكز القوى"، يشترك فيها فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس" مع أفلام سبق أن شاهدناها (خاصة من خلال برنامج هذه الندوات) مثل "الكرنك" و"وراء الشمس" و"حلاوة الروح".
1- فكل من الأفلام الأربعة يشير إلى النشاط السياسى لطلاب الجامعات؛ باعتباره سبباً للقبض عليهم واعتقالهم، ومن ثم تعذيبهم (إلى حد الموت أحياناً)، وإن اختلفت طبيعة النشاط السياسى للطلبة من فيلم لآخر: فهم ينتمون إلى المنظمات السياسية التابعة للحزب الحاكم الأوحد (الاتحاد الاشتراكى) ولكنهم من ذوى الآراء المتحررة (الكرنك) أو يتظاهرون رفضاً للهزيمة ومطالبة بفحص أسبابها ومحاكمة مسببيها محاكمة عادلة تتناسب مع الجرم فى حق الوطن الجريح بعد حرب عام 1967 (وراء الشمس) أو يعلنون عن الرغبة فى تغيير المجتمع وتحقيق العدالة الاجتماعية الفعلية وليست الإعلامية (حلاوة الروح) أو يقدمون أعمالاً فنية تحمل روح المعارضة والبحث عن أساليب جديدة للحكم وتحقيق العدالة الاجتماعية، وآخرون يعلنون عن الرغبة فى تغيير نظام المجتمع وحكمه بالقوة (إحنا بتوع الأتوبيس).
2- ويشترك فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس" مع فيلمي "الكرنك" و"وراء الشمس"، فى وجود علاقة شبه مباشرة بين أحداث الفيلم ووقائعه السردية وبين حرب يونيه 1967، ففيلم "الكرنك" يشير إلى أن قهر المواطن وإذلاله هو الطريق المناسب لهزيمة الوطن العسكرية، فالمواطن الذى تهزمه السلطة الباطشة لا يستطيع أن ينتصر فى ميدان المعركة العسكرية. وفيلم "وراء الشمس" يقوم على مطالبة الوطنيين المصريين، من قادة عسكريين مخلصين وطلاب جامعة متحمسين، بمحاكمة المتسببين فى الهزيمة العسكرية للوقوف على أسبابها الحقيقية. وفى فيلم "إحنا بتوع ا لأتوبيس" يتزامن القهر مع الهزيمة، ويتسق الكذب على الحاكم بشأن أعداء الوطن فى الداخل (أصحاب النشاط السياسى أو الفكر السياسى المناوئ لنظام الحكم) مع الكذب عليه، بل وخداعه، بشأن مواجهة أعداء الوطن فى الخارج على حدوده الشرقية (أكبر الكاذبات وأخطرها فى التاريخ المصرى والعربي المعاصر حتى الآن) ومن ثم يستمع المسجونون إلى البيانات العسكرية المضللة عن الانتصار الوهمي المزعوم بإسقاط العشرات من طائرات العدو الإسرائيلي وهم داخل زنزاناتهم، ثم يستمعون إلى خطاب التنحى بصوت رئيس الدولة وزعيم الأمة وهو يعلن حقيقة الهزيمة المروعة. والحقيقة أن الفيلم يشير
(إشارة غامضة) إلى أن خطاب التنحى يعد فى حد ذاته مفتاحاً لبداية تفتح الوعى لدى "مرزوق" (على الأخص) ولدى "جابر"، وإن كان الأكثر وضوحاً فى هذا الشأن (خاصة بالنسبة إلى "مرزوق") هو موت الشاعر الشاب "محمود".
3- وهناك نوع من التشابه فى عدد من الشخصيات المتناظرة فى الأفلام الثلاثة "الكرنك"، "وراء الشمس"، "إحنا بتوع الأتوبيس"، وهو تناظر يتسق مع الموضوع الرئيسى للأفلام الثلاثة، وهو ممارسات مراكز القوى ضد المواطنين، لذلك لابد أن نتقابل مع قائد فريق التعذيب عادة (خالد صفوان/ الكرنك/ رجل المخابرات الأول، العميد الجعفري/ وراء الشمس/ مدير السجن الحربى، رمزي/ إحنا بتوع الأتوبيس/ قائد أو مأمور المعتقل) ولابد أن نتقابل مع نماذج من المواطنين الذين أشرنا إليهم، يتعرضون لبطش الأجهزة الأمنية ذات الطابع القمعي (طلبة جامعيون- أساتذة جامعيون- ناشطون سياسيون- مواطنون يتم القبض عليهم عشوائياً باعتبارهم من الناشطين السياسيين على غير الحقيقة). إلا أن ما يمكن ملاحظته بالأكثر هو ذلك التشابه القوى بين شخصيتي الجلادين فى فيلمي "وراء الشمس" و"إحنا بتوع الأتوبيس"، أى "الصول عبد الحق" فى الفيلم الأول، و"الشاويش عبد المعطى" فى الفيلم الثانى، فكلاهما ينتهى به الأمر إلى التعاطف مع المسجونين السياسيين، خاصة الطلبة الجامعيين منهم، وكل منهما ينتهي به المطاف إلى الثورة على قائد المعتقل، وإن كان الأول يسقط صريعاً بدون أن يطلق طلقة رصاص واحدة، فى مقابل أن الثانى يبادر بإطلاق الرصاص من مدفعه على مأمور المعتقل "رمزي"، ثم يسقط صريعاً برصاصات زملائه حراس المعتقل وسط المذبحة الدموية المروعة.
4- وتشترك الأفلام الثلاثة "الكرنك"، "وراء الشمس"، "إحنا بتوع الأتوبيس" فى النهاية الفيلمية الحقيقية (بغض النظر عن النهايات المرئية، خاصة فى فيلمي "الكرنك"/ حرب أكتوبر 1973، "إحنا بتوع الأتوبيس"/ أغنية تتغزل فى الوطن على مشهد من طبيعة الأرض المصرية) فالنهاية الحقيقية للأفلام الثلاثة تنحصر فى واقعتين متصلتين ببعضهما البعض وهما ثورة المعتقلين على جلاد يهم، والمذبحة الدموية التى تحصدهم بغرض قمع هذه الثورة. ففى فيلم "الكرنك" يثور المعتقلون على جلاد يهم بينما يسقط أحدهم صريعاً تحت وطأة ضرب الهراوات من الجلادين فى مشهد يحول ساحة المعتقل إلى ما يشبه المذبحة، وإن كان الفيلم يشير إلى تنحية "خالد صفوان" والقبض عليه وحبسه مع مسجونيه السابقين؛ لمحاكمته عن جرائمه. وفى فيلم "وراء الشمس" يتجمع المسجونون فى ساحة السجن الحربى ثائرين على قائده "الجعفري" ورجاله الجلادين، مما يدفع "الجعفري" لاطلاق الرصاص عشوائياً على المسجونين الثائرين، فيثور عليه "الصول عبد الحق" الذى يسقط صريعاً برصاص "الجعفري" بعد مصرع "وليد" ومحاولة قتل "الدكتور حسام" الأستاذ الجامعى، حيث يتوقف الفيلم عند تحذير هذا الأستاذ لجمهور المشاهدين بأن هذه الدماء هى مسئولية الجميع، وتحذير آخر يسطره مخرج الفيلم مكتوباً على الشاشة، من أن يتكرر ذلك الذى يحدث مرة أخرى. وينتهى فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس" بثورة المسجونين على جلاد يهم بقيادة "رمزي"، عندما يندفع "مرزوق" معترضاً مقولة مأمور المعتقل بهروب "محمود" وموته أثناء محاولة هروبه، فيتبعه بقية المسجونين ثائرين، وعندما يحاول "رمزي" أن يفتك بمسجونيه بواسطة جلاد يه، يثور عليه "الشاويش عبد المعطى" ويصرعه بمدفعه، لكى ينتهي الأمر بمذبحة يسقط فيها عدد كبير من المسجونين الثائرين وفى مقدمتهم "مرزوق" و"جابر".
5- وقد سبق أن أشرنا إلى فكرة اشتراك "أفلام مراكز القوى" فى مسألة إيهام الحاكم بوجود مؤامرات تحاك ضده أو ضد نظام حكمه، لكى تحصل هذه المراكز على امتيازات متزايدة فى السلطة.
