خصصت صحيفة "البديل" فى عددها ليوم الجمعة، صفحة بعنوان "التغريبة"، تعرض من خلالها تاريخ واحوال السجون والمعتقلات المصرية المنتشرة فى انحاء البلاد. متضمنة بعض
الانتهاكات التى تشهدها هذه المقار الامنية.
وفى "في بلد المليون و250 ألف جندي أمن مركزي و51 سجناً ومعتقلا "، تقدم الصحيفة اسبوعيا ما يقترب من الدليل للسجون ومراكز الاحتجاز ومقار امن الدولة فى مصر.يحررها الاستاذ احمد محجوب تجدر الاشارة الى ان مركز "النديم" للتأهيل النفسى لضحايا العتف ، صنف "البديل" كأثكير الجرائد المصرية تغطية لاخبار التعذيب والعنف الامنى خلال الاشهر الست الاخيرة من العام الماضى 2007
سنواصل نشر الحلقات تباعا
فكرة سلسلة السجون شديدة الحراسة اقترحها مجموعة من الضباط بعد عودتهم من بعثة تدريبية في الولايات المتحدة الأمريكية، استغرقت خمس سنوات تدربوا أثناءها علي يد خبراء المباحث الفيدرالية، واعتبرتها الداخلية فكرة خلاقة وكافية لسد ما اعتبرته عجزا في سياستها مع الجماعات المسلحة بشكل خاص.
في عام 1991 بدأ وزير الداخلية، السابق، حسن الألفي ومجموعة من مساعديه، منهم اللواء حبيب العادلي مساعد الوزير لشئون أمن الدولة وقتها، في تجهيز هذه الأفكار «الأمريكاني» ووضعها علي أولوية التنفيذ الفوري .
كانت الانطلاقة، في نفس العام، من سجن طرة شديد الحراسة المعروف بعد ذلك، بين المعتقلين، بسجن العقرب
استغرقت أعمال البناء في «العقرب» عامين، ليتم الانتهاء منه في 30/5/1993، ويتكون السجن من 320 زنزانة مقسمة علي 4 عنابر أفقية تأخذ شكل الحرف H، بكل زنزانة لمبة قوتها 100 وات تتحكم بها تقلبات السياسة العقابية في إدارة السجن، بحيث تستطيع الإدارة قطع المياة والإضاءة وغلق الشبابيك حسب ما تراه مناسبا. من ناحية أخري خصص الرسم الهندسي مساحة 25 مترًا - 15 مترًا علي شكل الحرف L بغرض التريض «أحيانا»، كما تستخدم 20 زنزانة كعنابر تأديب خاصة بالمعتقلين السياسيين يمنع عنهم فيها الإضاءة وتبادل الحديث.
فور الانتهاء من بناء السجن وضعت الداخلية جداول لنقل المعتقلين من سجون «ليمان واستقبال طرة وأبو زعبل» إلي السجن الجديد، حتي جمعت الداخلية قرابة 1500 معتقل من منطقة طرة القديمة وخارجها، وتم ترحيل الجميع لزنازين شديد الحراسة الجديد ليكون يوم دخولهم هو يوم الافتتاح الرسمي للعقرب بتاريخ 26/6/1993، الذي حضره «العادلي»، مساعد الوزير النشط، الذي حرص علي أن يكون السجن الجديد ناجحا من حيث قدرته علي إخفاء المعتقلين، واستنطاقهم بمختلف الطرق.
يقع العقرب، أو طرة شديد الحراسة، علي بعد 2 كم من بوابة منطقة سجون طرة الرسمية، إلا أن وضعه كسجن شديد الحراسة، وكآخر العنقود في سلسلة طرة الشهيرة، جعل موقعه، رغم أنه في مؤخرة السجون، مميزا فهو محاط بسور يبلغ ارتفاعه سبعة أمتار وبوابات مصفحة من الداخل والخارج كما أن مكاتب الضباط تقع بالكامل خلف الحواجز والقضبان الحديدية.
كل عنبر، في شديد الحراسة، ينفصل بشكل كامل عن باقي السجن بمجرد غلق بوابته الخارجية المصفحة فلا يتمكن المعتقلون حتي من التواصل عبر الزنازين، كما يفعل المساجين في السجون العادية، نتيجة الكميات الهائلة من الخرسانة المسلحة التي تمنع وصول الصوت.
الفسحة التي لا تتجاوز المشي علي أرضية أسمنتية صلبة لمسافة 25 مترًا تنتهي في الثالثة عصرا ويتم إغلاق جميع أبواب الزنازين، لاحظ أن العنابر مغلقة من البداية أصلا.
محمود علي العباسي، معتقل تم الإفراج عنه منذ شهور، يقول: الفسحة لم تكن للجميع، 20 زنزانة فقط يسمح لهم بالمشي في الممر الأسمنتي، وهؤلاء في عنبر واحد، وأغلبهم ممن تسميهم الداخلية «التائبين» الذين وقعوا علي أطنان من الوثائق التي تدين العنف منذ أواخر التسعينيات، ومع ذلك لم يروا الشمس حتي الآن، يحكي محمود قصته قائلا: اعتقلت في 1991 مع مجموعة من الشباب في منطقة الزاوية الحمراء، وكانت التهمة الانتماء لتنظيم طلائع الفتح، رغم أن القضاء برأ ساحتي، فأنا لم أكن عضوا بالتنظيم وكل ما هنالك أنني كنت أحضر الصلاة بانتظام داخل «مسجد القدوس» ولم أسمع اسم هذا التنظيم، ولا حتي التهمة الموجهة إلي إلا بعد ثمانية أشهر من الاعتقال والتعذيب في مقار أمن الدولة.
من طلائع الفتح إلي الجهاد والجماعة الإسلامية ..العقرب لسعته والقبر
جمع معتقل طرة شديد الحراسة، العقرب، مختلف المتهمين بممارسة العنف السياسي، فمن طلائع الفتح إلي جماعتي الجهاد والجماعة الإسلامية وحتي الخلايا قليلة العدد للسلفية الجهادية، وظل التعامل الأمني مع العقرب وطريقة إدارته أشبه ما يكون بسر حربي، فمنذ افتتاحه في 1993 وحتي بداية الألفية ظل الجميع يتحدثون بحذر عن الضباط العاملين في هذا السجن، خاصة أن الداخلية رفضت منذ البداية أن توكل لإدارة الأمن العام أو مصلحة السجون أي مهام فعلية داخل أسوار العقرب الذي تعاقب عليه ضباط من القوات الخاصة، أشهرهم علي الإطلاق العقيد - وقتها - عمر عطوة، ضابط القوات الخاصة، بمنطقة سجون طرة الذي ترأس قوة سجن العقرب منذ افتتاحه حتي عام 1995.
يقول أحد المعتقلين السابقين بالعقرب، طلب عدم ذكر اسمه: من عادة الداخلية أن تبدأ رحلة اعتقال المواطنين بحفلة استقبال بشعة، ولأنني كنت معتقلا من قبل في استقبال طرة وليمان أبو زعبل السياسي فقد توقعت وجود حفلة استقبال في السجن الجديد «العقرب»، وحدث ما توقعت لكنها كانت أكثر حفلات الاستقبال التي مررت بها بشاعة.. تم إنزالنا من سيارة الترحيلات باستخدام الكلاب البوليسية ثم أجبرونا علي الانبطاح أرضا لمدة نصف ساعة، ثم جاء بعض أفراد الأمن ونزعوا ملابسنا، القليلة أصلا، وأمرونا بالمرور بين طابورين من العساكر والكلاب، كل عسكري كان يحمل عصا غليظة أو كابل كهرباء أو جنزيرًا، وانهالوا علينا بالضرب لمدة ساعة ونصف حتي سقط الجميع منهارا.
بمزيج من الحزن والغضب يكمل الرجل كلامه: أثناء حفلة الاستقبال التي حضرتها في بداية ترحيلي للعقرب حاول بعض المعتقلين القيام مرة أخري بعد أن أنهكهم الضرب فطالت مدة الحفلة ..الأوامر واضحة، الحفلة تنتهي فقط حين يسقط كل المعتقلين أرضا ولا يبدون أي مقاومة، فكنا نستحلف المعتقلين معنا بعدم الوقوف بعد الضرب.. لأن الباشا بيحب يشوفنا وإحنا علي الأرض.
العميد، بعد الترقية، عمر عطوة، لم يكن سوي نقطة البداية في سلسلة الضباط الذين تعاقبوا علي السجن، كما تؤكد تقارير جمعية مساعدة السجناء، فالعقيد الذي خدم الداخلية بإخلاص في «العقرب» تمت ترقيته لرتبة عميد ونقله في أواخر 1997، عقب حدوث تمرد داخل سجن الوادي الجديد - بطن الحوت - كمأمور للسجن وهناك تكرر نفس السيناريو بالحرف.
منذ العام 2002 بدأت الداخلية في «تطعيم» قوة السجن بضباط أمن دولة ومباحث، بالإضافة لضباط القوات الخاصة والأمن المركزي المتواجدين علي الدوام داخل جميع سجون شديدة الحراسة وعلي رأسها العقرب وبطن الحوت والفيوم، فظهر لأول مرة ضباط مباحث في إدارة سجن العقرب في مايو 2002، أما ضباط أمن الدولة الذين تواجدوا في السجن منذ البداية فقد اتسع نشاطهم وخصصت لهم 6 مكاتب تحقيقات مكيفة بجوار كل مكتب غرفة فارغة إلا من أدوات الصعق الكهربي وبعض أدوات التعذيب، حسب شهادة المعتقل كريم محمد التي حصلت «البديل» عليها من أسرته، يقول كريم: انتقلت لسجن طرة شديد الحراسة - العقرب - في عام 1999 بعد حصولي علي تذكرة مرضية تم نقلي لمستشفي طرة المركزي لإجراء عملية فتاء غير مرتجع في الخصيتين عانيت منه في سجون الوادي الجديد والفيوم علي التوالي نتيجة التعذيب، بعد العملية والإفاقة عرفت من بعض العساكر أن خط السير قد تغير وأن زنزانتي الجديدة في العقرب. «يضيف كريم»: في ذلك الوقت كنا نناشد الداخلية الإفراج عن المعتقلين علي خلفية قضايا طلائع الفتح والجهاد وبعض الجماعات الصغيرة مثل الوعد الحق وغيرهما خاصة بعد أن وقعت الغالبية علي ما يسمي بإقرار التوبة منذ 1994، ومع ذلك لم تفرج الداخلية سوي عن 10 فقط من التائبين حتي 2002 وأغلبهم دارت حوله شبهات العمل مع إدارة السجون التي وقعوا علي الإقرارات فيها .. فور دخولي العقرب، ونظرا لظروف مرضي توقعت أن يكون التحقيق الروتيني معي في الزنزانة، حيث لم أكن قادرا علي السير إطلاقا.. لكني فوجئت بأربعة عساكر يجبرونني علي السير فلما أوضحت لهم عدم قدرتي جروني من كلابش ربطه أحدهم في ساقي اليسري مسافة تزيد علي 100 متر حتي أغشي علي ولم أفق إلا علي صوت أحد الباشوات يسبني «...»
