عالم الكيمياء الذي حولت الداخلية اسمه إلي أخطر مقر أمني في الشرق الأوسط

 

علي بعد أمتار من ميدان الجزيرة تلف حالة من الصمت والحذر شارع جابر بن حيان،  فالمكان الذي يبدو لأول وهلة خارجا عن المألوف في شوارع القاهرة الكبري بإضاءته الخافتة و هدوئه الحذر محفور في ذاكرة العديد من السياسيين المصريين كمقر رسمي لإدارة أمن الدولة بالجيزة حيث صدر قرار رئاسي بنقل الإدارة لتصبح علي بعد خطوات من فيلا السادات - نائب رئيس الجمهورية في ذلك الوقت  خاصة بعد أن انطلقت مظاهرات الطلبة عام 1968 لتكسر حاجز الصمت متوجهة نحو منزل نائب الرئيس مما تطلب وقتها وبطلب رسمي من السادات مزيدا من الضمانات الأمنية لرجال النظام.

الفيلا التي سرعان ما اختفي سكانها الأصليون تحولت خلال أسبوع واحد لثكنة عسكرية حقيقية . فبدأت المتاريس في الظهور وتدفقت سيارات الترحيلات و علي عجل تم استدعاء بعض المهندسين العسكريين لأعمال البناء التي رأت القيادات الأمنية في ذلك الوقت حتمية وجودها . فتم توسيع الفيلا وإصدار أوامر شفوية تشدد علي سرية رسوم وماكيتات بناءين استقرا في مؤخرة الفيلا .فلم يبق مع ملامح المكان سوي حديقة واسعة في المدخل تركها رجال الأمن للظروف والتساهيل
كان ماحدث في الجامعات عام 1968 أكبر من مجرد محاولة لتنفيس غضب جماهير شابة موعودة بالنصر الحتمي . فبدأت حقبة السادات الأولي وعينه علي  الطلبة الذين هددوا منزله قبل أعوام قلائل . فتقرر وقتها إخلاء فيلا مجاورة وإزالة المباني المحيطة عدا مبني قديم من خمسة طوابق مع إصدار مدير أمن الجيزة و عدد من ضباط الأمن تعليمات مشددة لسكان العقار الوحيد الذي بقي علي حاله في الثلث الأخير من شارع جابر بن حيان بعدم فتح النوافذ نهائيا مع التلويح بالعصا الأمنية علي سبيل التهديد أو التعود . لم يمر وقت طويل من السكون في جابر بن حيان حيث جاءت رياح التغيير السياسي بانقلاب في طبيعة المكان . فرغم حالة الصمت التي ظل يغرق فيها تحول إلي مركز تجميع لمعتقلين من الاخوان تم الإفراج عنهم في صفقة سياسية معلنة مع نظام السادات . في ذلك الوقت تفرغت مديرية أمن الجيزة لملاحقة النشطاء اليساريين و الناصريين بمختلف الوسائل

.
مقر أمن الدولة في جابر بن حيان وكما يبدو لم يفقد دوره ولا بريقه لدي الأجهزة الأمنية . فمع انتهاء السادات كنظام وشخص في حادثة المنصة الدموية تحول نفس المقر الذي شهد تنفيذ الصفقة بين الإخوان والنظام لمركز مهم من مراكز احتجاز أعضاء الجماعات المسلحة و انتزاع الاعترافات منهم . ويبدو أن ما راكمته الداخلية من خبرات خيالية في هذا المجال قد ظهرت ثماره منذ أواخر الثمانينات وحتي اليوم . من ناحية أخري فإن عملية تطوير شاملة بدأت مع العام 1989 قد طالت جابر بن حيان وصنعت معظم أساطيره . فالمكان الذي تأسس في البداية علي مساحة فيلا واحدة قد تمدد أفقيا ليتبخر مرة أخري سكان فيلا مجاورة و يتوسع الكردون الأمني و محيط الحوائط الأسمنتية ليضم الفيلتين معا وبدأت ماكينات الإنشاء في تدشين ثلاثة مبان  أخري، في الفيلا الجديدة ثم بناء خمس زنازين تحت الأرض بعدة أمتار أسفل الحديقة في الفيلا الأصلية 


 من الجيزة إلي الصحراء نظرية واحدة للداخلية : الأمن باب وترباس
المقر الرسمي الذي تجاوز مساحة 800 متر مربع مع أطواقه الأمنية أصبح منذ عدة أعوام - بعد 11سبتمبر- أضيق من أن يتسع لكل المترددين عليه خاصة بعد أن اصبحت سمعته كمؤسسة اعتقال شرسة ذات طبيعة دولية