ثالثاً: تأملات فيلمية خاصة
1- لا تتعرض متعتنا بمتابعة هذا العمل الفنى لقلق كبير، بسبب ما قد يشوب صياغته السردية أو إخراجه من ملاحظات لا تغيب على صانعي الفيلم. ففى مجال الصياغة السردية تشير الإبنة "منى" فى حديثها إلى الأم "حفيظة" أنها قد ركبت الأتوبيس وتركت أباها على محطته مع "جابر"، فى حين أن الفيلم سبق أن قدم مشهداً هاماً وله دلالته المعنوية، خاصة فيما يتعلق بمشاعر الأب "مرزوق" تجاه جاره "جابر"، وهو أن الأب بمجرد أن يرى "جابر" على محطة الأتوبيس صباحاً، يراوده الخوف على ابنته، فيدفع بها لركوب سيارة أجرة (تاكسي) وهو يدس فى يدها أجرة هذا التاكسي، فتطيعه على مضض، لأنها ترغب (بالطبع) فى صحبة "جابر" لهما، فكيف لها أن تذكر أنها ركبت أتوبيساً وتركت أباها على المحطة صحبة "جابر"؟ وإذا كان جابر يسكن الشقة الصغيرة المتواضعة التى تشغل جزءاً من سطوح البيت فوق شقة "مرزوق"وأسرته، فكيف يتأتى وجود سلم صاعد بجوار باب شقة السطوح الذى هو آخر مطاف الدرج فى هذه العمارة الشعبية المتواضعة ؟.
2- هل لنا أن نلاحظ أن فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس" هو الفيلم الوحيد (من أفلام برنامج هذه الندوة حتى الآن) الذى يخلو من الإشارة إلى الانتهاكات الجنسية التى يمكن أن يتعرض لها المسجونون أو ذويهم وعلى أيدي رجال مراكز القوى أو أتباعهم؟
3- ترى هل كان يمكن لمحصل الأتوبيس إن يلقى نفس مصير "مرزوق" و"جابر" ولو لم يفرج ضابط القسم عنه، تحوطا منه لعدم تعطيل ركاب الأتوبيس؟ أم أنه كان يمكن أن يتغير مصير الرجلين لو صحبهما المحصل إلى المعتقل؟
4- من المناسب أن نتذكر معاً أن صناع الفيلم قد اختاروا له نهاية تختلف تماماً عن نهاية القصة التى يرويها "جلال الدين الحمامصى" فى كتابه "حوار خلف الأسوار"، فالأمر فى النص المكتوب ينتهي بالافراج عن الرجلين بعد أن ذاقا عذاب المعتقل، وفى المقابل فى الفيلم ينتهي المطاف بالرجلين وهما يسقطان صرعى بين عدد من شهداء وقتلى المذبحة الدموية التى ينتهي بها الفيلم رداً على ثورة المسجونين.
5- هل يمكن أن تتغير استساغتنا للبناء الدرامى للفيلم لو تغير أسلوب تقديم طلبة الجامعة خلال السرد الفيلمى؟ فالفيلم يقدم لنا هؤلاء الطلبة ونشاطهم السياسى، سواء من خلال العمل الفنى أو من خلال إعلان التمرد على أسلوب الحكم ثم القبض عليهم، فهل يختلف الأمر (خاصة إلى الأفضل- ربما) لو يقدم لنا لفيلم هؤلاء الطلبة من خلال السجن، ثم يطلعنا على ملابسات وجودهم فى هذا المعتقل وماهية الأسباب وراء القبض عليهم، حتى لا يخرج بنا السرد الفيلمى عن خط متابعة الشخصيتين الرئيسيتين "مرزوق" و"جابر" على نحو يتعارض مع ضرورة متابعتنا لهما بحسب الخطة التى يختطها صناع الفيلم منذ بدايته حتى نهايته، عدا القبض على الطلبة وهوجة القبض على عدد آخر من المواطنين فى مكاتب وظائفهم أو فى حقول فلاحتهم، وهكذا.
4- القضايا الفنية
بالاضافة إلى ما سبق ذكره، نستطيع أن نلاحظ أن فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس" يثير عدداً آخر من القضايا الفنية، سواء من حيث تقديم عمل فنى سينمائى عن مراكز القوى من خلال "الكوميديا السوداء"، وهو أسلوب مستحدث فى هذا الاتجاه السينمائى الذى يشكل تياراً سينمائياً له مواصفاته الخاصة فى عقد السبعينيات من القرن العشرين (على وجه خاص). ولعل نجاح الفيلم من خلال هذا "القالب الفكاهى الأسود "هو الذى أثار حفيظة عدد من نقاد السينما المصرية، الذين لا يرون فيه سوى هجوم على الحقبة الناصرية وتشف فى الهزيمة المصرية، وهو نوع من "التطرف النقدى" يسند إلى الفيلم أفكاراً لا يعتنقها ولا يقدمها، فالإشارة إلى قهر المواطن فى حقبة سياسية معينة لا تعنى الهجوم على منجزات هذه الحقبة، وعرض ردود الفعل الغاضبة الناتجة عن نفوس محطمة من القهر وهى تتأكد من حقيقة الهزيمة العسكرية ليس تشفياً فى الواقعة، بقدر ما هو تعبير فنى عن وقائع مر بها المجتمع المصرى فى هذه الظروف.
أولاً: بيانات توثيقية
الإخراج: عاطف الطيب
القصة والسيناريو والحوار: وحيد حامد
التصوير: سعيد شيمى
المونتاج: نادية شكرى
الموسيقى والألحان: عمار الشريعى
مهندس المناظر: رشدى حامد
التمثيل: أحمد زكى (أحمد سبع الليل)- محمود عبد العزيز (العقيد توفيق شركس)- ممدوح عبد العليم (حسن وهدان)- صلاح قابيل (الكاتب رشاد عويس)- جميل راتب (أستاذ الجيولوجيا)- إلهام شاهين (نواره)- أحمد راتب (الموظف)- حسن حسنى (الضابط)- ناهد سمير (أم أحمد سبع الليل)- حسنى عبد الجليل (الصول)- بدر نوفل- عبد الله حفنى- محمود العراقى- عليه عبد المنعم- أحمد أبو عبيه- عبد الجواد متولى- حسان اليمانى- وضيوف الشرف: شوقى شامخ، سمير وحيد، سامى كامل.
ثانياً: ملخص قصة الفيلم
"أحمد سبع الليل" شاب فى مقتبل العمر، ينوء بمسئولية أسرته الصغيرة التى تتكون من أمه وأخيه الأكبر، الذى يبدو دائماً فى حالة ذهول وأقرب إلى توقف النمو الذهنى، فضلاً عن أحمد ذاته. إن أحمد لا يعرف من كل الدنيا فى كل سنوات عمره إلا القرية، خاصة متمثلة فى الحقل الذى يزرعه بنفسه والترعة التى يقذف بجسده فيها من حين لآخر ليطفئ ظمأ الجسد ويقاوم حرارة أنهرة الصيف القائظة، ومحل البقالة (الوحيد تقريباً) الذى يتجمع عنده بعض شبان القرية لقطع الوقت بالحديث أو بالتسلى بالسخرية من السذج مثل أحمد سبع الليل. والحقيقة أن سذاجة الفتى لا تتأكد على سبيل القطع إلا من خلال قبوله رهاناً من هؤلاء الشبان بأن يبتلع كمية كبيرة من الملح مع قطعة ضخمة من الحلاوة الطحينية دفعة واحدة، وما أن يبدأ فى تنفيذ الرهان، إلا ويظهر صديق عمره "حسين وهدان" الطالب الجامعى الوحيد (تقريباً) فى القرية، ويوقفه عن التمادى فى الاستجابة لشروط هذا الرهان الفاسد، فتكتشف معاً أن الشاب الجامعى هو مصدر الوحى الوحيد (حتى الآن) لدى القروى الساذج، فهو الذى يمنع أحمد من التمادى فى السماح بالسخرية من سذاجته، وهو الذى يشرح له معنى أن يكون مجنداً فى الجيش دفاعاً عن "البلد" ضد "الأعداء"، وإن كان أحمد لا يعى من معنى "البلد" سوى قريته ومن معنى "الأعداء" سوى ما يمكن أن يراهم رؤية العين وجهاً لوجه، حيث يتوقف استيعابه الذهنى عند ذلك الحد، وهو الحد الذى يتسلح به وهو يتجه، ضمن عدد غير قليل من شباب القرية، لتسليم نفسه للتجنيد فى القوات المسلحة، من خلال مشهد سينمائى يجسد أولى مظاهر المهانة التى من الممكن أن يلقاها مثل هؤلاء الشبان فى أول مظهر من مظاهر العلاقة بينهم وبين المؤسسة العسكرية الزمن المفروض أن تعدهم للدفاع عن الوطن، فرجال الحفظ من خفراء القرية يسوقوهم مكبلين بالحبال كالأسرى.