.
بعد فترة صمت يستكمل كريم قائلا: من خلال التحقيق وطريقة الأسئلة عرفت أن المحقق أحد ضباط أمن الدولة فأشرت إلي كوني مريضًا لا أزال في فترة النقاهة بعد العملية، وأني أودعت العقرب بعد 48 ساعة فقط من الجراحة، فكان رد فعله أن انهال علي بالضرب الشديد بلا مبرر، ثم سحبوني إلي غرفة مجاورة لها باب يفتح علي مكتب الضابط فقط، وقام بعض أفراد الأمن بضربي بالعصيان ثم ربطوا طرف أحد الأسلاك في منطقة حساسة والآخر في صدري واستمرت جلسة الصعق بالكهرباء لمدة ساعة تقريبا فقدت خلالها الوعي عدة مرات، وكنت أصرخ فيهم سائلا عن السبب الذي أعذب من أجله.
حسنية محمد شوقي والدة كريم قالت لنا: ابني اعتقل وعمرة 19 عاما، ولم أعرف عنه شيئا سوي من بعض أهالي المعتقلين الذين صادف وجودهم زيارة لذويهم المرضي في مستشفي طرة فأخبرني أحدهم بأن كريم نقل للعقرب، وأنه يخشي علي حياته هناك نظرا لسمعة السجن السيئة، بعدها أصبت بارتفاع مزمن في ضغط الدم ومرضت بالسكر وحتي الآن أتلمس أخباره بالكاد في الزيارات التي غالبا ما ترفض، وحتي الشهادة التي تنشر الآن لأول مرة في الصحف هربت من الداخل بمعجزة.
1500 معتقل بلا قضية وبلا زيارات وبلا أدوية ..تعذيب وبس
سني مين سني إيه .. بسم الله هانقضي عليه
الحكايات عن التعذيب داخل العقرب تكاد لا تنتهي، رغم أن سجن طرة شديد الحراسة «العقرب» ظل ضمن السجون المغلقة، بمنع الزيارات والأدوية بصورة نهائية عن المعتقلين، بقرار من وزير الداخلية حتي العام 2003
فقد وصفت جمعية حقوق الإنسان لرعاية السجناء الفترة التي تلت قرار الإغلاق، في تقريرها عن حالة السجون المغلقة في مصر 2001 بأن العقرب وما يحدث بداخله يعد انتقاما غير مبرر، حيث اجتاحت الداخلية نوبة من العنف الشديد في نهاية التسعينيات ضد أعضاء التنظيمات المسلحة المعتقلين في أغلب السجون المصرية خاصة العقرب، فبدأت حملات التفتيش بشكل مفاجئ عدة مرات في الشهر، بعد أن كانت تمارس 4 مرات في العام، حيث يقف مئات الجنود شاهرين الأسلحة في باحة العقرب ويأمرون المعتقلين بالخروج من الزنازين.. فور الخروج تبدأ أبشع حملة تعذيب جماعي يقودها ضباط أمن الدولة والجنود المسلحون مع الكلاب البوليسية حيث تشمل الحفلة الضرب في أماكن متفرقة وتعريض المعتقلين لنهش الكلاب المدربة كما يقوم الضباط، خاصة في فصل الشتاء، بنزع ملابس المعتقلين بشكل كامل
ويذكر التقرير أيضا أنه وإمعانا في زيادة معاناة السجناء يردد مئات الجنود بصوت واحد نشيدًا من تأليف ضباط الداخلية بشكل مكرر:
وسع وسع يا كتكوت خلي القوة الضاربة تفوت
سني مين سني ايه بسم الله هانقضي عليه
هانعلمكم حب وطنكم وازاي طاعة حكامكم
وبعدها يبدأ الجنود في تدمير المقتنيات الخاصة بالمعتقلين، من أغطية وأطباق، وهي المستلزمات التي اشتراها السجناء بمالهم الخاص حيث لا تصرف إدارة السجن منذ إنشائه أي أغطية أو مستلزمات للمعتقلين، رغم أن أغلبهم وقع علي ما يسمي بإقرار التوبة منذ سنوات طويلة.
من ناحية أخري رصد تقرير السجون في مصر، الذي أعدته هيومان رايتس ووتش أن 1500 معتقل سياسي من نزلاء العقرب البالغ عددهم - حسب المنظمة - 1600 معتقل حاليا لم تصدر ضدهم أي أحكام قضائية، وأن أغلب القضايا التي رفعت ضدهم منذ التسعينيات تم الحكم فيها بالبراءة ورغم مرور 15 عاما علي افتتاح العقرب وخمسة أعوام علي فتح باب الزيارة إلا أنه مازال هناك معتقلون بلا قضية نجحت الداخلية في إخفائهم كل هذه السنوات.
جمال فهمي، عضو مجلس نقابة الصحفيين والمعتقل السابق بسجن مزرعة طرة، يقول: رغم أنني في المزرعة بعيد بشكل أو بآخر عما يدور في العقرب إلا أنني شهدت بعضا من الروايات التي تنتشر داخل منطقة طرة عن بشاعة ما يحدث في العقرب، مثل أحد ضباط السجن، فضل فهمي عدم ذكر اسمه، الذي أخبرني أيام اعتقالي عام 1998 أن نسبة 15% من المعتقلين في شديد الحراسة بطرة قد توفوا نتيجة التعذيب المستمر هناك. وعلق الضابط نفسه أن هذه نسبة معروفة للداخلية في هذه النوعية من السجون، حيث لا رقابة علي الإطلاق فهناك - حسب ما سمعت من بعض المعتقلين - مفرمة حقيقية لا تبقي من آدمية المعتقل شيئًا، وكل أنواع التعذيب متاحة وكل ضابط وشطارته.
ويتساءل فهمي: إذا كانت وسيلة الداخلية الوحيدة للتعامل مع شباب صغار سن كانوا مشاريع عنف محتملة هي تلك الطريقة الوحشية فهل تنتظر الداخلية والمجتمع ككل من هؤلاء أن يتخرجوا في العقرب وغيره من السجون كمواطنين صالحين؟ أم كإرهابيين تدفعهم رغبة عميقة ومنطقية في الانتقام؟.. وتظل أسئلة فهمي تنتظر الإجابة
علي حافة الدلتا وبداية صحراء مصر الغربية، قررت وزارة الداخلية بناء أحد سجونها النموذجية قريبا من قرية القطا التي تنتمي إداريا إلي محافظة الجيزة وتبعد 45 كيلومتراً عن القاهرة . لم يكن قرار الوزارة الذي صدر عام 1992 مقتصراً علي بناء سجن القطا بل كانت خطة الداخلية في ذلك الوقت تحت قيادة حسن الألفي تقضي ببناء عشرة سجون " نموذجية " بتكلفة نصف مليار جنيه . فبدأت بالقطا وانتهت بسجون الوادي الجديد والفيوم و سلسلة وادي النطرون.
تحقيق: أحمد محجوب
بين الوزير والمساعد.. حرب السجون
بدأت نظرة الداخلية للمعتقلات والسجون تتغير في أعقاب حوادث التمرد العنيفة التي قادتها الجماعة الإسلامية و الجهاد داخل السجون في الصعيد و القاهرة. ووصل الأمر في بعض المرات لاحتجاز قوة السجن بالكامل داخل الزنازين وتهديد الداخلية بالثأر. كانت هذه السلسلة الطويلة من الحوادث العنيفة قد أثرت في قمة الجهاز الشرطي بالكامل. في نفس الوقت كانت الداخلية ومنذ منتصف الثمانينيات بتمويل رسمي من ميزانية الوزارة قد بدأت في إيفاد ضباط و خبراء للتدرب في الولايات المتحدة علي فنون إدارة المعتقلات السياسية . جاء توقيت عودة "الخبراء الأمنيين" كما أطلق عليهم ليوافق تغييراً كبيراً في طريقة عمل الداخلية خاصة وسط الصدامات العنيفة بين الشرطة و الجماعات المسلحة.
قدمت مجموعة الخبراء الأمنيين توصيات لاقت قبولا فوريا من الوزارة. فبدأت خطة إنشاء السجون شديدة الحراسة علي شكل حصون متطورة ومعزولة تماما عن العالم الخارجي . فنشأ سجن القطا بميزانية 18 مليون جنيه في البداية رفعها وزير الداخلية إلي 24 مليون جنيه لينافس أحد مساعديه البارزين- حبيب العادلي وقتها- حيث بدأت تتردد في كواليس الوزراة أنباء عن الصراع الدائر بين العادلي ومعه مجموعة الخبراء الجدد من ناحية و الألفي ومعه حرس الوزارة القديم من جهة أخري . ففي الوقت الذي انفرد فيه العادلي تماما و بتطمينات من جهات سيادية بعملية إنشاء سجن الفيوم العام- معتقل دمو- و أحاطه بهالة من السرية والتشدد جاءت فرصة الألفي ليثبت للقيادات أنه ليس أقل طموحا من مساعده لشئون أمن الدولة . فوقع الإختيار المتعجل علي منطقة القطا في صحراء القطا لينشأ بها سجن القطا شديد الحراسة الذي طالما اعتبره الألفي " رد اعتبار عملياً " علي نفوذ العادلي المتنامي. وبعكس العادلي الذي قصر خطط البناء علي درج مكتبه ومجموعة ضيقة من المساعدين والمهندسين العسكريين. كان الألفي يتفاخر باستمرار بتصاميم حصنه القادم في صحراء القطا. فتعاونت الداخلية مع المقاولون العرب لبناء تحفة الألفي شديدة الحراسة. فتم بناء السجن علي شكل أربعة عنابر تتسع لأربعة آلاف سجين. بحيث يفصل كل عنبر عن الآخر مساحة تصل لـ500 متر كما يحاط كل عنبر بسور ضخم و العديد من قوات الحراسة المسلحة تسليحا تاما.