 فأغلب من تم ترحيلهم من الخارج يمرون - علي سبيل التبرك احيانا  - بجابر بن حيان . لذلك صدر قرار رئاسي في مارس 2005 للبدء في نقل مقر جابر بن حيان من الجيزة إلي صحراء السادس من أكتوبر علي بعد 2 كم من مدخل مدينة الشيخ زايد ليفتتح المقر الجديد في 2007 حاملا خلاصة خبرة الأمن المصري . ويعلق معتقل سابق بجابر بن حيان علي المكان الجديد قائلا " رغم جميع التدابير التي اتخذتها الداخلية لتبقي علي تصميم المعتقل الجديد سرا إلا أن مجرد مرورك في طريق القاهرة الشيخ زايد ومع ارتفاع الطريق لمسافة 5 أمتار يمكنك أن تشاهد جميع التفاصيل الظاهرة للمعتقل ودون أن تكترث للافتة قديمة معلقة بالجوار تمنع التصوير والاقتراب الذي يحدث كلما مرت سيارة أجرة "

.
ويتكون المقر الجديد لجابر بن حيان من مبنيين أساسيين يفصل بينهما سور حديدي قوي وعدد ضخم من الحراس بزي القوات الخاصة . فالمبني الأول والذي يشغل حوالي ثلثي المساحة العمرانية من المكان ككل صمم علي شكل كتاب مفتوح أو مثلث اسمنتي ضخم قاعدته ترتكز علي أسوار المعتقل نفسه . وعلمت البديل أن هذا المبني الضخم ممنوع علي جميع أفراد الأمن و حتي الضباط من الاقتراب منه أو طلب دخوله إلا بتصريح خاص من اللواء مدير مقر جابر بن حيان نفسه . ومع وجود التصريح - بحسب نفس المصدر- يجب أن يترك الداخلون إلي هذا المكان عبر السور الفاصل أسلحتهم الشخصية ويرافق الداخلون من جميع الرتب إلي داخل المبني أفراد أمن يرتدون زي القوات الخاصة . و تسري إشاعات وسط أفراد الأمن نقلا عن الضباط أن هذا المبني به مكاتب جهات سيادية لم يعرف طبيعتها أحد 

.
وعلي الرغم من الرهبة التي يتحدث بها أفراد الأمن داخل المقر عن هذا المبني فإن مجرد المرور العابر في الطريق إلي الشيخ زايد  يكشف العديد من ابراج الاتصالات علي سطح المبني دون غيره و هي ملاحظة يتندر بها ركاب سيارات الأجرة علي الوجه الزائف للسرية فرغم أن السائقين لا يتوقفون أمام هذا المقر بمجرد الغريزة إلا أن تعليقات ونكات الركاب غالبا ما تتوجه نحو السر الأمني الذي يعرفه الجميع .


المبني الآخر المواجه والذي يبدو بعيدا عن عيون المارة . مكون من ثلاثة طوابق تم تصميمه علي شكل زهرة اللوتس مع مبني صغير ملحق  . وبحسب معتقلين سابقين فإن أهمية أدوار المبني الرئيسي تتزايد مع الارتفاع . فمثلا  الدور الأول من المبني عبارة عن ممر طويل يحتوي علي 3 مكاتب رئيسية  منفصلة تشمل مكتب متابعة المناطق الشعبية ثم مكتب النشاط الديني وهو مخصص لإصدار تصاريح دعاة وشيوخ المساجد . ويلي مكتب النشاط الديني وحدة جمع المعلومات و هي مختصة بتقارير المتابعة التي تأتي من مديرية أمن الجيزة و المقر القديم لإدارة أمن الدولة بشارع جابر بن حيان .


ويعتبر الدور الثاني في مبني اللوتس  الأكثر أهمية فيحتوي علي 7 مكاتب منفصلة يتصدرها مكتب الإخوان - مكتب مكافحة النشاط الإخواني - ويعتبر أكبر المكاتب حجما فبداخله 4 ضباط  ويأخذ الأرقام من 201 إلي 204 ثم يأتي مكتب مكافحة النشاط السلفي ويليه مكتب مكافحة الطوائف الذي يختص بنشاط الجماعات الصوفية والبهائيين فضلا عن نشاط بعض مثقفي النوبة وتحركات رجال القبائل في سيناء ومطروح . ويأتي مكتب مكافحة النشاط الشيعي صاحب أقصر تاريخ من حيث الإنشاء في الإدارة حيث استقر العرف علي ان يضم مكتب الطوائف ملفات عن انشطة الشيعة المصريين لكن قرارا إداريا من وزير الداخلية الحالي تقرر بموجبه إنشاء مكتب متخصص في كل إدارات أمن الدولة بالجمهورية بحيث تكون مماثلة لتلك الموجود بالوزارة .