ويتضح أن الشبان المطلوبين لأداء الخدمة العسكرية يخضعون لبرنامج مكثف من الفحص الطبى الدقيق، بالإضافة إلى تصنيفهم تصنيفاً ثقافياً وعلمياً، ليكون "أحمد سبع الليل" فى أقصى ذيل القائمة فهو أمى يجهل القراءة والكتابة، بل لا يعى من الحياة سوى ما ذكرنا: الأسرة والحقل وحدود القرية الضيقة، ومن ثم يتم إلحاق الشاب بوحدات الحراسة، ليكون نصيبه ضمن قوات حراسة أحد المعتقلات الخاصة بالمسجونين السياسيين فى منطقة صحراوية معزولة، وهناك يتم تدريبه على إطاعة الأوامر بأسلوب "الطاعة العمياء" التى تتطلب تنفيذ الأوامر بدون أية مناقشة حتى ولو كانت مجافية للمنطق أو مناقضة للفطرة الإنسانية السوية (الفتى ينفذ أمراً للقائد يصفع زميله المجاور له بلا سبب).
وعندما يصل وفد من المعتقلين السياسيين، الذين يصنفون لدى الشاب الساذج بأنهم "أعداء الوطن"، فإن الفتى ينفعل ضدهم، وهو يعتقد أن ذلك جزءاً أساسياً من واجبات الجندية المنوطة به، فهو منذ وصوله إلى معسكر الاعتقال هذا يعترض على أن يقدم الجيش الطعام لأعداء الوطن: نزلاء المعتقل من السياسيين المسجونين، لذلك فإنه لا يتوانى عن حراستهم بكل يقظة والعمل على إجهاض أية محاولة من أحدهم للخروج عن نظام المعتقل، لذلك فهو لا يتأثر بسوء المعاملة وقسوتها، التى يبديها قائد هذا المعسكر العقيد "توفيق شركس" وضباطه وضباط الصف التابعين له، وهم يسيئون معاملة مسجونيهم إلى حد الإهانات الجارحة والتعذيب البدنى المبرح، بل إن أحمد سبع الليل يرى أنه من المفروض قتل هؤلاء "الأعداء" لكى يعود كل "عسكرى لغيطه وداره". ولذلك أيضاً لا نشاهد أى رد فعل مناوئ لما يقدم عليه قائد المعسكر من ربط الأستاذ الجامعى عالم الجيولوجيا بالحبال إلى سرج جواده، ليقوم هذا القائد بسحله على أ{ض المعسكر وصول مبانيه، كنوع من التأديب الإضافى جزاءً لرفضه الامتثال بتطليق روجته الشابة (التى تفهم أنها مطمع شهوانى لأحد أصحاب النفوذ وإن كان الفيلم يضمن على مشاهده بتوضيح سبب هذا الطلب بصورة مناسبة، إمعاناً فى الإيجاز لصالح قضيته الرئيسية). لذلك نحن لا نعجب عندما يصر "أحمد" على مطاردة الأديب والكاتب "رشاد عويس"، عندما يحاول الهرب من المعتقل داخل الصحراء، أثناء إحدى نوبات عمل المعتقلين، فيستمر الفتى فى مطاردته حتى أخر نفس، خاصة أن الكاتب المعروف استطاع أن يباغت الجندى الشاب ويختطف منه سلاحه النارى ويهدد به بقية قوة الحراسة ليختطف الشاحنة ويقودها، لكى تنتهى المطاردة بمعركة بين الجندى الشاب والكاتب المعتقل يزهق فيها الفتى روح الرجل خنقاً، وهو يعتقد أنه يطهر "البلد/ الوطن" من مثل هذا "العدو". ولما كان قائد المعسكر يشترك فى مطاردة الكاتب الهارب، فإنه يشاهد بنفسه إلى أى حد يندفع الفتى فى المطاردة حتى الموت المحقق، سواء الموت الذى من الممكن أن يتعرض له الجندى من السلاح فى يد الكاتب الهارب، أو الموت الذى ينتهى إليه هذا الهارب بالفعل على يدى الجندى الخانقتين. لذلك يقرر قائد المعتقل أن يرقى "أحمد سبع الليل" إلى درجة العريف (الأومباشى) تقديراً لشجاعته وبطولته، وأن يكون بمثابة "العسكرى المراسلة" لمكتبه الخاص.
وعلى جانب آخر يقدم لنا الفيلم جانباً من الحياة الخاصة لقائد المعسكر "توفيق شركس"، وتتجلى براعة صناع الفيلم فى تقديم هذا الجانب من حياته الخاصة المدنية، بالكشف عن هذه الحياة قبل أن نراه فى الزى العسكرى، وقبل أن نفاجأ بدوره فى آلة القهر والتعذيب من خلال معسكر الاعتقال، فنحن نتقابل مع أب رقيق الحشية وهو يتعامل مع طفلته الوحيدة، يصحبها إلى عيد ميلاد إحدى صديقاتها الطفلات، بل إنه عندما يشارك طفلته فى اختيار هدية عيد الميلاد فإنه يرفض أن يبتاع لها لعبة على شكل "عسكر وحرامية" وإنما يختار لها آلة موسيقية رقيقة هى "الجيتار"، بل إنه لا يتعامل بغلظة مع جندى المرور الذى يعنفه لوقوفه بسيارته فى الممنوع. فى مقابل ذاك يتحول "توفيق شركس" إلى وحش بشرى فى معسكر الاعتقال، لا يخضع لأى وازع إلا إرضاء الرؤساء الذين يكلفونه بواجبات منصبه الكريه، فيبالغ فى التنكيل بنزلاء المعتقل.
وإذا كان مصرع الكاتب "رشاد عويس" يثير جانباً من الرأى العام، مما يزعج السلطات، خاصة عندما يظهر أن هناك من يهتم بمعاملة المعتقلين السياسيين ويرفض تعرضهم للتعذيب، فيمثل ذلك فى شكل تفتيش يبدو للضيوف أنه مفاجئ، ولكنه يبدو لنا مرتبا تماماً حتى ينبى معسكر الاعتقال بغير الحقيقة التى يبطنها، فإن الواقع أن الشباب من الطلبة الجامعيين يتظاهرون من أجل الكاتب "رشاد عويس"، لكى ينتهى الأمر بالقبض على عدد غير قليل منهم، بما فيهم زعماء هذا الاحتجاج ومن بينهم "حسين وهدان" الصديق الصدوق "لأحمد سبع الليل"، وبينما يقوم جنود المعتقل باستقبال الوافدين الجدد من شباب الجامعة المعتقل بالضرب واللكم والركل والصفع والجلد… إلخ يفاجأ أحمد بوجود صديقه ضمن هؤلاء "الأعداء"، فيتوقف عن أفعاله، وهو يحتج ضد الاعتداء على صديقه، مؤكداً على أنه "أبن بلده" وليس من "الأعداء"، فهو يعرفه جيداً، وهو الذى أقنعه بأن الجندية هى شرف الدفاع عن الوطن ضد أعدائه… إلخ، وهنا تكون أول إشارة إلى دخول أحمد سبع الليل فى منطقة الوعى الحقيقى بما يحيط به، وهنا أيضاً تكمن أول بادرة لتمرد الجندى الساذج على قائدة، حيث لا تفلح معه أية وعود ولا أى وعيد أو تهديد، لكى ينتهى الأمر بوضع الصديقين فى زنزانة واحدة تنفرد بهما، لكى يمارس قائد المعسكر تعذيبه فى مواجهتهما، سواء بالجلد أو بغيره، لكى ينتهى بإطلاق عدد من الثعابين السامة فى زنزانتهما، وتنتهى مقاومتهما لها باقتناص الفتى الجامعى صريعاً بسم إحداها، وينتهى أمر المجند المتمرد بعزله من درجته العسكرية وعودته حارساً بالسلاح فى أحد أبراج الحراسة بالمعسكر.