كانت فكرة الألفي عن السجن المثالي أن يكون مقبرة حقيقية للمعتقلين خاصة ممن حاولوا اغتياله شخصيا عدة مرات. كانت أوامر الوزير السابق صريحة في هذا المجال فتم توزيع نشرة علي جميع المهندسين تقضي بتعديل تصاميم السجن المرسلة للوزارة. بحيث لا يترك شباك واحد ولا منفذ للتهوية. وحين احتار المهندسون في تنفيذ هذا الأمر خاصة و أن موقع السجن الصحراوي وبهكذا تصميم سيحوله لقبر جماعي .قام الألفي بزيارة مفاجئة لموقع البناء مصطحبا معه أحد مهندسي الوزارة برتبة عميد وعددا ضخما من الجنود الأمر الذي نجح في إرغام الجميع علي تنفيذ الأوامر دون مناقشة.
حين بدأ السجن في التكامل كانت عين الألفي مفتوحة علي سجن الفيوم يقتبس بعض أفكار العادلي ويحاول تطويرها ليبدو كرجل الداخلية الأكثر حزما وتشددا. فأصدر أوامره المباشرة مرة أخري بإزالة أبواب العنابر وتحصينها ببوابات مصفحة وكذلك مكاتب الضباط و إدارة السجن والمستشفي الوليد. رفضت شركة المقاولون العرب هذه المرة تنفيذ الأمر واحتجت بالتكلفة. فقرر الألفي زيادة ميزانية السجن من 18 مليونا إلي 24 مليونا موضحا لمندوب الشركة أن ميزانية السجن مفتوحة المهم أن يخرج بأسرع وقت وأكبر قدر من الاحتياطات الأمنية. وتنفيذا للأوامر الرسمية ومع ضخ 6 ملايين جديدة في ميزانية المشروع بدأت الشركة في هدم ما قد تم بناؤه بالفعل ليعاد البناء من جديد حسب تقلبات الألفي. فظهرت العنابر الأربعة معزولة تماما عن كل ما يحيط بها من مباني الإدارة والسكن الخاص بالضباط والمستشفي. من ناحية أخري كانت العنابر مقسمة من الداخل إلي 7 زنازين تتسع كل زنزانة لحوالي 12 فردا متلاصقين كيفما اتفق . كما تعددت طوابق العنبر الواحد حتي وصلت لثلاثة طوابق معزولة بأبواب مصفحة.
في عام 1995 تم افتتاح سجن القطا بحضور حسن الألفي الذي حرص علي متابعة السجن يوميا بالتليفون . في نفس الوقت تقريبا كان افتتاح سجن دمو بحضور العادلي ليخرج صراع الضباط الكبار من كواليس الوزارة إلي دائرة النقاش العام.
حاول العادلي إجهاض مشروع الألفي باستمرار فرفع مذكرة بالتكلفة الإجمالية للسجن مقارنة بتكلفة سجنه الخاص 9 ملايين جنية . مشددا علي أن تصميم السجن تغير عدة مرات بأوامر من الوزير. من ناحية أخري كانت القيادة السياسية تراقب صراع المساعد والوزير بمزيج من الفرحة والشعور بالزهو. فالجميع يعملون في آلة القمع بدرجة تنافسية عالية. وإن كان العادلي قد فاز بسجن الفيوم كمنجز فإن الألفي قد أضاف لقبضة النظام سجنا يبدو نموذجيا كمقبرة .
"مدفن" القطا العمومي
بدأت الصراعات تلوح في الأفق خاصة مع افتتاح السجن وبدأ " شحن " المعتقلين في قضايا العنف من سجون طره والقناطر رجال وأسيوط لسجن القطا شديد الحراسة . فحسب بعض نزلاء السجن كان المعتقلون يتكدسون لأسابيع كاملة في الزنازين دون فتحات تهوية سوي ما يتسرب من هواء عبر قضبان بوابة العنبر الرئيسي . ومع بداية اشتداد حرارة الجو في يوليو 1995 بدأت قوافل الموتي في الخروج من الزنازين بمعدل جثة يوميا وعلي مدار عدة أشهر حسبما يؤكد مجدي أحمد حسين- الأمين العام لحزب العمل - ، أحست الداخلية بالخطر خاصة و أن جميع ما يتعلق بالسجن من دفاتر وأسماء المسجونين وملفاتهم كانت ترقد في مكتب الألفي.
ومع زيادة وتيرة القتلي في زنازين القطا حاول الألفي تحسين الوضع بعض الشيء فبدأ العساكر بفتح شباك رئيسي في كل عنبر - العنبر يضم 1000 معتقل تقريبا - بالرغم من ذلك لم تتوقف قوافل الموتي . بالإضافة لذلك كانت مستشفي السجن تعمل بقوة طبيب واحد وأربعة ممرضين من أفراد الأمن ولمدة 3 ساعات يوميا فقط وكان الوقت الذي يستغرقه نقل معتقل واحد عبر عدة بوابات جديدة ثم تفتيشه قرابة الساعة الكاملة. فتوفي أكثر من معتقل في الطريق إلي المستشفي ذات الطبيب الواحد متعدد الأغراض. وجدت حالات الوفاة داخل سجن القطا طريقها للصحافة وبعض جمعيات حقوق الإنسان. حيث بدأت الصحف والنشطاء الحقوقيون في إثارة موضوع القطا كمقبرة جماعية وسط هذا الضجيج الإعلامي والحقوقي جاءت فرصة العادلي حيث قدم مذكرة يعترض فيها علي موقع السجن أصلا باعتباره منطقة غير آمنة لنقل وترحيل المعتقلين . فوجوده في وسط الصحراء وقريبا من قري القليوبية ومنطقة القناطر - حوالي 20 كم - جعل وضعه قلقا من وجهة نظر العادلي . فالموقع- علي حد تعبير المذكرة لا يمكن أن نتوقع منه أكثر من ثلاث إلي خمس نقاط أمنية مع وجود إمكانية كبيرة لمحاصرة هذه النقاط وفرار المعتقلين أثناء الذهاب من و إلي سجن القطا. في ذلك الوقت وبينما مذكرات العادلي تتوالي كان الألفي يحاول تبرير سجنه المفضل بشتي الطرق . فبدأ بتغيير نظام العمل داخل السجن
وسمح بفتح الزانزين علي أن تعطي إدارة المعتقل " فسحة " للنزلاء حتي الساعة الثانية ظهرا خاصة مع ظهور العديد من حالات الكساح نتيجة التكدس وعدم التعرض لأشعة الشمس كما انتشرت أمراض الدرن والجرب بين مئات المعتقلين الذين خاضوا سلسلة من الإضرابات للضغط علي الداخلية بهدف نقلهم لسجون أخري خارج القطا. جاءت محاولات الألفي لتدعم موقف مساعده النشط بوصفه " خبيرا " في عموم السجون المخصصة للسياسيين. فلم يخف بعض المسئولين في الداخلية انتقاداتهم للألفي و أسلوب إدارته للأمن ككل . واضعين القطا كنقطة انطلاق للحديث عن فشل التعامل مع ملفات أمنية حساسة كسياسة المواجهة المفتوحة مع عناصر الجهاد والجماعة الإسلامية وهو الأمر الذي أثار قلقا بالغا انتهي بحفلة توبيخ علي الهواء مباشرة من الرئيس لوزير داخليته عقب حادث الأقصر الشهير.
من الألفي للعادلي.. كل شيخ وله طريق
جاء خروج الألفي من الوزارة ليضع جميع مفاتيح اللعبة الأمنية في قبضة العادلي بلا منازع . فبدأ بتوزيع المناصب الحساسة علي " مجموعة أمريكا " كما أطلق عليها وزاد عدد البعثات الشرطية لأربعة أضعاف ما كان الحال عليه من قبل . من ناحية أخري بدأت في الظهور بعض الأقسام المستقلة والتي تعمل تحت مظلة أمن الدولة مثل مكاتب مكافحة نشاط الإنترنت و المجتمع المدني . في ذلك الوقت كان العادلي حريصا علي تغيير منظومة السجون السياسية في مصر كلها . فجعل مقر إدارة سجون الوجه القبلي داخل تحفته البوليسية في الفيوم . أما بالنسبة لسجن القطا فظل العادلي يعتبره " فألا سيئا " . فبعد توليه منصب وزير الداخلية بدأت مجموعة أمريكا في استخدام سجن القطا كمعمل تجارب للنظرية الأمنية الجديدة والتي تقوم بالأساس علي تشويه المعتقل السياسي .
فبدأت مكاتب أمن الدولة في المحافظات- خاصة في الصعيد- في تدبير قضايا جنائية علي وجه السرعة لأعضاء التنظيمات السياسية بالتوازي مع حملة إعلامية ضخمة روجت لصورة السياسي الذي يخرج علي القانون العام -لا الطوارئ - في السر. فبدأت حملات القبض علي عناصر من الجماعة الإسلامية في المنيا بتهمة تزوير عقود عمل . ورغم أن ثلاثة فقط من أصل 40 معتقلا يعرفون القراءة والكتابة بالكاد- فأغلبهم من الفلاحين- إلا أن قرار الضبط الصادر بتوصية خاصة من مكتب أمن الدولة أصر علي تهمة التزوير و تم ترحيل المجموعة بالكامل لسجن القطا .
