معتقل الوادى الجديد.. عاصمة جهنم

 

 

علي بعد 700 كم متر جنوب القاهرة يقع سجن الوادي الجديد علي مساحة ضخمة في صحراء واحة الخارجة إحدي أشهر الواحات السياحية في مصر. افتتح السجن في 5/2/1995 ليضم 216 زنزانة موزعة علي 12 عنبراً 11 منها للسياسيين وواحد للجنائيين. وبحسب تقرير مركز «مساعدة السجناء» يضم كل عنبر 18 زنزانة تأخذ شكل حرفH ، وتبلغ مساحة الزنزانة الواحدة 24 مترا مربعا (4- 6م) بارتفاع 4 أمتار، وبكل زنزانة دورة مياه غير مسورة، مساحتها متر- متر. كما يوجد بكل زنزانة خمسة شبابيك مساحة كل منها (60 * 40سم) وترتفع عن أرض الزنزانة حوالي 3 أمتار، وشبابيك الزنزانة لا تسمح بدخول أشعة الشمس أو الهواء النقي لأنها تطل علي المناور الداخلية التي تحتوي علي مواسير الصرف الصحي، ويتكدس داخل كل زنزانة ما بين 20 و25 معتقلا." ورغم أن تقرير المركز لا يتحدث عن أعداد المعتقلين بداخله فإن تقرير المنظمة المصرية يشير إلي وجود 4000 معتقل سياسي معتقلين في الوادي الجديد.

سجن الوادي الجديد يعتبر حالة نموذجية في السجون والمعتقلات المصرية. فمساحته الضخمة وموقعه في قلب الصحراء- يبعد عن أسيوط 230 كم- فضلا عن المعاملة التي يلقاها المعتقلون داخله. تجعل منه كابوسا دائما للمعتقلين. خاصة أنه فور إنشاء المبني في 1995 بدأت حملات التغريب لمئات المعتقلين من سجون دمنهور واستقبال طرة وأبوزعبل الصناعي لتصب في سجن الوادي الجديد.

3251 حكما بالإفراج والداخلية ترفض

جاء افتتاح سجن الوادي كفرصة للسجون القديمة كي تتنفس قليلا خاصة بعد أن وصلت أعداد المعتقلين في السجون المصرية من أعضاء الجماعتين الإسلامية والجهاد فقط- حسب محامي الجماعات ممدوح إسماعيل- إلي آلاف المعتقلين تكدس أغلبهم في سجون استقبال طره والعقرب ودمنهور وأبو زعبل.

كانت تغريبات المعتقلين من سجن لآخر يتبعها تغريبة الأهالي. فشهادة أسرة المعتقل إبراهيم عبد الرازق سلامة والتي أرسلتها لمركز مساعدة السجناء تصف نوعاً آخر من عذاب أهالي المعتقلين فتقول "فقبل بوابة السجن بحوالي كيلو ونصف ننزل من العربة ونحمل ما أتينا به علي أكتافنا ورءوسنا ونمشي هذه المسافة حتي نصل إلي البوابة. وهناك نتعرض للتفتيش والبهدلة، وبعد ذلك نمشي كيلو ونصف الكيلومتر مرة أخري ثم نجلس في الاستراحة حوالي ساعتين، يقوم الحرس خلالها بأخذ تصاريح الزيارة منا والبطاقات الشخصية الخاصة بالزائرين. وبعد ذلك ينادون علي الزائرين، فنحمل أشياءنا إلي البوابة الكبيرة" وتضيف الشهادة "ويعاملوننا معاملة سيئة وكأننا لسنا بني آدميين. ولا يسمحون إلا بدخول كمية ضئيلة من الطعام بعد نزع العظام من الفراخ واللحوم وتقطيع الأكل وتفعيصه. والمؤلم جدا، أنه بعد ذلك يدخل أكثر من مائة شخص مرة واحدة إلي مكان الزيارة، لا نسمع صوت بعضنا كما لا نري وجه أخي بوضوح من وراء السلك، وبعد أقل من خمس دقائق ينهون الزيارة. وبعد الخروج نسمع صوت بكاء العديد من الأسر التي لم تستطع رؤية أبنائها بسبب الزحام الشديد". لجأ الأهالي للمنظمات الحقوقية والقضاء فحصلوا علي 3251 حكما قضائيا شامل النفاذ بالإفراج عن ذويهم المعتقلين دون تهمة وحتي الآن ترقد الأحكام في مكاتب أمن الدولة بلا حراك.