ولأن القائمين على أمر المعتقل يجهلون إلى أى حد وصل الوعى بالجندى الساذج المتمرد، لذلك فإن المفاجأة تصبح أشد وقعاً عندما يستقبلون عدداً من النزلاء الجدد، فلا يجد الجندى المتمرد أمامه حلاً سوى أن يرض الجميع بنيران سلاحه الآلى: معتقلين وحراس وضباط وقائد… الخ، فلما تهدأ نفسه الملتاعة ويحاول أن يعود إلى الناى الذى يهدهد به هذه النفس، فإن وابلاً من الرصاصات يصرعه فى مكانه فى برج الحراسة، فهناك "برئ مستجد" يرى فيه "عدواً للوطن يجب التخلص منه"، ألم يكن ذلك رأى أحمد سبع الليل فى المعتقلين عندما رآهم داخل معسكر الاعتقال لأول مرة ؟!
ملحوظة: هذه نهاية الفيلم الأصلية، أما نهايته الرقابية فتتوقف عند صرخة الاحتجاج من الجندى المتمرد فى مكانه فى برج الحراسة عند وصول المعتقلين الجدد.
3- القضايا التى يثيرها الفيلم من وجهة نظر حقوق الإنسان (السجون والنزلاء)
من جديد نعيد التكرار (مرغمين) أنه إزاء أى فيلم سينمائى مصرى يتخذ من تعذيب المسجونين جانباً أساسياً لتكوين أحداثه ووقائعه، فإنه لا مناص لنا من تكرار الإشارة إلى موقف القوانين والمعاهدات والمواثيق الدولية فى هذا الشأن، وهو ما سبق أن أشرنا إليه تفصيلاً فى الورقة البحثية الخامسة، ثم ركزنا عليه بإيجاز فى الورقة البحثية السادسة وأجملناه من جديد فى الورقة البحثية الثامنة، ذاكرين أنه استناداً إلى نصوص الإعلان العالمى لحقوق الإنسان فى ديسمبر 1948، ينص العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية فى مادته العاشرة (فقرة أولى) على أن: "يعامل جميع المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية تحترم الكرامة الأصيلة فى الشخص الانسانى، وهو الأمر الذى يعيد الدستور المصرى التأكيد عليه فى مادته الثانية والأربعين التى تقرر أنه: "كل مواطن يقبض عليه أو يحبس أو تقيد حريته بأى قيد، يجب معاملته بما يحفظ عليه كرامة الإنسان، ولا يجوز إيذاؤه بدنياً أو معنوياً". كما تعرف "إتفاقية مناهضة التعذيب "مفهوم "التعذيب" ذاته بأنه: "أى عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسدياُ كان أم عقلياً، ويلحق عمداً بشخص ما؛ بقصد الحصول من هذا الشخص أو من شخص ثالث على معلومات أو على اعتراف أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه فى أنه ارتكبه هو أو شخص ثالث" (ملحوظة: يمكن الرجوع فى شأن النصوص السابقة جميعاً إلى تقرير فريق العمل بمركز حقوق الإنسان لمساعدة السجناء بعنوان: "دفاعاً عن حقوق السجناء"، طبعة أولى، يناير 2002، ص ص161-162).
ويحقق فيلم "البرئ" (فى جانب كبير منه) عدداً من الملاحظات التى من شأنها أن توضع فى الاعتبار، عند تناوله من وجهة نظر القضايا التى يثيرها من ناحية "حقوق الإنسان"، خاصة "حقوق السجناء"، حيث يلفت الانتباه أيضاً أن وقائع فيلم "البرئ" –فى هذا الشأن- لابد أن تدعو إلى ذاكرتنا أفلام مثل "الكرنك" و"وراء الشمس" و"حلاوة الروح" و"إحنا بتوع الأتوبيس" من خلال تماس فيلم "البرئ" معها فى بعض مواضعه الخاصة بمعاملة نزلاء المعتقل من المسجونين السياسيين وغيرهم.
أولاً: يثير فيلم "البرئ" عدداً من القضايا التقليدية فى مجال العلاقة بين الأجهزة الأمنية (وتوابعها) وبين المواطنين فى أحوال القبض والاحتجاز على نحو خاص، وهى قضايا: الاختفاء القسرى والتعذيب والاعتراف تحت ظروف الإكراه، ويزيد عليها فيلم البرئ طلب تنفيذ فعل معين تحت وطأة التعذيب.
1- فمن الواضح أن المعتقلين الذين يقدمهم الفيلم يختفون اختفاء قسرياً عن ذويهم، وعن معارفهم فى نفس الوقت، حيث يتعرضون للقبض والاقتياد من مساكنهم أو أماكن عملهم أو دراستهم… الخ وحجزهم للتحقيق معهم فى مكان غير معلوم لذويهم، ثم ترحيلهم إلى مكان آخر غير معلوم يحتجزون فيه، ونحن نتقابل فى الفيلم مع المراحل الأخيرة من الاختفاء القسرى متمثلة فى ترحيل المقبوض عليهم إلى المعتقل بواسطة القطار ليلاً، حيث يتم معاملتهم معاملة خارج نطاق المحافظة على أدميتهم خلال هذا الترحيل، فهم مكبلون بالسلاسل الحديدية، ويتم ترحيلهم بعربات قطارات البضائع، ويتعرضون للسحل ، بل القتل بسبب تحرك القطار وبعضهم لا يزال على الرصيف (أو الأرض) لم يستقله بعد، مشدوداً إلى زملائه داخل القطار بواسطة السلاسل الحديدية. كما يتمثل الاختفاء القسرى فى آخر مراحله فى تسكين المقبوض عليهم المعتقلات فى المناطق الصحراوية النائية.
2- وتعرض المعتقلين للتعذيب داخل المعتقلات لا يعد من الأمور المستجدة بالنسبة لمشاهدى أفلام مثل "الكرنك" وتوابعه (وراء الشمس- حلاوة الروح- إحنا بتوع الأتوبيس)، فهناك الجلد والركل والصفع، واللكم والتجويع والسحل، والدفع بالثعابين السامة إلى زنزانات المعتقلين.. إلخ. ولعل فكرة الثعابين هنا مستجدة على الأفلام السابقة. ولكن فيلم "البرئ" ينتهى ببعض المعتقلين، فى تعذيبهم، إلى مصرعهم تحت وطأة التعذيب أو من خلال المطاردة (رشاد عويس- حسين وهدان).
3- وإذا كانت العادة أن يكون الغرض من تعذيب المسجونين السياسيين هو الحصول على اعترافات موقعة منهم بالتهم والجرائم السياسية المنسوبة إليهم، فإننا نلتقى بسبب جديد للاعتقال السياسى وهو فى ذاته سبب ما يلقاه المعتقل من تعذيب داخل معسكر الاعتقال فى الفيلم، ذلك أن القبض على العالم الجيولوجى واعتقاله وتعذيبه هو بغرض تطليق زوجته الشابة منه قسراً وإكراهاً.
ثانياً: نستطيع أن نرصد عدداً من المشاركات السردية الخاصة بالأفلام التى تتناول ظروف الاعتقال السياسى وملابساتها، يشترك فيها فيلم "البرئ" مع أفلام سبق مشاهدتها من خلال برنامج هذه الندوات (الكرنك- - إحنا بتوع الأتوبيس)
1- فى كل من الأفلام الخمسة إشارة إلى النشاط السياسى لطلاب الجامعات؛ باعتباره سبباً للقبض عليهم واعتقالهم، ومن ثم تعذيبهم إلى حد الموت أحياناً.