في ذلك الوقت كانت تقارير حقوق الإنسان قد نشطت حول سجن القطا وما يحدث فيه فقد أصدرت منظمة «Article 19» التي شكلت في مطلع الألفية تقريرا مفصلا عن السجون المصرية أفردت فيه لسجن القطا شديد الحراسة وما يدور بداخله عدة صفحات. حيث اعتبر واضعو التقرير أن طريقة بناء وتصميم سجن القطا " تجعل منه قبرا نظاميا للمحتجزين الجنائيين والسياسيين بما يتعارض مع كافة حقوق الإنسان بشكل صارخ " كما ركز التقرير علي عنابر المحبوسين احتياطيا علي ذمة قضايا فأكد أن " المعاملة التي تتسم بالعنف الشديد من جانب إدارة السجن تضع في حسابها موجة الإضرابات والأحداث العنيفة التي استمرت لشهور في السجون المصرية كرد طبيعي علي التعذيب وإهدار حقوق المعتقلين.. كما تخضع إدارة القطا لضغوط نفسية شديدة فأغلب الضباط الذين يعملون بالمكان خدموا في سجون أخري شهدت تمردا اتسم بالعنف المتبادل بين المعتقلين والضباط مما جعلهم يشعرون باستمرار أن وضعهم كضباط فضلا عن وجودهم يواجه تهديدا حقيقيا من المعتقلين "
كان هذا الضغط النفسي هو السمة الشائعة في أوساط ضباط مصلحة السجون . خاصة مع زيادة وتيرة العنف في منتصف التسعينيات بشكل مفاجئ فيما رآه بعض أعضاء الجماعات المسلحة ثأرا من "الجلادين" . من ناحية أخري جاء خروج الألفي الراعي الرسمي لسجن القطا وجلوس العادلي المعروف بعداوته الشديدة لرجال الوزير السابق سببا آخر في التعامل الحرج مع الوزارة . ورغم أن العادلي خصص سيارة إسعاف وسائقا مؤخرا لنقل المصابين والسجناء إلا أن إدارة السجن شعرت بالخطر فوجود السيارة يضع في رقبتهم مسئولية حياة وموت 4000 سجين دون سند حقيقي من مكتب الوزير ومجموعته استغل العادلي وإدارة مكتبه هذه الهواجس لدي إدارات السجون التي تباهي بها الألفي وفي مقدمتها سجن القطا . فعملوا باستمرار علي إرسال تفتيشات مفاجئة . وزاد الأمر تعقيدا أن أصدر العادلي قراره بضرورة تسكين الضباط وافراد الأمن العاملين ضمن قوة السجن داخل الأسوار . فتم بناء " ميس " ضباط علي عجل ملحق بمبني المستشفي حيث يظل الضباط وأفراد القوة متواجدين مع السجناء لأسابيع طويلة مما كان له أثر مباشر علي أداء الإدارة ككل . ففي نفس الوقت الذي بدأ فيه ضباط السجن في حالة من التوتر خشية تعليق تهم الإهمال برقبتهم جاء رد العادلي ليزيد الطين بلة فحدد لمسشفي السجن التي لا تحتوي سوي علي عيادة واحدة يعمل بها طبيب بسماعة وجهاز ضغط، 4 ثلاجات لحفظ جثث المساجين الموتي بعد سحبها من داخل الزنازين وهنا وصلت الأمور إلي ذروتها
يقول العميد السابق - ع. س - الذي عمل ضمن مباحث سجن القطا منذ انشائه " لما المسائل وصلت للتلاجات سويت معاشي لأن الوضع هناك صعب جدا.. أنا مش عارف مين المعتقل ومين الضابط .. طول الوقت وعين الواحد علي التليفون منتظر اتصال يقول فيه مصيبة جاية.. وقتها اتفقنا في الإدارة علي البحث عن أي " مصدر " داخل الوزارة يبلغنا بالقرارات المنتظرة قبل حدوثها.. وقتها كانت تأتي لنا قرارت في منتهي الغرابة.. مثلا بعض السجناء السياسيين كانوا يرحلون لنيابة القناطر مثلا أو القليبوبية ثم يعودون كجنائيين بعد ساعات ويطلب منا تغريبهم في زنازين جنائي.. المشكلة إنك كضابط لابد تنفذ الأوامر حتي لو مش مقتنع.. وبعد شهرين ثلاثة تلاقي عنبر الجنائي بيكلمك عن الإضراب وحقوق الإنسان والوزارة ما بتحبش تسمع السيرة دي أصلا " <
«كوكتيل القطا» .. صحفيون و بطلجية
كانت استراتيجية العادلي باعتبار سجن القطا من الأماكن غير المرغوب فيها تتغير حسب الطقس السائد . فرغم أن العرف السائد في السجون المصرية يقضي بتوزيع المعتقلين السياسيين خاصة الصحفيين المحبوسين في قضايا الرأي علي معتقلات قريبة مثل مزرعة طره . إلا أن القضية رقم 5260 لسنة 1999 المرفوعة من وزير الزراعة الأسبق «يوسف والي» ضد صحيفة الشعب وثلاثة من العاملين بها قد أخذت منحي آخر حسب توجيهات العادلي. ففور صدور حكم النقض برفض طعن نقابة الصحفيين علي قرار الحبس تم ترحيل كل من مجدي حسين رئيس تحرير جريدة الشعب وعصام حنفي رسام الكاريكاتير وصلاح بديوي الصحفي بنفس الجريدة من مقر المحكمة لسجن القطا مباشرة .
جاء هذا الترحيل العنيف كنوع من رد الفعل سييء السمعة بين أحد أقدم رموز النظام المصري - يوسف والي - وبين الداخلية خاصة و أن القضية كانت حديث الشارع المصري وقتها فكان وضع القطا داخل اللعبة السياسية بمثابة رسالة شديدة الوضوح من العادلي - الوزير الجديد وقتها- للجميع بأن الأعراف السائدة في اللعبة السياسية اختلفت بوجود وزير حديدي يقمع في صمت.
يقول مجدي حسين لـ«البديل» " سلسلة السجون شديدة الحراسة كانت ولا تزال هي السجون الأكثر سوءا في سلسلة السجون المصرية .. ودوما كان القطا واسمه وما يحدث بداخله شيئا يفوق توقعات الجميع حتي محترفو الاعتقال " يضيف مجدي " وضعونا بالكلابشات في سيارة ترحيلات عادية وسط حراسة 8 سيارات أمن مركزي وقد علمت فيما بعد أن مدير إدارة السجون قد أتي خصيصا ليشرف علي إيداع صحفيين في أحد أكثر السجون المصرية شراسة .. بعد ساعتين من التخبط بدا أن السيد اللواء وعساكره لا يعرفون حتي مكان السجن فبدأوا يسألون أولاد الحلال في الشوارع عن طريق السجن .. " " دخلنا القطا وسلمنا الأمانات في غرفة الإيراد وكان الجميع في حالة عصبية حتي وهم في مكاتبهم المصفحة ثم ساقونا إلي أحد عنابر الجنائي وبقينا لعدة أيام وحدنا .. بعدها جاءوا بثلاثة من المساجين الجنائيين بتهم القتل والبلطجة ليصبحوا زملاء قروانة واحدة فهددنا بالاعتصام حتي أخبرنا مدير السجن أنها توجهيات وأوامر عليا لا تقبل النقاش "
وبالرغم من أن الصحفيين الثلاثة مدانون علي خلفية " جريمة سياسية " إلا أن إدارة السجن قد عاملتهم بشكل خاص حسب التوجيهات . ففي الوقت الذي " منح " العادلي لزنازين تجار المخدرات والبلطجية مروحة وشباكا لزيادة كمية الهواء داخل العنابر ومنع مسلسل الوفيات المستمرة . كانت زنزانة الصحفيين ممنوعة من هذه الرفاهية علي الإطلاق. وتكرر سيناريو الاعتصام والإضراب مرات عديدة حتي وافقت الإدارة أخيرا علي عقد صفقة مع المعتقلين يتم بموجبها شراء مروحة علي حساب المعتقلين مقابل الكف عن الإضرابات وإثارة القلق .
وقد عاش الصحفيون الثلاثة داخل سجن القطا شديد الحراسة عدة شهور حاولوا فيها عقد ندوات مع عدد من الجنائيين و تسجيل شكاواهم وتوعيتهم بالوضع السائد فنشط الصحفي صلاح بديوي يتحدث وسط سجناء العنبر حول القضايا العامة خارج السجن خاصة و أن أغلبهم كما يقول بديوي لم ير ماهو خارج الأسوار منذ عقد تقريبا فأغلبهم تم ترحيلهم من سجون أخري افرغت للسياسيين . دقت هذه اللقاءات الفردية عدة أجراس في الداخلية فبدأت إدارة السجن في تهديد البعض بالتأديب و انتشر المخبرون من الجنائيين يحاولون إيجاد مؤامرة تنوير وهمية فلم يجدوا وهو الأمر الذي ضاعف من ارتباك الداخلية فجاء قرار نقلهم بشكل فوري من عنابر سجن القطا حيث حشروا مع الجنائيين إلي مزرعة طره حيث يجدون هناك- حسب تعبير ضباط السجن - صحفيين و معارضين وبتوع سياسة آخرين في انتظارهم بنفس التهم تقريبا
![]()
![]()
القرار في القاهرة والعين علي أسيوط . هذا هو العرف الأمني الذي تتعامل به الداخلية مع مدينة " مشاكسة " في الصعيد . فباستمرار كان الصراع بين مدينتين إحداهما عاصمة تاريخية تحتكر القرار والسلطة والثروة وأخري ترتب نفسها بعيدا عن التدخلات غير المفهومة للعاصمة المركزية . وتبني لذاتها حالة خاصة تجنبها تقلبات الأهواء السياسية والأمنية في العاصمة.
طريق القاهرة أسيوط باتجاه واحد علي الأقل أمنياً . هذا ما تريده الداخلية من هذه المدينة في عمق الصعيد . فعلي أسيوط أن تخضع باستمرار لشروط العاصمة المركزية . بالمقابل علي القاهرة أن تظل يقظة تجاه إحساس "عاصمة الصعيد"، كما يسميها أهلها، بالغربة تجاه ما يجري في العاصمة العجوز والبعيدة . أسيوط بالنسبة للقاهرة كائن موغل في القدم له طقوسه التي لا يمنحها لأحد . فبعدها الجغرافي عن مركز صنع القرار وتجميع الثروة . وتكوينها العائلي والقبلي جعلها مركزا لقلق السلطة في القاهرة علي تفردها بكل شيء .
حصار المدينة المشاكسة
بدأت السجون في أسيوط مع إحساس القاهرة بأنه عليها فعل شيء ما تجاه هذه المدينة المشاكسة . فالأمر في أسيوط يتجاوز البعد الجغرافي . فهناك أكبر تجمع قبطي في مصر . وأسيوط تتحكم بشكل كامل في جنوب الوادي وبوابة السودان . رأت الداخلية أن بناء سجن ضخم في عاصمة القلق يجعل المشاكل أقل حدة . وبالفعل بدأت الداخلية عام 1911 في بناء سلسلة سجون في الصعيد ككل . فظهر سجن أسيوط علي مساحة 12 فدانا علي شاطئ النيل مكونا من عنبرين فقط ألحق بهما فيما بعد عنبر صغير للنساء .