ولم تحرم وزارة الداخلية نشطاء الإنترنت من نعمة المكتب المستقل فأنشئ مكتب الإنترنت - مكتب مكافحة نشاط الإنترنت - بنفس الدور حيث انفرد بصالة واسعة من الاجهزة ورئاسة عميد يدعي " عصام " مع مجموعة من الضباط الذين تخرجوا من أكاديمية الشرطة كضباط مهندسين

.
في آخر الممر يقع مكتب مغلق علي الدوام وهو المكتب الوحيد الذي لا يحمل أرقاما مثل باقي المكاتب . وربما يرجع ذلك لطبيعة مهامه فهو المكتب المخصص لوحدة التدخل السريع . ويجاوره مكتب النوبتجية و مركز الاتصالات .


يقول أحد المعتقلين السابقين - أفرج عنه قبل عدة أشهر فقط -  عن الدور الثالث " نعرف أنه مخصص للجماعات المسلحة في الخارج مثل القاعدة . ايضا كان بعض العساكر يهددون المعتقلين به مما جعلنا نتوقع وجود غرف تعذيب متخصصة خاصة أن المقر القديم لجابر بن حيان كان يحتوي علي غرف تعذيب مختلفة يطلق عليها المعتقلون السلخانة ".
أما المبني الملحق فرغم صغر مساحته النسبية و ارتفاعه لدورين فقط إلا أن وجوده جاء إكمالا لسلسلة مكاتب الداخلية لمكافحة كل شيء . فالدور الأول بأكمله يقع تحت سيطرة مكتب مكافحة التبشير وهو مكتب متخصص في متابعة أحوال الكنائس المصرية و البعثات الأجنبية ذات الطابع الديني كما يهتم بشكل خاص بالكنائس البروتستانتية. و يشرف هذا المكتب علي جميع أعمال الكنائس و مناسبات المسيحيين في الجيزة بشكل دائم . وقد خصصت إدارة جابر بن حيان الدور الثالث لمكتب مكافحة الشيوعية يقودها أحد أشرس ضباط الداخلية ( الرائد خالد الوحش ) والذي سبق أن أشرف بنفسه علي المكتب المجاور والمختص بمكافحة النشاط الطلابي داخل الجامعات . وفي آخر الممر يوجد مكتب مكافحة المجتمع المدني والذي يشرف عليه المقدم ( أشرف الروبي )  حيث يركز المكتب جهده الأساسي علي تدريب مندوبي و أمناء الشرطة علي طرق إفشال فعاليات المجتمع المدني خاصة تلك التي تربط الواقع السياسي بالحياة اليومية للمواطنين

.
وكما يبدو فإن انتقال مقر إدارة مباحث أمن الدولة من موطنها الأصلي بالجيزة إلي صحراء الشيخ زايد لم يغير شيئا في العقلية الأمنية فبغض النظر عن المساحة الشاسعة التي وفرها فراغ الصحراء مقارنة بتكدس الجيزة لم يتغير شيء سواء في طريقة المعاملة أو أساليب الاستجواب فضلا عن فترات الاحتجاز التي طالت  . ورغم أن الانتقال لمقر جديد خارج الكتلة السكانية-  التي أصبح الابتعاد عنها حاليا طريقة مفضلة للداخلية - قد تم بالفعل إلا أن إبقاء الداخلية علي المقر القديم ونفس درجة الغموض والتوتر الذي يحيط بوجوده في قلب الجيزة فضلا عن الوجود الأمني الكثيف حوله يرجح لاستخدام المكان خاصة مع وجود 5 زنازين جاهزة تحت الأرض تحسبا لتكدس هنا أو هناك .  يقول ( أ . س ) المعتقل السابق في المقرين القديم والجديد " لا شيء تغير في ابن حيان فقط زادت مساحة مكاتب الضباط وغرف التحقيق ثلاثة أضعاف فيما ظلت الزنازين علي حالها بل أكثر سوءا فلم يعد هناك بلاط علي الارض كما في نسخة الجيزة بل اسفلت شديد الرطوبة مما يجعل النوم جزءا من التعذيب