من ناحية أخري لا تقتصر المعاناة علي أهالي المعتقلين فقط. ففي العام 1997 وبعد انتشار مرضي الجرب والدرن في السجون المصرية خاصة بين السياسيين. أرسلت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان خطابا مفتوحا لوزيري الداخلية والصحة في محاولة لإيقاف توحش هذين المرضين خاصة أن عددا من المعتقلين توفوا نتيجة التعذيب والمرض داخل العنابر. ورغم أن الداخلية لم ترد علي عشرات الرسائل الحقوقية حتي الآن إلا أن وزارة الصحة حاولت حفظ ماء وجهها فأعلنت حملة لمكافحة الدرن في السجون المصرية وبالفعل تشكلت لجنة من ثلاثة أطباء وسيارة إسعاف لفحص آلاف المعتقلين. ورغم تلك الخطوة المفاجئة لوزارة الصحة إلا أنها توقفت في سجني الوادي الجديد ودمنهور خاصة بعد أن اكتشفت- بحسب تقرير المنظمة- أن 70 % من السجناء مصابون بالدرن في كل منهما. فانسحبت فورا من المشهد تاركة مصير المعتقلين معلقا حتي الآن.

ضباط ومعتقلون:الزي الرسمي للتعذيب

في سجن الوادي تنتقي الداخلية ضباطها بعناية. فموقع السجن كجيب صحراوي معزول عن العالم يتيح لضباطه إحكام الخناق حول المعتقلين سياسيا. كان العميد ع. عطوة أول مأمور لسجن الوادي الجديد يظهر اسمه الحقيقي في تقارير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان وشهادات المعتقلين. فالرجل الذي ترأس قوات أمن طرة لسنوات عديدة وقاد حملات تفتيش دورية علي سجون الليمان والعقرب تعرض خلالها المعتقلون- حسب الشهادات التي نشرتها «البديل»- لتعذيب استمر طيلة الحملة حتي أوشك بعضهم علي الموت من الضرب. هو نفس الرجل الذي كافأته الداخلية فترقي لرتبة العميد ثم نقل إلي سجن الوادي الجديد كمأمور. وفي الصحراء أطلق عطوة يده في المعتقلين فبدأت حملات التأديب بشكل دوري ودون إبداء الأسباب. تقول زوجة المعتقل محمد منجود "طاف زوجي علي عدة معتقلات وتعرض لمختلف أنواع التعذيب رغم أنه مقيد في جداول السجن تحت بند الاشتباه منذ 1996 وحتي الآن.. تعرض زوجي للضرب حتي فقد القدرة علي السمع بأذنه اليمني بأمر مباشر من عطوة في سجن العقرب فهدد برفع قضية ضد الضابط وحين تم نقله كمأمور للواحات فوجئ زوجي بانتقاله في نفس اليوم للمعتقل ليظل في التأديب ويتعرض للضرب والتعليق 20 يوما" تضيف الشهادة "الآن يعاني زوجي الأمرين فهو ممنوع من الزيارة ولا نعرف عنه شيئا إلا من أهالي المعتقلين الآخرين وقد حصلنا علي 12 حكماً قضائياً ضد وزارة الداخلية ولم يتغير شيء".