الولادة الحقيقية لسجن أسيوط لم تكن لحظة افتتاحه . فبعد ثلاث سنوات فقط وتحديدا عام 1914 ظهر محمد منصور المشهور بـ " خط الصعيد " . بدأ الأمر مع منصور بهجمات ثأرية انتقاما لمقتل ذويه علي يد بعض الأهالي . الداخلية في ذلك الوقت لم تكترث خاصة أن النزاع لم يلوث ثوبها " الميري " ترك محمد منصور يعمل في هدوء وسط عادات عائلية تمنع الإبلاغ عن القاتل حتي الأخذ بالثار . في نفس الوقت كان علي الخط أن يثبت للداخلية أنه جزء من "عاصمة القلق " . فبدأ يتحرش بالشرطة ويفرض سطوته علي المكان من مخبئه في الجبل كأحد المطاريد المحترفين . بالمقابل أرادت الداخلية في ذلك الوقت أن تثبت كفاءتها خاصة أن الخط وصل لصفحات الجرائد وصار نجما سلبيا في المجتمع . قررت الداخلية ان تواجه نفوذ منصور في عقر داره . فجردت عدة حملات أمنية للقبض عليه .
جاء عام 1947 ليحتل " الخط " الواجهة الإعلامية وتزعج أخباره المنشورة سكان القاهرة والقابضين علي الزمام فيها . في ذلك الوقت كان علي سجن أسيوط العمومي أن يثبت نفسه . فأمر المحافظ عزيز أباظة ( مدير مدرية أسيوط في ذلك الوقت ) بتكوين حملة مهمتها الأساسية والوحيدة القبض علي محمد منصور الشهير بالخط حيا أو ميتاً . وبالفعل كونت قوة تحت رئاسة الملازم أول محمد سعيد هلال وسميت " فرقة الموت " نجحت تلك الفرقة في قتل خط الصعيد والقبض علي اعوانه بعد عدة اشتباكات انتهت بمقتله في 6 اغسطس 1947
سقوط منصور كان لحظة ميلاد حقيقية لسجن أسيوط فالرجل الذي دوخ الداخلية 34 سنة سقط بوشاية أحد أعوانه تحت الضغط في السجن . وبالرغم من وعد الداخلية للرجل بتأمين كامل في حالة القبض علي منصور أو قتله . فإن سير الاحداث جاء مخالفا لما توقعه الجميع . فدخل سجن أسيوط 18 من معاوني منصور حكم علي 5 منهم بالإعدام شنقا . في نفس الوقت حفظت جثة " الخط " في السجن وسط حراسة مشددة . ومنع أهله من تسلم الجثة لعدة أيام لمنع أي احتكاكات بين أهالي منصور وأهالي الضحايا الذين قتل منهم منصور أكثر من 60 شخصا .
من الخط إلي الخمسينيات لم يمر السجن بتغيير جذري حتي يناير 1959 حين بدأ النظام الناصري يكشر عن النيابه ضد التيار الشيوعي . فالنظام الذي نجح في أهم اختبار شعبي بمعركة تأميم القناة ثم حرب 1956 عاد ليطيح بالتيارات السياسية الموجودة علي الساحة ويضمن احتكار السلطة للقاهرة وحدها . في ذلك الوقت عرف سجن أسيوط العمومي ربما لأول مرة المعتقلين السياسيين . فالداخلية أخلت السجن من غالبية الجنائيين ورحلتهم إلي سجون قنا وسوهاج . وبدأت الاستعدادات لإستقبال المعتقلين السياسيين في سجن أسيوط بتغيير طاقم السجن وإنشاء قوة حماية علي مقربة منه . فالمكان تحول خلال شهر واحد لأكبر مركز تجميع في الصعيد يخرج منه المعتقلون إلي سجن الواحات الذي يبعد عن أسيوط حوالي 250 كم . في نفس الوقت عرفت مديرية أمن أسيوط نوعية جديدة من الضباط الذين أتوا من العاصمة علي عجل ليشرفوا علي نقل المعتقلين ويراقبوا مسار التعذيب داخل الواحات عن بعد .
القاهرة / أسيوط: التحالف من أجل البقاء كان اختفاء زعيم بحجم عبد الناصر فجأة من الساحة السياسية سببا لارتباك حسابات الجميع . فالرجل قبل رحيله بـ 6 سنوات تبني الخط الاشتراكي في بيانات 1964 الشهيرة . وبدأت تحولات جذريه في بنية النظام ككل . فخرج المعتقلون اليساريون من الواحات إلي سجن أسيوط ثم إلي سجن الفيوم ومنه إلي القاهرة حيث شاركوا في السلطة بشكل فعال . في نفس الوقت كان حاكم القاهرة الجديد يبحث عن لحظة اختلاف فارقة مع عصر عبد الناصر خاصة بعد أن حققت القوات المسلحة انتصار أكتوبر 1973 . كان البحث عن حل بالنسبة للسادات يعني تغير كامل استراتيجية الدولة . فأصدقاء الأمس- الشيوعيون- أصبحوا أعداء اليوم . والإخوان صارت لهم قدم سبق عند الدولة .
ومرة أخري كانت البداية من أسيوط . فحاكم القاهرة معزول في العاصمة حيث الجامعة يحكمها بشكل شبه مطلق اليساريون . ويتحكم اليسار في الإنتاج الثقافي للعاصمة وللدولة ككل . في هذا الوقت قرر السادات أن يعبر إلي الضفة الأخري . فبدأت المفاوضات مع الإخوان. وظهر السادات فجأة بصورة "الرئيس المؤمن " . وانتشرت " نفحات " الداخلية تعطي للإخوان والتيار الإسلامي الجديد مساحات ضخمة في الجامعة . كان الاتفاق أن يظل حاكم القاهرة بعيدا عن أي " قلة أدب " تحدث في الحياة السياسية . فالرجل كان أشد حكام مصر حساسية للإنتقاد خاصة بعد أن ارتفعت نبرة النقد السياسي والاجتماعي عقب الانفتاح وزيارته لإسرائيل .
وضع السادات خطته لتبدأ من أسيوط . فتحركت مجموعات طلابية إخوانية وبعض الجماعات الوليدة لتعترض طريق اليساريين والناصريين الذين لم يكن لهم مكان سوي سجن أسيوط. استقبل السجن مئات من النشطاء اليساريين والناصريين خلال فترة حكم السادات . استقبلهم بنفس الطريقة التي اتبعت مع القيادات اليسارية في الخمسينيات . بالرغم من ذلك فإن سير الأحداث في أسيوط قلب الطاولة علي الجميع . فمن أسيوط التي بدت في لحظة ما مكانا ملهما للتحالف. أصبحت مزرعة للشك في شرعية الرئيس وإيمان المجتمع ككل . فجاءت حادثة المنصة الشهيرة في 6 أكتوبر لتنهي بالدم سنوات من التحالف بين المدينتين .
أسيوط: الدم الذي يكتب التاريخ
بعد الهجوم الدموي علي رأس الدولة. بدا للبعض في أسيوط خاصة أن الدولة تقف علي الحافة . فكان لابد لحلفاء الدم في أسيوط أن يضعوا قدمهم بقوة في قلب المعادلة السياسية المصرية . فكانت حوادث أسيوط الشهيرة بعد يومين من مقتل السادات وسط ذهول وحيرة وارتباك قيادات الأمن التي فشلت في إيقاف أصدقائها القدامي .
يقول الكاتب ياسر ثابت عن أحداث 8 أكتوبر 1981 أنه " بعد نجاح خالد الإسلامبولي وعبد الحميد عبد السلام وعطا طايل حميدة وحسين عباس - ومن ورائهم عبد السلام فرج مخططاً ومعاوناً ومعداً- في تنفيذ عملية اغتيال السادات .. اجتمع علي الفور في أحد أحياء أسيوط مجلس شوري الوجه القبلي بزعامة كرم زهدي - الذي قاد احداث أسيوط فيما بعد -وتم الاتفاق في هذا الاجتماع علي مواصلة خطة قلب نظام الحكم باستهداف 5 أهداف للأمن في أسيوط هي مديرية الأمن هناك وقسم ثان والدورية اللاسلكية ومباحث أمن الدولة والمباحث الجنائية ونقطة شرطة إبراهيم، ثم الزحف بعد ذلك لمحافظات الوجه البحري وتثوير الجماهير.. وصولاً إلي القاهرة التي سيكون عناصر الجهاد قد سيطروا فيها علي الإذاعة والصحف والمناطق العسكرية الحساسة.. كان الهدف النهائي الذي سعي إليه كرم زهدي واضحاً: قصر عابدين "
بالفعل دفع الشعور بالانتصار أمام الدولة أعضاء وقيادات الجماعتين الإسلامية والجهاد في أسيوط لبدء ما عرف فيما بعد بأحداث أسيوط . سقط في تلك الأحداث 118 قتيلاً بينهم 5 ضباط و101 فرد أمن و12 مواطناً . ولم تنجح الداخلية في اختبار المواجهة فلجأت لسلطات سيادية لتنهي المسألة .
انسحبت الجماعات بعد أن حطمت هيبة الدولة بشكل دموي . في نفس الوقت كانت القيادات الأمنية خارج التغطية لمدة 12 ساعة سيطرت فيها الجماعات علي كافة نقاط القوة في المحافظة . من ناحية اخري كان حسن أبو باشا مساعد وزير الداخلية يستقل طائرته متجها إلي أسيوط ليعرف علي الارض ما الذي جري . في الطريق عرف أبو باشا أن اللواء زكي بدر هو المشرف علي منطقة وسط الصعيد من مقره بالمنيا . في نفس الوقت نشطت قوات أمنية خاصة جاءت علي الفور من القاهرة في تعقب واعتقال من ظهر من الجماعات .
أرسلت الداخلية الجميع إلي سجن أسيوط. فتجمع داخله أولئك الذين أنهوا بالرصاص خلافاتهم مع الدولة. كان الوضع داخل السجن مرعبا للجميع . فضباط السجن لم تكن لديهم خبرة بهذه النوعية من المعتقلين الذين خاضوا حربا حقيقية منذ قليل ضد الدولة . في نفس الوقت كان المعتقلون لا يعرفون شيئا عما يحدث بالخارج . فكان علي القاهرة أن ترسل بشحنة إضافية من عساكرها للمدينة ومعهم ضباط أمن الدولة الذين دخلوا إلي سجن أسيوط كقادة لا كمتعاونين .