2- وهناك نوع من التشابه فى عدد من الشخصيات المتناظرة فى الأفلام الخمسة بصفة عامة وهو تناظر يتفق ويتسق مع الموضوع المشترك بين هذه الأفلام وهو الممارسات التى يمكن أن يتعرض لها المواطن عند اعتقاله سياسياً، لذلك لابد من أن يتقابل المشاهد فى كل فيلم منها مع قائد فريق التعذيب عادة (خالد صفوان/ الكرنك، العميد الجعفرى/ وراء الشمس، الضابط رمزى/ إحنا بتوع الأتوبيس، اللواء همت/ حلاوة الروح) كما لابد أن نتقابل مع نماذج من المواطنين الذين يتعرضون لبطش الأجهزة الأمنية ذات الطابع القمعى (طلبة جامعيون- أساتذة جامعيون- كتاب- ناشطون سياسيون- مواطنون يتم القبض عليهم عشوائياً باعتبارهم من الناشطين السياسيين على غير الحقيقة/ تذكر شخصية الموظف مدمن معاكسة النساء خاصة وهو يعلن للعقيد توفيق أنه ليس أكثر من "بتاع نسوان"). ولكننا نتقابل من خلال ندواتنا هذه لأول مرة مع مواطن مرموق (عالم جيولوجى) مقبوض عليه ومودع الاعتقال بتهمة سياسية للضغط عليه من أجل تطليق امرأته.
4- "البرئ" فى "بيت إبليس"
(نظرة نقدية خاصة)
"البرئ" هو "أحمد سبع الليل"، و"بيت إبليس" هو الإسم الذى يطلقه "وحيد حامد" على المعتقل القابع فى جوف الصحراء المصرية، ونراه مرصوداً بوضوح فى نص السيناريو الذى قدمه المؤلف للرقابة على المصنفات الفنية مع أن هذا الإسم لا يرد على لسان أى من أبطال الفيلم وممثليه، وإن كان فنان الفيلم قد أجاد التعبير عنه بدون أن يقدم له إسماً محدداً. ومن المرجح أن صناع الفيلم قد تغاضوا عن التركيز على هذا الإسم لصالح قضاياه الحقيقية أو أفكاره الأساسية.
بداية قد ندهش إذا لاحظنا أن هذا الفيلم لا يحمل فى حقيقته فكرة أساسية واحدة، بل أكثر من فكرة فى نفس الوقت، فهو يتصل بفكرة عن مفهوم الحرية بمعناه الشامل، كما أنه يتصل بفكرة أخرى خاصة بمفهوم تحويل الإنسان إلى آلة من أجل خدمة من جعله كذلك (أى آلة) وخطورة انقلاب الآلة على صاحبها أو صانعها. ويركز الفيلم فى جانب كبير منه على فكرة تحويل الإنسان إلى آلة "مبرمجة" حتى ينتهى الفيلم بإظهار خطورة هذه الفكرة، وهو الأمر الذى يعضده الناقد السينمائى "على أبو شادى" فى ختام نقده لهذا الفيلم بقوله: "إن الروبوت (جندى الحراسة) الذى تم برمجته، ما أن تصيبه لحظة وعى أو تأتيه أوامر مريبة، أو يستشعر الظلم يتحول إلى مارد يدمر كل شئ.والحقيقة أن هناك من عناوين بعض المقالات النقدية ما يشير إلى هذا بطريق غير مباشر، فيقدم "مجدى الطيب" مقالته عن الفيلم تحت عنوان "القمع بسلاح الجهل" ، فالقمع هو أسلوب محاربة الحرية أو هو ضد الحرية، والجهل الذى يعنى عدم الوعى (أو نقصه المعيب) هو جهل البرئ الذى يجعل منه شبه آلة مبرمجة بلا وعى، لذلك يؤكد الناقد على مقالته النقدية ( فى ختامها) على عنوانه الأول بقوله عن "استمرارية القهر فى وجود الجهلاء". ويضع "طارق الشناوى" عنواناً لمقالته النقدية عن الفيلم "البراءة تغتال الحرية" وهو أيضاً عنوان يحتوى الفكرتين الأساسيتين فى مفهوم مناظر للمفهوم الذى يطرحه مجدى الطيب فى عنوان مقالته السابقة، فاغتيال الحرية هو المفهوم المناظر للقمع، والبراءة هنا هى براءة الإنسان الجاهل عديم الوعى، براءة الجهل غير المقصود من صاحبه (وإن كان مقصوداً من آخرين يقدمهم الفيلم على أنهم السلطة، أو بالأحرى ممثلو السلطة). بل إن أحد مفاهيم الحرية من جهة أخرى هو "حرية الوعى" ذاته، أى أن يكون الإنسان حراً فى أن يعى ما حوله بطريقته هو، لا أن يتم توجيه وعيه إلى نمط "الطاعة" فقط، وهى فى هذا الفيلم الطاعة المطلقة "المنزهة" تماماً عن التفكير.
والحقيقة أننا نستطيع أن نستنتج صياغة تركيبية من العنوانين اللذين يقدمهما مجدى الطيب (القمع بسلاح الجهل) وطارق الشناوى (البراءة تغتال الحرية) بما ينتج لدينا مقولة ثالثة تؤكد على الفكرتين الأساسيتين وكيف يمكن المزج بينهما، فنقول أن الفيلم يتناول "قمع الحرية بجهل الأبرياء". ونحن نرجح أن الفيلم كان يقوم على مفهوم "الحرية" فى مرحلة تصويره وطرح فكرته على العامة أثناء تحقيقه وتنفيذه فعلاً، فقد أصدرت الكاتبة "فوزية إبراهيم" مقالتها عن الفيلم أثناء تصويره تحت عنوان "الحرية فى كل زمان"(5). والحقيقة أن الفيلم فى جانب كبير جداً منه يتناول الحرية فى أكثر من شكل وأكثر من اتجاه، مثل حرية الفكر فى واحد من أهم أشكالها وهو حرية التعبير عن الأفكار السياسية؛ ممثلة فى الكاتب "رشاد عويس"، وحرية المواطن الخاصة ممثلة فى حقه فى محاكمة عادلة عن حقيقة الفعل الذى من الممكن أن يعاقب جنائياً من أجله، وهى تظهر فى شخصية الموظف الذى قبض عليه أثناء معاكسته للنسوة، فيتم اعتقاله كمتهم سياسى، وحرية الإنسان فى حياته الشخصية ممثلة فى عالم الجيولوجيا الذى يتم اعتقاله وتعذيبه للضغط عليه ليغير من شكل تركيب حياته الأسرية المستقرة بتطليق زوجته، وحرية الجموع فى التعبير عن القضايا العامة ممثلة فى الطلبة ومن بينهم "حسين وهدان"، ثم حرية الوعى ذاته ممثلة فى الفلاح المجند "أحمد سبع الليل".
ولكن على الرغم من ذلك تظل النغمة السائدة التى تطغى على الفيلم منذ بدايته حتى نهايته هى نغمة تحويل الإنسان إلى نوع من الآلية التى تضمن توجيهه لصالح سلطة معينة، تتمثل هنا فى صانعه بصفة أساسية. فالفيلم يبدأ بالفلاح الجاهل وهو فى بلدته أو قريته، وهو فى جهله هذا يحمل معادل البراءة فى صورتها" الخام" المرتبطة بالفطرة، ثم يتابعه الفيلم فى جهله الثانى، أى فى مرحلة جديدة منه، وذلك عند تجنيده ثم إلحاقه حارساً بأحد المعتقلات بالصحراء، وهى مرحلة تتمثل فى حقيقتها فى غرس نوع من الوعى بغير الحقيقة لدى هذا الفلاح المجند ولدى أقرانه من المجندين الأخرين، وهو ما يسميه "على أبو شادى" باسم "الوعى المزيف، ويسميه "مجدى الطيب": "اللاوعى"، و"الخدعة"، ويعبر عنه "عصام بصيلة" عندما يصف الفلاح المجند بأنه "يكتشف أنه كان مخدوعاً"(6) ويقول عنه طارق الشناوى "أنه كان يعيش فى خدعة كبيرة"، ويكرره "محمد هانى" بقوله: "يكتشف أنه كان يعيش خدعة كبيرة"(7) . ويتمثل هذا الوعى المزيف فيما يلقنه له القائمون على معسكر الاعتقال الذى يلتحق به أحمد سبع الليل وأمثاله من المجندين، من أن المعتقلين هم أعداء الوطن بالنسبة إلى هؤلاء المجندين. إلا أن أحمد سبع الليل ينتقل إلى مرحلة أخرى من الوعى، وهى مرحلة اكتشاف الخدعة ثم الوعى الحقيقى بأن المعتقلين هم أيضاً من أبناء الوطن، بل إن منهم وطنيين حقيقيين يتمثلهم أحمد سبع الليل فى أبن قريته "حسين وهدان"، الطالب الجامعى الذى كان يتولى حمايته بالقرية، كما كان يتولى إفهامه ما كان ينغلق على فهمه أو تفكيره البدائى البسيط.