ذهب عطوه بعد أن ترك بصمته الدموية علي المعتقلين في الواحات ليأتي خلفه العميد م. زهران- مأمور- والعقيد س. فضالي نائب مأمور. بدأت عمليات التغريب لمعتقلي الواحات أيضا بلا سبب من زنزانة لأخري ومن سجن لآخر في محاولة من الداخلية للرد علي رفض معتقلي الجهاد مبادرة "سيد إمام" التي انطلقت من سجن العقرب. التغريب لم يكن حيلة الداخلية الوحيدة ففي رسالة نشرها موقع «التعذيب في مصر» أوضح المعتقلون في الواحات ما يعترضون له. وقد أفاد المعتقلون في رسالتهم أنهم "تعرضوا للضرب المبرح والسباب وسوء المعاملة حتي الوجبات الغذائية التي تقدم من مواد منتهية الصلاحية فضلا عن التغريب والتعذيب المستمر "وهو الأمر الذي دفع المعتقل" أحمد عبد الصادق إبراهيم "لمحاولة الانتحار خاصة بعد أن تم تقييده بالسلاسل وتعرضه للتعذيب علي يد نائب مأمور السجن إلا أن زملاء المعتقل نجحوا في إنقاذ حياة زميلهم. وفور وصول الخبر للإدارة عاقبه العقيد علي فشله في الإنتحار فتم تقييده وتعذيبه مرة أخري. نفس الأمر تكرر مع المعتقل محمد عبد الفتاح الشهير بمحمد نصار الذي فضل ابتلاع المسامير وقطع شرايين يده علي الحياة تحت التعذيب. فتركته إدارة السجن ينزف حتي الموت في 26/12/2006 حسب ما نشر موقع مصريون ضد التعذيب.

نائب المأمور لم يختلف كثيرا عن المأمور نفسه (م) فمحمد الدريني أمين المجلس الأعلي لآل البيت يذكر في بلاغه رقم 3112 المقدم للنائب العام أنه "تفاقمت حالتي الصحية وأضربت عن الطعام وقام مأمور المعتقل (ممدوح زاهر) ومسئول أمن الدولة (خالد خلف الله) بمنع الماء عني لمدة ثمانية أيام لولا تدخل الدكتور (محمد مصطفي) في اليوم الخامس وأعطاني محاليل خشية علي حياتي ثم قيام ضابط أمن الدولة (هشام الشراباصي) بمحاولة قتلي وهو يقول لي اثناء تعذيبي (اصرخ وقل يا بوش..لن يسمعك) لولا تدخل أحد ضباط السجن وآخرين واسعافي من جانب مستشفي السجن". يضيف الدريني "لقد تعرضت لسلسلة من الانتهاكات الخطيرة وأوجه الاتهام الي الرئيس حسني مبارك واللواء حبيب العادلي ورئيسي جهاز مباحث أمن الدولة السابق والحالي واللواء مصطفي رفعت رئيس النشاط الديني بالجهاز بالإضافة إلي أسماء الضباط المذكورين أعلاه وآخرين لا أعرفهم_ في عاصمة جهنم- الذين عذبوني".

مبادرات الداخلية: التوقيع بالدم

نجحت مبادرة الجماعة الإسلامية علي الأقل في إخراج آلاف السجناء للحياة. كان هذا النجاح مضبوطا علي إيقاع الداخلية. فردت الجماعة الجميل عبر موقعها الإلكتروني الذي وصف موقف ضباط الداخلية من الجماعة بأنها " العقول الواعية في مصر التي تفكر بطريقة أخري. فقد كان من السهل أن تبطش بمن في أيديها من المعتقلين. فالفرصة سانحة ولن يلومها أحد.. كم كان من السهل أن تدير ظهرها لمبادرة وقف العنف ولن يعتب عليها أحد. ولكن مصر التي تحتضن أبناءها وتحنو عليهم لم تكن لتنتهز الفرصة للانتقام من أبنائها.. بل هي تفتح ذراعيها لهم ليعودوا إليها "