في السجن كان الطابع الدموي للعمليات المسلحة واضحا علي الجميع . فالتعذيب والإهانات والضرب لم يترك فرصة للحوار أو التفاهم . الجميع جاء يثأر من الجميع . في نفس اللحظة انتدب اللواء زكي بدر رئيس قطاع الوسط لشئون أمن الدولة ليشرف علي التحقيقات التي جرت علي عجل .
تعجل الجميع في إثبات تهمة دموية . وفداحة التقصير الأمني جعل المحكمة تطالب بإعادة التحقيق مرة أخري . فضلا عن شهادة محمد عثمان محافظ أسيوط الذي قال نصا في المحاكمة " أقر إنني شكلت الجماعات الإسلامية في الجامعات وليست أسراً إخوانية بإتفاق المرحوم السادات " . بالنهاية تقرر نقل المعتقلين علي متن طائرة خاصة من أسيوط إلي القاهرة علي أن يصحبهم النائب العام في ذلك الوقت خوفا من هجوم جديد علي سجن المحافظة التي اكتست بالدم .
علي الأرض فشلت العملية في السيطرة علي المدينة أكثر من 12ساعة . وفي نفس السياق امر الشيخ عمر عبد الرحمن اتباعه بالصوم 30 يوما كفارة عن عدم استشارته قبل العملية معتبرا المجزرة " قتل خطأ" . وفي كتابه " فرسان تحت راية النبي " قال الظواهري " كان محكوما علي تمرد أسيوط المسلح بالفشل..فقد كانت انتفاضة "عاطفية" ذات نصيب متواضع من التخطيط. فقد جاءت متأخرة عن قتل السادات بيومين..كما كانت تستند إلي خطة غير واقعية تهدف إلي السيطرة علي مدينة أسيوط ثم التقدم شمالاً نحو القاهرة لفتحها..متناسية أي أرقام عن قوة العدو وعتاده "
اشتباكات ومفاوضات واعتقالات بالجملة
لم تهدأ أسيوط بعد هجوم الجماعات الدموي . فالداخلية لم تنس لأصدقاء الماضي خيانة العهد وتلويث الزي "الميري" بالدم . والجماعات راهنت كثيرا علي رصيدها الأخروي وقدراتها علي إزاحة الدولة وإنشاء خلافة انطلاقا من أسيوط .
دارت المواجهات بين الجماعات والشرطة علي فترات . فكلا الطرفين لم يرغب في مواجهة حاسمة قبل الأوان . من ناحية الآلاف من أبناء الجماعات اعتقلوا وعذبوا في السجون . ومن ناحية أخري تخشي الداخلية من تكرار أحداث أسيوط . في نفس الوقت سيطرت فكرة " جس النبض " ومد الجسور بين الأمن والجماعات المختلفة . فعقد عبد الحليم موسي وزير الداخلية السابق بعد مجزرة ديروط بأسيوط والتي نفذتها الجماعة الإسلامية اجتماعا مع قيادات التيار الديني ليتوسطوا لدي أمير الجماعة عمر عبد الرحمن لوقف العمليات المسلحة وهو الاجتماع الذي كشفت الصحافة أمره فأقيل موسي من منصبه بعد النشر بساعات .
من ناحية أخري استمرت حملة الاعتقالات في أسيوط وما حولها لتصب في السجن العمومي مرة أخري . وجدت الداخلية نفسها محشورة داخل عنابر السجن الضيقة . فقررت في 1995توسيع السجن وإضافة 7عنابر إضافية له وضم عنبر النساء القديم ليصبح عنبر الايراد ( التأديب)
شهد السجن طابوراً طويلاً من المعتقلين لم يكن لبعضهم علاقة بالجماعات . وكل ما هناك أن أجهزة الأمن التي فقدت كل شيء في أسيوط حاولت أن تثبت " رجولتها " علي المواطنين العزل فانتشرت الأكمنة وبدأ مسلسل الاعتقال العشوائي . وحسب تقرير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان حول الإختفاء القسري عام 2004 " تلقت المنظمة بتاريخ 18/8/2002 شكوي أسرة المواطن/ محمد عبد الرحيم عبد الباقي يبلغ من العمر 20 عاماً ويحمل بطاقة رقم قومي 28101022602523 ألقي القبض عليه بتاريخ 13/9/2001 أثناء توجهه لمدينة أسيوط لزيارة أحد أقاربه حيث تم توقيفه بالطريق من قبل قوة من مباحث أمن الدولة. وتؤكد أسرته في شكواها إلي المنظمة المصرية عدم ارتكابه أي عمل يتطلب استدعاءه من قبل رجال الشرطة وليس له أي نشاط سياسي. ومنذ تاريخ القبض عليه لم تعلم الأسرة شيئا عن مكان أو أسباب احتجازه "
محمد عبد الرحيم لم يكن الضحية الوحيدة لتوتر الوضع في أسيوط . فالمدينة التي أعتبرتها الجماعات المسلحة طريقا " لإقامة الخلافة " ولو بالدم يسكن بها أكبر تجمع قبطي في مصر كلها . وهي نفس المدينة التي تضغط وزارة الداخلية علي أعصاب سكانها بكمائن أمن الدولة ومحافظين غالبيتهم من ضباط أمن الدولة . فعقب احداث أسيوط أدار المحافظة ضباط كانوا المسئولين عن أحداث 8 أكتوبر 1981 أولهم زكي بدر ثم محمد عبد الحليم موسي ثم حسن الألفي
.
سجناء أسيوط الجدد
لم تتخل الدولة عن سجن أسيوط العمومي بسهولة ورغم اعتراف اللواء سمير سلام مساعد وزير الداخلية لشئون مصلحة السجون عام 2007 في حديثه للصحافة أن " عدد السجون في مصر ليس كافياً، ولذلك صدر القرار الجمهوري رقم 165 لسنة 2007، لإخلاء 6سجون وهي «شبين الكوم وطنطا والمنصورة والزقازيق والمنيا وأسيوط»، وشراء قطع أراض في هذه المحافظات تكون خارج الكتلة السكنية بثمن أراضي السجون القديمة وبعيداً عن القرار الجمهوري، قررت الوزارة بناء 3 سجون جديدة بدلا من السجون القديمة في محافظات »قنا وبني سويف وسوهاج« وبناء سجن رابع في القنطرة شرق محافظات القناة."
تغيرت نوعية السجناء السياسيين في سجن أسيوط العمومي من اليساريين في الخمسينيات والسبعينيات ثم الجماعات الإسلامية في التسعينيات . وحتي هذه اللحظة تتغير باستمرار أعداد وانتماءات المعتقلين في سجن أسيوط . فمنذ عام 2005 والإخوان ضيف دائم علي السجن .
وبعد تفجيرات سيناء قررت الداخلية مساومة المعتقلين للتوقيع علي مبادرة سيد إمام لوقف العنف مقابل الإفراج عنهم . وأمام رفض المعتقلين نقلت الداخلية كلاً من فؤاد صالح، وأحمد مصلح نصير، وعبدالحافظ محمد حمد إلي سجن أسيوط العمومي . في نفس الوقت نقلت آخرين لسجون قنا والفيوم والواحات من نفس المجموعة .
نزلاء أسيوط الجدد لم ينجحوا في تغيير خريطة السجن كما حدث في سجون وادي النطرون والواحات وبرج العرب . فالمكان ضيق في أسيوط وعدد المعتقلين في تزايد مستمر مع كل فشل جديد لوزارة الداخلية . بالإضافة لانتشار الجرائم ذات الطابع الجنائي التي تقضي المحاكم بحبس المذنبين فيها داخل سجن أسيوط أيضا
الوضع الحالي أن السجن الجنائي في أسيوط أصبح " جنينة " مقارنة بالعنابر المخصصة للسياسيين . فحين نقلت وزارة الداخلية خط الصعيد الجديد حنفي نوفل إلي أحد عنابر السياسيين قبل الحكم بإعدامه قدم الخط في المحكمة شكوي للصحفيين الذين تجمعوا حوله من أحوال الزنزانة التي تجمعه مع شقيقه حمدي فقال " الزنزانة شديدة الضيق والمعتقلون يطلقون عليها اسم " المصفحة " حيث لا توجد بها أي منافذ للتهوية فضلا عن وجودها في ظلام مستمر"
نقطة فاصلة لا تخطئها أعين السكان والمسافرين علي طريق القاهرة الإسكندرية الزراعي . المكان كتب بالدم جزءاً أساسيا من تاريخ مصر عبر قرن كامل منذ إنشاء السجن في 1908 علي مساحة عشرة أفدنة أهداها الخديو عباس حلمي لرئيس وزرائه الجديد . فصاحب القرار بطرس باشا غالي أحد أشهر رموز فترة الاستعمار الإنجليزي . الباشا الذي بدأ وزارته بإنشاء سجن دمنهور ونفسه الباشا الذي تلقي عدة رصاصات مزقت رقبته علي يد إبراهيم الورداني أحد رجال المقاومة الوطنية في 20/2/1910 يقع سجن دمنهور حاليا علي بعد 165 كم من القاهرة و45 كم من الإسكندرية مكونا من 12 عنبراً خصصت الداخلية 5 منها للسياسيين و3 للجنائيين وافرغ عنبران في مؤخرة السجن للنساء وآخر للتأديب احتوي علي زنازين انفرادية متقابلة . ويحيط بالمكان من الخارج سور حجري مزود بنقاط حراسة مكثقة ويرتفع لـ 6 أمتار . يليه من الداخل علي مسافة 10 أمتار سور داخلي مكهرب ومزود بالأسلاك الشائكة بارتفاع 5 أمتار .
لا يختلف سجن دمنهور عن أي سجن تقليدي في مصر سوي في نوعية المعتقلين . فالسجن منذ نشأته لم يقتصر علي الجنائيين وحدهم . فكان إحدي محطات تجميع الشيوعيين عام 1951 و1959 علي التوالي ونقلهم لسجون أكثر شراسة وحرفية مثل أبوزعبل وطرة والواحات . أيضا استعملت الداخلية سجن دمنهور كمحطة لتجميع معتقلي الإخوان عام 1954 . فمنه بدأ الاخوان والشيوعيون أطول رحلة اعتقال في تاريخ كل منهما.