وفى كل الأحوال نحن لا نستطيع أن نتجاهل فكر مؤلف الفيلم، من خلال تأكيده على أن فيلمه يبحث فى قضية الحرية فى كل زمان ومكان، وهو تأكيد يقدمه "وحيد حامد" من خلال الإهداء الذى يتصدر نص السيناريو المكتوب وينص فيه: "إهداء إلى عشاق الحرية والعدالة فى كل زمان ومكان أهدى هذا الجهد المتواضع"، وهو أمر يكاد أن يعيد "وحيد حامد" التأكيد عليه بقوله عن الفيلم أنه "يناقش قضية القهر فى كل زمان ومكان".
وإذا كانت هناك فرصة لاحتدام النقاش حول الوسيط الذى يتخذ منه الفيلم وسيلة لحل قضيته، فهل هو معتقل تديره قوات من الشرطة أو قوات من الجيش، فإن الحقيقة التى يمكن الاتفاق عليها بوضوح وسهولة (معاً) أن القضية التى يطرحها صناع الفيلم لا تختلف باختلاف السلطة التى يطرحون قضيتهم الفيلمية من خلالها كوسيط مرئى، سواء كان هذا الوسيط هو القوات المسلحة أو الشرطة أو غيرهما، حتى ولو كان الأمر يجرى فى أحد المصانع الكبرى أو المزارع الجماعية أو المشاريع المعمارية الكبرى أو غيرها، فقضية القهر واحدة، وقضية صناعة الآلة لخدمة السلطة واحدة أيضاً، لا يتغيران بتغير المكان أو الزمان أو الوسيط المرئى.
ثم يبقى لنا أن يشير إلى أمرين هامين يتعلقان بفيلم "البرئ" وفى نفس الوقت يتصلان بمشاهدات سابقة لنا من خلال ندواتنا الفيلمية هذه. الأمر الأول هو أن هناك أكثر من فيلم يقدم صنيعة السلطة، الجلاد الذى يصبح آلة تسوم المعتقلين العذاب، وهو يتحول إلى النقيض فيثور على صانعه، بل يصل الأمر إلى قيامه بالإجهاز عليه تماماً، ففى فيلم "وراء الشمس" يثور "الصول عبد الحق" فى وجه "الجعفرى"، وإن كان الأمر ينتهى بمصرع "عبد الحق" برصاصة من مسدس "الجعفرى" تنال من عبد الحق بدلاً من الأستاذ الجامعى الثائر. وفى فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس" يتحول "الشاويش عبد المعطى" إلى مناهض للتعذيب بعد أن يستعيد لذاته وعيا خاليا من التزييف ، فيثور ضد قائد معتقل التعذيب إلى حد الإجهاز عليه برصاصات مدفعه. أما النجار "صالح" فى فيلم البداية "فهو يصل إلى نوع من الوعى الحقيقى، مما يدفعه إلى التخلى عن صانعه والوقوف بجانب المطالبين بالحرية فى الواحة المنعزلة التى يستبد "نبيه بك" بحكمها تحت سطوة السلاح.
والأمر الأخر هو أن "البرئ/ أحمد سبع الليل" هو بمثابة الإرهاصة السينمائية المبكرة لظهور شخصية سينمائية قريبة منها، إن لم تكن مناظرة لها فى فيلم "البداية"، وهى شخصية "صالح"، ذلك الشاب الرياضى لاعب الملاكمة محدود الوعى الذى يحترف صنعة التجارة. فالفيلم يقدمه عبارة عن قوة عضلية بدون مرجعية ذهنية مناسبة، أو بمعنى آخر هى مرجعية ذهنية معطلة، لأن خلفيته الثقافية معدمة، وخلفيته التعليمية شبه معدمة، لذلك فإنه يسهل اقتياده وجذبه نحو السلطة ممثلة فى شخصية "نبيه بك"، الذى يحوز سلاحاً نارياً يمكنه من أن يعلن استيلاءه على الواحة التى يلجأ إليها وبقية ركاب الطائرة المفقودة فى الصحراء بعد انفجارها ،ومن ثم يحول "نبيه" بقية الركاب الناجين إلى رعايا فى مملكته. فكان يجب عليه باعتباره صاحب السلطة أن يتسلح بقوة نظامية غاشمة تتمثل فى "صالح" هذا، خاصة أنه كان يجب أن يتميز عن بقية الرعية بالزى الرسمى ممثلاً فى خوذة معدنية من بقايا مخلفات الحرب العالمية الثانية، وبالسلاح ممثلاً فى عصا غليظة، بالإضافة إلى أن الممثل الذى قام بأداء الدور (صبرى عبد المنعم) قد عمد فى أدائه التمثيلى إلى تلبس مزيج من شخصيتي جندى الأمن المركزى ومخبر المباحث معاً. وكما يتحول "أحمد سبع الليل" فى البرئ إلى الوعى الحقيقى القائم على معرفة الحقائق، وخاصة على يدى صديقه "حسين" الطالب الجامعى، فإن "صالح" فى فيلم "البداية" يتحول عن الوعى الزائف الذى غرسه فيه "نبيه بيه" (أى السلطة) إلى الوعى الصادق، الذى يبدأ فى استيعابه على يدي الصحفى "أحمد"، الذى ينادى بالديمقراطية وحق العمل وحرية الفكر، ونجد فيه مناظراً (بدرجة ما) لشخصية "حسين" الطالب الجامعى كمصدر للوعى الصادق لدى الفلاح المجند "أحمد سبع الليل".
أولاً: بيانات توثيقية
الإنتاج: ممدوح الليثى الإخراج: على بدر خان
القصة: نجيب محفوظ
السيناريو والحوار: ممدوح الليثى
التصوير: محسن نصر
المونتاج: سعيد الشيخ
الموسيقى: جمال سلامة
المناظر: ماهر عبد النور
إخراج المعارك: محمد راضى
التمثيل: سعاد حسنى (زينب دياب)- نور الشريف (إسماعيل الشيخ)- محمد صبحى (حلمى حمادة)- كمال الشناوى (خالد صفوان)- فريد شوقى (دياب)- شويكار (قرنفلة)- عماد حمدى (طه الغريب)- تحية كاريوكا (أم زينب)- فايز حلاوة (زين العابدين) على الشريف (حسب الله الفرارجى)- محمد توفيق (والد حلمى).