أغلب أعضاء الجماعة وقع علي المبادرة. ورغم أن شهادات الموقع الرسمي تعطي تصورا خياليا عن حفلات ومهرجانات شعر واكبت رحلة ناجح ابراهيم وكرم زهدي من سجن لآخر إلا أن هناك ما كان له رأي آخر. يقول محمد عبد السلام المعتقل السابق الذي عاصر زيارة الجماعة لسجن الواحات " المبادرة كانت حملة للتوسل أمام الجميع. وأغلب من رأيتهم كان رافضا لها لكن زيارة القيادات سبقتها مجموعة طويلة من التغريبات لقيادات الصف الثاني التي جهرت برفض المبادرة كما تعرض البعض للتعذيب قبل الزيارة بأيام والتهديدات بالقتل استمرت لكل من حاول مناقشة شيء" يضيف محمد "كان المعتقل يمتلئ بالذين وقعوا علي إقرارات التوبة بسقفها المنخفض جدا وقبل كثيرون العمل لصالح الأمن فكانت المبادرة تحصيل حاصل أرادت الداخلية للقيادات أن يظلوا في مواقعهم علي الأقل أمام الإخوة خاصة بعد أن تحول بعض الشباب لأفكار الجهاد والسلفية الجهادية داخل السجن. "

لم تكن مبادرة الجماعة الإسلامية هي الوحيدة فهناك مبادرة سيد إمام الخاصة بجماعة الجهاد والتي ظهرت منذ عامين في وسائل الإعلام ولا تزال تلقي الرفض. ففي رسالة المعتقلين من جماعة الجهاد للمنظمة العربية لحقوق الإنسان وبعض المواقع الإلكترونية رفض غالبية الجهاديين التنازل عن أفكارهم بل ورفضوا حتي الاعتراف بسيد إمام كقيادة. وهو الأمر الذي أوقع الداخلية في حرج شديد فبدأت حملات تفتيش منظمة في سجون طرة ودمنهور والواحات والفيوم. وهي الحملات التي استهدفت كل من رفض المبادرة وحاول الاتصال بوسائل الإعلام لتوضيح موقف المعتقلين منها. وكان نصيب سجن الوادي الجديد ضخما كالعادة. فظهرت أولي حملات الداخلية بقيادة خالد خلف الله مسئول أمن الدولة بسجن الواحات.
زادت هذه الحملات من معاناة 4000 معتقل بسجن الواحات. كما اتخذت إدارة السجن إجراءات أكثر تشددا فمنعت الزيارة عن مئات المعتقلين ووضعتهم في الحبس الانفرادي فأضرب العشرات داخل السجن عن الطعام حتي شارف بعضهم علي الوفاة. في نفس الوقت كانت الإدارة ترفض إبلاغ النيابة أو تسجيل وجود إضرابات من الأساس فضلا عن استمرار منع الزيارة وحملات التفتيش التي أحالت حياة المعتقلين إلي جحيم.

تحفة وسط الصحراء

لم يكن إطلاق لقب "باستيل مصر" علي سجن الوادي الجديد اجتهادا من أحد لكنه كان عنوان التقرير الذي أعده مجموعة من نشطاء حقوق الإنسان بمركز مساعدة السجناء حول ما يحدث في سجن الواحات. فالمكان الذي تصفه التقارير الحقوقية كأسوأ المعتقلات المصرية من حيث التعتيم الإعلامي وشيوع الأمراض وممارسة التعذيب المنظم. تعتبره الداخلية تحفتها في الصحراء.
فحسب تقرير المركز فإن "سجن الوادي الجديد مصمم كمنفي قسري للمعتقلين سياسيا.. كما أن قرار الاعتقال بدون محاكمة يغير صفة المعتقلين القانونية فيمنعهم من الاحتماء بالمادة 174 من قانون العقوبات التي تفرض علي الداخلية شروطا معينة لمكان الاحتجاز وطبيعة التعامل مع المحتجزين" أما تقرير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان فيصف سجن الوادي الجديد بأنه إحدي البؤر الهامة لممارسة التعذيب علي نطاق واسع ففيه يختفي تماما 4000 معتقل سياسي أغلبهم اعتقل دون توجيه تهمة معينة".

كما رصدت «البديل»- في تحقيقات أخري- أسماء ضباط متهمين بالتعذيب وصلوا جميعا لسجن الواحات في مراكز قيادية كالضابط عمر عطوة وممدوح زهران وأحمد خلف الله وياسر محمد وغيرهم ممن انتقلوا للعمل في معتقل الواحات من سجون أكثر عراقة في التعذيب كالعقرب ودمنهور ليضيفوا لمساتهم الخاصة علي آلاف المعتقلين بسجن الواحات