تحت شعار سيب وأنا اسيب: إضرابات المعتقلين صداع في رأس الداخلية
يروي المعتقلون في المقر الصحراوي سيرا غريبة عن الزنازين فرغم المساحة الضخمة التي يحتلها جابر بن حيان في الصحراء فإن جميع الزنازين تقع تحت الأرض للدورين متتاليين . فتحت المبني الذي يتخصص في مكافحة كل شيء يهبط المعتقلون لدورين تحت الأرض معصوبي الأعين و مقيدي الأيدي من الخلف لدورين تحت الأرض الأول مخصص كجراج لسيارات المهام الخاصة و الثاني لأسفل يحتوي علي عنابر متعددة من الزنازين حيث يقسم المعتقلون إلي نوعين منها الاول بمساحة 1في 2 متر ومتوسط عدد المعتقلين بها 10 معتقلين لكل زنزانة أما الزنازين الاكبر حجما - مقاس 3 في أربعة - وحسب روايات المعتقلين فلا تقل عن 30 معتقلا وقد يصل عددهم بعد عدة أيام إلي ما يقارب المائة . فضلا عن ذلك فإن أسفل هذه العنابر-أي علي بعد أكثر من دورين تحت الارض - عنبر مخصوص لا يخرج منه أحد و يتم التحقيق مع نزلائه داخله حسب روايات المعتقلين .
الغريب أنه رغم كل الاحتياطات الأمنية المشددة حول المقر الصحراوي فضلا عن وجوده في منطقة مهجورة أصلا إلا أن الداخلية وضباطها مصابون بحالة دائمة من الارتباك خاصة حين تصلهم أخبار عن إضراب المعتقلين عن الطعام أو قيامهم بأيةاجراءات احتجاجية داخل السجن . يروي أحد المعتقلين قصته " حشرونا في سيارة الترحيلات وكنا قرابة الخمسين و اغلقوا الأبواب و النوافذ حتي نصل لمقر جابر بن حيان بالجيزة وهناك تركونا بالداخل حتي كاد بعضنا يختنق . بدأ بعضنا بالطرق بعنف علي جدران الزنزانة المتحركة ثم دبت حالة من النشاط في الجميع فبدا كما لو كانت السيارة ستنقلب من شدة الطرقات . فوجئنا بالمقدم فهد الشيخ - مسئول شرق القاهرة السابق - ومعه بعض القيادات في زي مدني يفتحون باب السيارة . توقعت كما الجميع أن ينهال علينا عساكر الأمن المركزي بالعصي ولكن الغريب أن رعب الضابط من الحالة العصبية التي كنا فيها قد جعله يأمر العساكر بفك الكلابشات وفتح جميع منافذ السيارة . وتكرر الموقف بعد عدة أيام حين تم ترحيلنا للمقر الصحراوي. فبعض المعتقلين أعلنوا إضرابا  مفتوحا عن الطعام حتي صرف ملابس ونمر جديدة والسماح بدخول أدوية للمرضي . وحاول الأمن استخدام التهديد فرد المعتقلون بتهديدات ذكرت الضباط بما حدث مع مجموعة من جماعة الجهاد اختطفت بعض أمناء الشرطة والضباط إلي داخل الزنزانة قبل سنوات.  فسادت حالة من الذعر وسط الضباط و كان واضحا مدي ارتباك الجميع حتي تسرب الامر لأمناء الشرطة المكلفين بمراقبتنا داخل الزنازين فتركوا الخدمة حتي يتصرف الباشا . "
كما أكد لـ «البديل» أحد أفراد الأمن السابقين داخل المقر الصحراوي حالة الارتباك التي تسود الداخلية فوجود مجموعة مضربة عن الطعام يسبب كابوسا بالنسبة لهم، فوتيرة الملاحقات القضائية و انتشار مراكز حقوق الإنسان بالاضافة لوعي الضباط أنفسهم أن الداخلية لم تعد قادرة علي حماية أحد بشكل كامل خاصة إن وصل الأمر للإعلام. ويقول آخر معقبا علي كلام زميله " الواحد منا عبد المأمور وحتي الباشا اللي في المكتب مرعوب من الغلط . واللي بيتفضح في الصحافة والموضوع بيبقي جد بيعاملوه زي ما يكون أجرب