ثانياً: ملخص قصة الفيلم
"الكرنك" هو إسم المقهى الذى تمتلكه وتديره الراقصة المعتزلة، "قرنفلة"، ويتردد عليه نماذج بشرية متعددة ومتنوعة في نفس الوقت، سواء من حيث الجنس أو السن أو المستوى الاجتماعي أو المستوى العلمي أو الثقافي، فهناك مكان خاص بالكاتب المعروف "طه الغريب"، حيث يجالسه عدد من الأصدقاء والمريدين، وكثيراً ما يتطرق الحديث إلى السياسة، وعادة ما يتدخل جيل الشباب في أحاديث الكبار. ومن هؤلاء الشباب يبرز "إسماعيل" و"زينب" الطالبان في السنة النهائية بكلية الطب، والمتحابان، وهناك صديقهما "حلمى"، الذى يحيا حياة كاملة مع "قرنفلة"، التى تعشقه من خلال مشاعر خاصة تمزج بين رغبات الأنثى وعواطف الأمومة معاً، خاصة بسبب فارق السن الواضح بينهما، ولكن حلمى ينتمى إلى أسرة تضمه وأباه الأرمل المدرس. ويتعرض هؤلاء الطلبة للقبض عليهم من مجهولين، بعد أن يعبروا عن رأيهم في اللافتات القماشية التى تكتب وتعلق تأييداً للنظام الحاكم، ويتم اقتيادهم إلى مكان يجهلونه حيث يتعرضون لتهمة الانتماء إلى تنظيم حزب جماعة الإخوان المسلمين، ولما ينكرون التهمة يتعرضون للتعذيب الجسماني بناء على تعليمات "خالد صفوان" رئيس هذا الجهاز الأمني، ذي النزعة السادية المفرطة، بينما يحار أهل هؤلاء الطلبة في البحث عنهم في كل مكان بدءاً من قسم الشرطة ومروراً بمديرية الأمن وحتى جهاز المباحث العامة. إلا أن خالد صفوان يفرج عن الطلبة معتذراً بوجود سوء فهم وأن أمن البلاد القومي يقتضى هذا النوع من الحذر. ولكن يتكرر القبض على الطلبة الثلاثة ضمن آخرين، ولكن لكي يواجهوا هذه المرة تهمة الانتماء لتنظيمات شيوعية داخل مصر، وتبدأ سلسلة أخرى من التعذيب تصل إلى حد اغتصاب زينب بواسطة أحد أتباع "خالد صفوان"، وينال هذا الانتهاك من "زينب"، كما ينال التهديد باغتصاب "زينب" من إسماعيل، الذي يجهل حقيقة أنها قد اغتصبت بالفعل، فيدلى باعترافات كاذبة يرضى بها "خالد صفوان"، ولا يفرج عنهما إلا بعد تجنيدهما كمرشدين لحسابه. ومرة ثالثة يتعرض "إسماعيل" و"حلمي" للقبض عليهما، بحجة تحريض عمال المحلة الكبرى على الإضراب والتظاهر، ويشتد التعذيب وطأة عليهما، لينتهى الأمر بمصرع "حلمي" وانهيار "إسماعيل" انهياراً تاماً، وانحراف "زينب" قبل أن تتماسك من جديد، وإن كانت الظروف السياسية تتغير بحيث يحاكم "خالد صفوان" عن جرائمه، ويحاول إسماعيل أن يستعيد وعيه من جديد، خاصة بعد قيام حرب السادس من أكتوبر 1973.
3- القضايا الرئيسية التى يثيرها الفيلم من وجهة نظر حقوق الإنسان
يحتفى فيلم "الكرنك" بقضيتين رئيسيتين تسيطران سيطرة واضحة على فكر "صناعة" وهما قضيتا "الاختفاء القسري" و"التعذيب"، وإن كان الفيلم يشير إلى مسألتين أخريين تتصلان بفكرة حقوق الإنسان وهما "التجنيد للعمل لحساب الأجهزة الأمنية تحت الإكراه" و"انتهاك حرمة الحقوق الشخصية بالتنصت على المكالمات التليفونية"، وذلك من خلال اهتمام بالتفاصيل يتفاوت تفاوتاً تاماً بين هاتين المسألتين الأخيرتين.
أولاً: قضية الاختفاء القسري (الاختفاء غير الطوعى)
ويعرف الاختفاء القسري بأنه "احتجاز شخص محدد الهوية رغماً عنه"، وذلك من جانب موظفى أى فرع من أفرع الحكومة أو مستوياتها، أو من جانب مجموعات منظمة أو أفراد عاديين، بزعم أنهم يعملون باسم الحكومة أو بدعم منها أو بإذنها وبموافقتها، فتقوم هذه القوى بإخفاء مكان ذلك الشخص أو ترفض الكشف عن مصيره أو الاعتراف باحتجازه. وطبقاً للمعايير الدولية فعملية الاختفاء القسري للأشخاص تعد انتهاكاً صارخاً لمجموعة متكاملة من حقوق الإنسان (الحق في الحياة- الحرية والأمان الشخصي- الحق في سلامة الجسد من التعرض للتعذيب)" (1).
وتكفل كل من التشريعات القانونية الوطنية في مصر، والمواثيق الدولية المعلنة حماية حق الإنسان من التعرض لظاهرة الاختفاء القسري، فيتضمن الدستور المصري عدداً من المواد التى تقرر حماية الأشخاص من التعرض لذلك، وهو ما يمكن الوقوف عليه من الاطلاع على نصوص المواد الدستورية أرقام 41، 42، 57، 71، ونص المادة 280 من قانون العقوبات المصري(2)، كما تنص المادة الأولى من الإعلان المتعلق بحماية الأشخاص من الاختفاء القسري: "يعتبر كل عمل من الأعمال الخاصة بالاختفاء القسري جريمة ضد الإنسانية، ويدان بوصفه إنكاراً لمقاصد ميثاق الأمم المتحدة وانتهاكاً خطيراً وصارخاً لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التى وردت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أعادت تأكيدها وطورتها الصكوك الدولية الصادرة في هذا الشأن"(3).
إن أوال القضايا الرئيسية التى يثيرها فيلم "الكرنك" هي مسألة "الاختفاء القسري للمواطن". ولعلنا نتذكر أن ظاهرة الاختفاء القسري في مصر قد اشتهرت في عقد الستينيات من القرن العشرين باسم "زوار الفجر"، أي هؤلاء الذين ينتمون إلى الأجهزة الأمنية التابعة لسلطة الدولة ويقومون بإلقاء القبض على المواطن (أو المواطنين) في أي مكان يتواجد فيه (مسكن- عمل- طريق- نادى رياضي- دار علم... الخ) واقتياده إلى مكان مجهول للشخص نفسه (غالباً) ولذويه (عادة)، ولعل هناك من لا يزال يتذكر تلك العبارة المشهورة التى تصف مكان تواجد المواطن الذي يختفى عن ذويه قسراً بأنه "وراء الشمس". (وهناك فيلم مصري بهذا الإسم ذاته: "وراء الشمس"، كما أن هناك فيلماً أخر سابقاً له باسم "زائر الفجر"). في فيلم "الكرنك" هناك من يراقب الأنشطة الطلابية داخل أسوار الجامعة، على الرغم من أن هؤلاء الطلبة ينتمون إلى أجهزة تابعة للنظام السياسي الحاكم في الدولة ويمارسون أنشطتهم ذات الطابع السياسي من خلالها. وفى تقدير هذا المراقب المجهول أن بعض العبارات التى بتبادلها عدد من هؤلاء الطلبة في نقاشهم، تعد نوعاً من النشاط العدائي لنظام الحكم يجب حمايته منها، وهو ما يترتب عليه أن تفاجأ أسرة طالبة كلية الطب "زينب دياب" بأن هناك عدداً من الرجال المجهولين يقتحمون مسكنهم المتواضع ويفتشونه ثم يقتادون الفتاة صحبتهم في إحدى السيارات المجهولة، في نفس الوقت الذي يواجه فيه "إسماعيل" وأهل بيته نفس الموقف، حتى يتم اقتياده في سيارة أخرى، وفى النهاية يتضح أن هناك عدداً من الطلبة قد تم اقتيادهم بنفس الطريقة ولنفس المكان، وهو ما نعرفه كجهاز أمن على مستوى عال جداً، لا يحدد الفيلم ما هو، ولكن كل مشاهدي الفيلم يستقبلونه على أنه جهاز "المخابرات العامة المصرية"، وهو الأمر الذى يزداد تأكيداً بموقف الرئيس السابق لهذا الجهاز (صلاح نصر) حيث قام برفع دعوى قضائية يطلب فيها وقف عرض الفيلم لأنه –كما يدعى- يعرض بشخصه(4). ولذا كانت ظاهرة الاختفاء القسري "تشكل" نوعاً من العذاب لضحاياه الذين يظلون على جهل بمصيرهم، والذين يخافون باستمرار على حياتهم ويعلمون أن فرص حضور من يمد لهم يد المساعدة ضئيلة، فهم بعد إقصائهم عن دائرة حماية القانون واختفائهم من المجتمع محرومون بالفعل من جميع الحقوق، وقد يعانون لمدة طويلة من الآثار النفسية المترتب على هذا الشكل من أشكال تجريد الناس من صفاتهم الإنسانية، وكذلك أفراد الأسرة التى تتأرجح أحاسيسهم بين الأمل واليأس، والذين قد ينتظرون لسنوات طويلة حيث يعانون من التعذيب الذهنى البطئ، وهو التعذيب الذى يرجع إلى عدم علمهم بما إذا كان المفقود على قيد الحياة أم لا".(5) لذلك نحن نتابع في الفيلم "دياب" والد "زينب" وزوجته ومعهما "أم إسماعيل" يتلطمون في عدة أماكن تتصل بالأمن في صورتيه الجنائية والسياسية بحثاً عن الشابين، فيترددون على قسم الشرطة ثم مديرية الأمن وفى النهاية يصلون إلى جهاز المباحث العامة، ولا يصلون إلى أية نتيجة تشير إلى مصير الشابين، حيث تبدأ أسرتاهما في الإحساس بنوع من المعاناة لا حد له، خاصة أن القبض على الفتاة ليلاً واختفاءها يصاحبه أمواج من التكهنات والتفسيرات التى من الممكن أن تسئ إلى سمعتها، وهو الأمر الذى يستغله بسوء نية أحد سكان الحى الذى يطمع في الزواج من الفتاة الحسناء (راجع موقف "حسب الله" بائع الدجاج في الفيلم).