تغير وجه السجن منذ 1974 ليصبح بتعليمات شفوية حكرا علي الجنائيين فقط . التعليمات التي انطلقت من وزير الداخلية في ذلك الوقت ممدوح سالم . ظل المكان علي حال كسجن جنائي حتي وصل لكرسي الوزارة اللواء زكي بدر في 28/2/1986 . ليفتتح عهده بحملة شرسة ضد المعارضين من كافة التيارات . وقتها فتحت الداخلية جميع السجون دون استثناء . فحشر المعتقلون من كافة التيارات السياسية داخل زنازين دمنهور .
ظل السياسسيون يتدفقون علي سجن دمنهور العمومي في جو امتلأ بالإحباط والدم .. ومن الإسكندرية لأسوان ظهرت طوابير من المعتقلين التي حصل منها سجن دمنهور علي نصيب الأسد . فكان مقرا لأغلب قيادات الصفين الثاني والثالث بالجماعة الإسلامية منذ أواخر الثمانينيات . فيما أفرغت سجون العقرب والوادي الجديد والفيوم وبعض أقسام أبوزعبل الصناعي لقيادات الصف الأول ومسئولي الخلايا العسكرية .
سجن دمنهور: صفقات وتعذيب وحملات تفتيش
كان رحيل زكي بدر عن وزارة الداخلية خبرا استقبله الجميع بفرحة سرعان ما تلاشت . فخلفه علي الكرسي جاء محمد عبد الحليم موسي الذي عقدت الوزارة في عهده اتفاقيات من نوع خاص مع خارجين علي القانون خاصة في الصعيد وكذلك مع أبناء العائلات الكبيرة للقضاء علي بؤر الإرهاب في الجنوب . خاصة بعد أن استفزت حملات الوزير السابق وممارسات الوزير الحالي داخل السجون خلايا الجماعات المنتشرة في الصعيد .
جاءت حوادث ديروط 1993 لتضع أول المسامير في نعش موسي . من ناحية أخري كانت نهاية وزير الصفقات علي يد الصحافة . ففي 4/4/1993 اجتمع الوزير مع قيادات سلفية وعرض عليهم التوسط لدي أمير الجماعة الإسلامية لوقف الصدامات المسلحة في الصعيد . وصل الخبر للصحافة علي الفور فانتهت حياة موسي الأمنية بعد 5 ساعات من النشر بقرار رئاسي .
كانت وزارة الداخلية علي موعد مع حسن محمد الألفي وزيرا للداخلية . تناسي الألفي صفقات سلفه السرية وقرر الاعتماد علي المثقفين بدلا من البلطجية وتجار المخدرات . فبدأت حملة إعلامية استخدم فيها جهاز الدولة جنوده ومثقفيه ومشايخه ضد الجماعات الإسلامية . من ناحية أخري فتح الألفي الباب لإعادة السجناء السياسيين لسجن دمنهور العمومي وانتقل مقر أمن الدولة بالمدينة ليشرف بشكل صارم علي السجن الذي ضم قيادات الجماعة الوسطي .
وحسب شهادة محمد عبد السلام عسران أحد المعتقلين السابقين بسجن دمنهور " كانت فترة الألفي كابوساً دائماً للجميع . فالتعذيب حتي الموت والصعق والتعليق وانتهاك العرض كانت وسائل ضباطه . من ناحية أخري كان للألفي خطة حصار محكمة أثرت كثيرا علي الهاربين . فمكاتب أمن الدولة المنتشرة بالجمهورية كان لديها تفويض كامل بتعذيب أهالي المطلوبين خاصة النساء لدرجة هتك العرض . حتي يسلم المطلوب نفسه طواعية لجهاز الأمن الذي كان يتلكأ غالبا في الإفراج عن الأهالي " يضيف عسران الذي اعتقل 11 سنة " قبض علي الآلاف من شباب الجماعات بهذه الوسيلة . أغلبهم غير منتم لأي تيار جهادي أوإسلامي وبدأت حفلات التعذيب في سجن دمنهور تبدو كأنها تعذيب للتعذيب . فلم تكن هناك اعترافات مطلوبة فجميعنا لم نحمل سلاحا ولا حتي " سكينة مطبخ " والأمن يعرف ذلك . فغالبية العناصر المسلحة كانت إما مقتولة أومعتقلة . ولم يتبق في الخلايا سوي عدد قليل جدا من الأفراد الذين فقدوا القيادة والتمويل وغلب عليهم الذعر والإحباط"
اللافت أن هذه الشهادة تكاد تتطابق مع شهادة أخري حصلت عليها «البديل» من أحد المعتقلين المفرج عنهم عام 2004 من سجن دمنهور - تحتفظ الجريدة باسمه - حيث وصف الحالة داخله بأنها " تصعب علي الكافر " مضيفا " كنا ننام بالتناوب خمسة خمسة في زنزانة مساحتها 3 متر × 3 متر ذات حوائط أسمنتية سميكة . يفتحها نوبتجي من الجنائيين يوميا لمدة 5 دقائق لإخراج الفضلات ثم تغلق مرة أخري علي من فيها . وفي ايام التفتيشات كانت الكلاب البوليسية تقف علي الباب ويخرج المعتقلون عرايا كما ولدتهم أمهاتهم لتتشممهم الكلاب وسط ضحكات الضباط وضرب العساكر فتزايدت حالات الجنون وانتشر الجرب وسط المعتقلين لدرجة أن بعض الأخوة كان يسب الجماعة ليل نهار في الزنازين المجاورة لعدة أيام كي تسمح إدارة السجن وتطلي جسده بمادة بيضاء لزجة تشبه الجير لمنع الجرب من الانتشار" .
في 1995 كان سجن دمنهور قد امتلأ عن آخره تقريبا بالمعتقلين السياسيين وبدأت بوادر التمرد في الظهور خاصة مع سوء الأوضاع هناك وضيق المكان . فجاء قرار الألفي بتوصية من مساعده في ذلك الوقت حبيب العادلي بتغريب المعتقلين وإخلاء دمنهور خاصة من العناصر القيادية وحصر المعتقلين السياسيين داخله علي المشتبه فيهم فقط منعا لظهور احتجاجات قوية بدأت ملامحها في التشكل كما حدث في سجن ليمان أبوزعبل واستقبال طره . وبالفعل توقفت طوابير الذاهبين لدمنهور حتي مايو1997 . حين بدأ الألفي يشعر بالخطر من سيطرة حبيب العادلي علي ملف معتقلي الجماعة الإسلامية . فأمر بعودة المعتقلين لدمنهور مرة أخري في مايو1997 ليقطع الطريق علي صفقات العادلي والقيادات التاريخية للجماعة .
فقه المبادرات : منصة وميكروفونات ومياه معدنية
جاءت حادثة الأقصر 1997 لتطيح بالألفي بشكل مهين وكان من الطبيعي أن يصعد العادلي الذي جمع خيوط ملف الجماعات في بيده وبدأ أمام الدولة المذعورة من تكرار الحادث المنقذ الوحيد . اتبع العادلي طريقه المفضل .المفاوضة بلا نهاية علي كل شيء ومع الجميع في وقت واحد . ورغم نجاح العادلي في جمع توقيعات 6000 معتقل علي إقرارات التوبة إلا أنه بعد تولي الوزارة أمر بتمزيق الإقرارات والبدء من جديد . فظهرت خطة المبادرة لتسلك طريقها من سجن العقرب لباقي السجون . وسط ذعر حقيقي ساد بين المعتقلين بعد تعرضهم لحملة تغريب شرسة استمرت 3 سنوات منذ حادثة الأقصر وحتي عام 2000.
كان سجن دمنهور إحدي المحطات التي تعثرت فيها المبادرة بشكل كبير . فقبل حضور فقهاء جهزت إدارة السجن المكان والبشر أيضا . يقول محمد عسران " ظهرت بوادر هجمة غير مفهومة من إدارة سجن دمنهور وبدأت الإشاعات تسري بأن هناك مخططاً لقتل الجميع . فالتفتيش لمرتين أسبوعيا مع تعرضنا للضرب المبرح وتكرار ذكر عبارات " هاندفنكم هنا " من قبل ضباط أمن الدولة بالسجن فأحس الجميع أن الموت مسألة وقت . فبعد كل حملة كان المعتقلون ينادون علي بعضهم عبر " نظارة " الزنزانة ليحصوا الأحياء والمصابين تحسبا للأسوأ " .
ورغم أن أنباء قليلة انتشرت في سجن دمنهور عن المبادرة إلا أن أحدا لم يكن يتوقع نجاحها خاصة وسط إجراءات أمنية من هذا النوع . لكن العنف الأمني الذي طال جميع المعتقلين في دمنهور - حسب شهادة عسران - وضع حاجزا نفسيا بين قيادات الصف الثاني وبين المعتقلين . فبدأ بعضهم يتطلع لتدخل قياداته في السجون الأخري . وبالفعل عزلت إدارة السجن قيادات الجماعة الوسطي في عنابر التأديب وبدأت قبل زيارة المشايخ بقليل في تجهيز المكان لاستقبال القيادات التاريخية للعنف بفكرها " النيولوك " .
يقول أسامه عبد العظيم القيادي بالجماعة الإسلامية في مذكراته المنشورة علي الموقع الرسمي للجماعة عن رحلة الشيوخ لسجن دمنهور " مكث شيوخ الجماعة في سجن دمنهور أسبوعين كاملين لم يذوقوا فيها طعم الراحة ليلا ً ولا نهارا ً .. فالجميع منهمك في شرح وتوضيح أبعاد المبادرة .. وكل واحد منهم التف حوله جمع من الإخوة ، فيه وما بين إجابة سؤال، أوتوضيح غموض ، أوحل مشكلة، أوإزالة لبس " يضيف أسامة " لم يكن الأمر سهلا ً كما يتصور البعض .. فأصعب شيء علي النفس أن تواجه بأخطائها وعيوبها ، وأن تراجع مسيرتها بصدق شديد وتجرد تام .. كانت الحوارات جد ساخنة .. وكان حدة المناقشات تعلو وتارة وتنخفض أخري " .
كانت زيارة القيادات التاريخية للجماعة لسجن دمنهور حدثا دراميا بكل المقاييس فإدارة السجن التي كانت قبل أسبوع واحد مجموعة من " الكفرة حلال دمهم وجهادهم فرض عين علي كل مسلم بلغ الحلم " حسب ما كتبت نفس القيادات تحولت في كلمات ناجح إبراهيم نجم المبادرة في دمنهور إلي " إخوة لنا نعذرهم ويعذروننا " حسب ما نقلته شهادات المعتقلين السابقين للبديل .