وتتكرر مسألة "الاختفاء القسري" في الفيلم في مناطق أخرى منه، فكما يتم القبض على "زينب وإسماعيل" بتهمة الاشتراك في تنظيم للإخوان المسلمين، يعاد القبض عليهما بتهمة الاشتراك في تنظيم شيوعى، ولاحقاً نشاهد القبض على "حلمى حمادة" واقتياده من مسكن أبيه، ونعلم بإعادة القبض على "إسماعيل" في نفس ليلة القبض على "حلمى"، بل إن الفيلم يقدم لنا معاناة من نوع خاص بسبب "الاختفاء القسري"، ذلك أن "قرنفلة" التى تعشق "حلمى" تعانى بسبب اختفائه المفاجئ وتحاول أن تعرف له طريقاً ولكن بلا جدوى، حتى تنهار بسبب مصرعه في النهاية، وهناك حالة أخرى للاختفاء القسري يتعرض لها عضو مجلس الشعب الذى يحتج لدى خالد صفوان على القبض على حلمى للمرة الثانية.
ثانياً: التعذيب (والتعذيب حتى الموت)
في الحقيقة أنه على الرغم مما قيل عن أن فيلم "الكرنك" يشتهر بمشاهد التعذيب العنيف، التى يحتوى عليها، إلا أننا نستطيع أن نكتشف أن هناك أقلاماً مصرية (لاحقة) أمعنت في إظهار التعذيب على الشاشة السينمائية من جهة، ومن جهة أخرى فإن فيلم "الكرنك" يقدم التعذيب من خلال قدر ملحوظ من الاستحياء، في الوقت الذى كان يعلم فيه معظم المصريين ببشاعة التعذيب الذى كان يقع على المسجونين السياسيين في عصر ما عرف باسم "مراكز القوى" ومن خلال ما عرف باسم "انحراف جهاز المخابرات العامة المصرية".
وإذا كان الفيلم يقدم الغرض من قيام خالد صفوان بدفع زبانيته إلى تعذيب مسجونيه (واشتراكه هو أحياناً في ذلك) وهو الحصول إما على معلومات من المسجون المعذب، أو على اعتراف منه بارتكاب فعل (أو إصدار قول) فيه ضرر بنظام الحكم القائم يمسه من قريب أو بعيد، فإن الفيلم يوضح تماماً أن الشخصيات الرئيسية فيه، من المسجونين المعرضين للتعذيب، عادة يجهلون التهمة المنسوبة إليهم، وبالتالى فهم لا يعلمون شيئاً من الممكن أن يفضوا به (الحصول على معلومات) ولم يقوموا بفعل شئ أو قوله، مما يعد تهمة قابلة للاعتراف بها (الحصول على اعتراف) وإن كنا سنلاحظ أنه تحت ضغط من الإكراه المعنوى يقوم "إسماعيل" بتسجيل اعترافات يمليها عليه "خالد صفوان" بنفسه ويوقع عليها، وهو يعتقد أنه بذلك يحمى "زينب" من التعرض للاغتصاب.
ومن جهة أخرى يقدم الفيلم عدداً غير قليل من وسائل التعذيب التى يواجهها المسجونون السياسيون على يد خالد صفوان وزبانيته، يعد الضرب هو أقلها، وهو هنا يعد أبسط مظاهر ما يمكن أن نسميه بـ "العنف الميكانيكى" الذى يقع على أجساد المسجونين. ويتنوع هذا الضرب إلى عدة صور، ما بين الصفع سواء على الوجه أو على القفا، واللكم والركل بالأقدام في كل مواضع أجساد المسجونين
(أو المعتقلين بالمعنى الأقرب للوصف القانوني). وبالإضافة إلى ذلك هناك نوع من الضرب الأكثر قسوة وعنفاً، وهو الضرب باستخدام العصى والهروات، والفيلم يقدم لنا مصرع "حلمى" أثناء تعرضه لهذا النوع من الضرب بالعصى والهراوات، خلال مشاجرة تقع بين المسجونين وجلاديهم.
والفصيلة الثالثة من فصائل التعذيب تتمثل في الجلد بالسياط، سواء كان الجلد يقع على جسم المسجون وهو معلق ومقيد الحركة (مصلوباً أو معلقاً إلى قائم أو على حائط) أو على جسمه وهو في غير هذه الحالات ولكنه لا يملك فرصة المقاومة. يضاف إلى ذلك التعذيب عن طريق إطلاق الكلاب المدربة على نهش الأجساد الآدمية، وتحريضها على نهش أجسام المسجونين بعد دهن أجسامهم بمواد ذات رائحة تثير شهية هذه الحيوانات لأجساد هؤلاء المسجونين. وفى مشهد واحد يقدم الفيلم الشاب "حلمى" مربوطاً إلى طاولة التعذيب لكى يتم صعقه بالكهرباء من حين لآخر، بالإضافة إلى أن "خالد صفوان" يقوم بإطفاء سيجارته في جسد الشاب المعذب، إمعاناً في تعذيبه. وإذا كانت "زينب" تتعرض لفكرة العنف الميكانيكى بنوع من التدرج (يبدأ بالصفع وينتهى بالركل) فإن أبشع ما تتعرض له من عنف هو انتهاك جسدها كأنثى حتى المواقعة الجنسية في شكل الاغتصاب الكامل. وإذا كانت بشاعة هذا النوع من التعذيب تظهر بصورة مباشرة من خلال مشهد الاغتصاب ذاته، فإنها تظهر بنفس القوة ولكن بصورة غير مباشرة في موقف "إسماعيل" الذى يقبل الاعتراف على نفسه كذباً بما لم يرتكبه من أفعال أو ينطق به من أقوال، من أجل أن يحمى "زينب" من الاغتصاب، وفيما تعانيه "زينب" في حياتها الشخصية بعد الافراج عنها، سواء بما يتمثل في حالة الاكتئاب النفسى، أو السقوط في بئر إدمان الخمر والوقوع في براثن السقوط الأخلاقى بإعادة امتهان الجسد طالما أنه أصبح مباحاً للانتهاك على مثل هذا النحو، أو في تحطيم العلاقة العاطفية بين الشابين الخطيبين عندما يكتشف "إسماعيل" أن الشيء الذى قام من أجله بالتضحية بمصيره الإنسانى قد انتهك بالفعل وكأنه ضحى من أجل لا شئ.
وفى ساحة المعتقل يتصادم المسجونين مع حراسهم وجلاديهم في مشاجرة عنيفة، يتعرض فيها المسجونون للضرب الشديد بالعصى والهراوات، فيسقط "حلمى" صريعاً تحت وطأة هذا الضرب الذى كان من الواضح أنه يتلقاه بكثافة على نحو خاص. كما يشير الفيلم إشارة سريعة إلى تعرض المسجونين للتعذيب عن طريق المنع من النوم أو الحرمان منه، وهو ما يتبع مع "إسماعيل" على وجه التحديد، حتى أنه يضطر إلى النعاس أثناء التحقيق معه، فينقطع عنه ب