يقول علي سالم أحد المفرج عنهم مؤخرا من السجن " في دمنهور كانت معركة بالمعني الحرفي .. وسامح الله مشايخنا وقادتنا فلم يكن ماحدث نفس ما ذكره الشيخ أسامة . فطوال أسبوعين والإخوة قلقون من صفقات بين بعض التيارات داخل الجماعة والأمن . كنا قلقين من المبادرة لانها لم تكن المرة الأولي التي يضحي فيها من أفتي وحمل السلاح ضد الدولة بالمعتقلين في دمنهور . فهناك عرفنا من خلال المناقشات مبكرا معني النيولوك" .
جلس المشايخ علي المنصة مع مأمور السجن وأمامهم زجاجات المياه المعدنية والميكروفونات . فيما افترش آلاف المعتقلين الارض في انتظار كلمة المشايخ . التي بدأت بدعاء ردده ناجح إبراهيم وأمن خلفه المعتقلون جميعا . ثم بدأ ناجح في عرض استراتيجية الجماعة الجديدة قائلا حسب موقع الجماعة " أطلقنا المبادرة حقنا ً لدمائكم ودماء المسلمين في مصر .. حفاظا ً علي الأنفس أن تهلك في غير ميدان ، أوتقتل في غير مصلحة .. رأبا ً للصدع ، وحماية للحق ، وبداية لفجر جديد وفرج كبير .. طلقنا المبادرة صونا ً لحرمات البيوت والأسر المسلمة أن تتهدم وتفريجا ً لكرب آلاف المعتقلين " بعد انتهاء كلمة ناجح إبراهيم بدأت معركة الجميع ضد الجميع لصالح الداخلية . فغالبية أعضاء الجماعة في دمنهور لم يروا قياداتهم التاريخية مطلقا وأول لقاء جمع المعتقل مع أميره تم تحت مظلة الأمن وداخل سجن وبانقلاب كامل علي كل ما كتبته القيادات وآمن به المعتقلون .
في الفترة ما بين 2004 و2006. خرج مع آمن بالمبادرة كما آمن بالمشايخ قبل ربع قرن . وبقي في الداخل 3000 آخرون من الذين اعتقلوا بالاشتباه ورفضت القيادات التاريخية الإجابة عن اسئلتهم حول المبادرة ورفض الأمن الإفراج عنهم فظلوا حتي الآن في سجن دمنهور العمومي بلا مشايخ ولا مبادرات ولا تهمة
كتب: أحمد الفخراني
شيء خيالي أحيانا أن تضحي بعمرك كله من أجل فكرة.. لكن الصعب والقاسي أن تكتشف بعد انتهاء عمرك.. أن العائد..كان لاشيء.. لا أنت وصلت لشيء.. ولا من ساعدك علي الايمان بالفكرة واصل ايمانه.
الأمر نفسه حدث في سجن دمنهور الذي احتوي علي قياديي الصف الثاني والثالث للجماعات الإسلامية.. أغلبهم لم يمارس عنفا ضد الدولة.. لكنه حمل اقتناعا بفكرة الجهاد ضد الدولة الكافرة.. هؤلاء لم يروا قيادات الصف الأول الذين شنوا بالفعل أفعالا دموية ضد الدولة.. أغلبهم ظل معتقلا في السجن قرابة 20 عاما.
كل ما كان يسندهم هو الاقتناع بما يفعلونه ويرددون غيبا ما تحفره القيادات الكبيرة.
لكن المفارقة أنه بعد سنوات من التعذيب والغياب داخل السجن.. كانت المقابلة الأولي بينهم وبين القيادات الكبيرة أثناء لقاءات المبادرة بينهم وبين الأمن.. جاءوا ببساطة ليعلنوا لهم أن كل ما ضحوا من أجله ودفعوه من سنوات عمرهم كان حرامًا وخطأ كبيرًا.
أول محاولة انتحار لمعتقلين من أبناء الجماعات الإسلامية داخل سجن دمنهور.كانت في 2006: كل من محمد عبدالعزيز، وأسامة الورد، وأحمد جمعة من معتقلي الجماعات الإسلامية، حاولوا الانتحار يوم 6 أغسطس داخل سجن دمنهور بعد قيامهم بمحاولة شنق أنفسهم داخل الزنزانة، وقام زملاؤهم المعتقلون بإبلاغ إدارة السجن، وتم إنقاذهم وعلاجهم في مستشفي دمنهور العام. وقبلها بشهر قام أسامة الورد، وأحمد جمعة بإضراب انتحاري داخل سجن دمنهور، وشاركهما بعض المعتقلين في إضرابهم عن الطعام الشهر الماضي، وتم إنقاذ المضربين بوعود بالإفراج عنهم وتحسين معاملتهم داخل السجن.
اعتقال عشوائي، أوامر اعتقال علي بياض من ضباط صغار، معاملة سيئة وتعذيب داخل السجون.. عمر ضائع.. ثمن فادح للا شيء.
بعد المبادرة تحول الكثير منهم أيضا إلي سلفيين لايؤمنون بفكرة الجهاد وينظرون للتجمعات الإسلامية السياسية بالكثير من الكره.. كره الضحية للنصاب الأكبر.
أما من خرج منهم من السجون.. فحاولوا ممارسة أدوار دعوية.. وأصبحوا من مشاهيرها.. كهشام العقدة وفتحي الجزار.
سبقت محاولات الانتحار بالطبع كل وسائل الداخلية للتعذيب فوفقا لمركز ماعت للدراسات الحقوقية.. "علي لسان أهالي المعتقلين أن إدارة هذا السجن منذ شهر دأبت علي اتباع سياسة تكثيف القمع، والتعذيب علي معتقلي عنبر 1، 2 علي وجه التحديد، حيث قامت بشكل مفاجئ بمصادرة كل ما يمتلكه معتقلو هذين العنبرين من ملابس، أحذية، نقود، أغطية، أسرة، كراسٍ، أقلام، كتب ،مصاحف.. ولم تترك لهم في هذا البرد القارص سوي القليل من الملابس التي لا تكاد تستر سوي بعضا من أجسادهم النحيلة التي ذاقت من ويلات التعذيب الكثير، مرة علي أيدي ضباط امن الدولة، ومرة أخري علي أيدي ضباط إدارة هذا السجن. ولم تقف سياسة إدارة السجن عند هذا الحد بل تجاوزت حتي حرمانهم من الخروج من غرفهم التي لا تتعدي مساحتها بضعة أمتار قليلة لمدد قد تطول لأسابيع خلا عدد قليل من الساعات لا يجاوز الساعتين في اليوم، هذا بجانب حرمانهم المستمر من الطعام سوي الفتات الذي يلقي لهم من فوق أبواب الغرف دون أدني احترم للكرامة الإنسانية.
كما قامت بتقليص مواعيد الزيارة لتصبح عدة دقائق فقط لتقطع كل صلة لهم بذويهم، وبالعالم الخارجي.
موقف الداخلية وإدارة السجن من حالات الانتحار كان سلبيا.. فقط مزيد من التكتم علي الأمر.. عملا بنظرية السلطة الخالدة "كله تمام ..منتحرين؟.. مين قال إن فيه منتحرين هنا ؟
عنابر تختصر الحياة السياسية في مصر.. فيها تجد الشيوعي والإخواني والتائبين من الجماعات الإسلامية مع المتهمين بقضايا الفساد والتجسس لصالح دول أجنبية وعربية. كوكتيل مصري بامتياز يجمع كل أطراف اللعبة السياسية في المحروسة.
فمن رجل الأعمال الذي تورط، إلي السياسي الذي تجرأ، مرورا بالجاسوس الذي أفرج عنه.. يشكل سجن مزرعة طرة نموذجه الفريد ليصبح بالفعل مختصر السيرة الذاتية لمصر المحروسة بين أربعة جدران.
اتبعت الداخلية في تقسيم سجن المزرعة الشهير عدة اعتبارات جعلته نموذجا منفصلا عن منظومة السجون المصرية ككل. فالمزرعة مقسمة إلي 7 عنابر يسع العنبر في المتوسط 350 فرداً بإجمالي 2450 سجيناً. وتختلف معاملة إدارة السجن لهذه العنابر حسب الرؤية الأمنية. فعنبر الجنائي خاضع تماما لسيطرة رجال مباحث السجن وإدارته ،علي عكس العنابر الستة الأخري والتي اكتسبت اسمها الرسمي من طبيعة المعتقلين فيها، فهناك - بجوار الجنائي - عنبر الإخوان وهو مركز احتجاز القيادات الإخوانية. أما العنبر الثالث - عنبر السياسيين - فيضم المعتقلين الذين " تابوا " علي يد الداخلية من الإسلاميين، كما يضم أيضا بعض الكوادر الحزبية.
ويأتي عنبر التخابر والذي يحمل الرقم 4 بين عنابر المزرعة كأحد مراكز الاحتجاز الضبابية، حيث تتوارد عنه معلومات متضاربة باستمرار سواء من بعض المعتقلين السابقين أو من منظمات حقوق الإنسان. فهو يضم مزيجاً غريباً من المتهمين بالتخابر لصالح إسرائيل وليبيا وإيران.
و يعتبر عنبر ضباط الشرطة والقضاة - عنبر 5 - أكثر أماكن سجن المزرعة غرابة وتميزا، حيث يوجد به - حسب تقرير جمعية مساعدة السجناء - 8 ضباط برتبة نقيب و5 برتبة رائد واثنان برتبة لواء، بالإضافة لعشرة سجناء برتبة ملازم أول. ويفيد التقرير أن العنبر مخصص لاستقبال الضباط والقضاة المتهمين في قضايا الرشوة، وبعضهم صدرت ضده أحكام نهائية بالفعل. ويعتبر هذا العنبر أكثر أماكن طرة تميزا، فكون المساجين من الضباط والقضاة يضفي علي المكان نوعا من التغيير الملحوظ في المعاملة، سواء بتحديد زيارات شبة يومية أو في معاملة إدارة السجن، وتساهلها في إدخال كل ما يريده الضباط من الخارج.
أما العنبر "6" فهو عنبر تأديب يتكون من 7 زنازين انفرادية مساحتها 2متر في 2متر، بلا إضاءة ولا فتحات تهوية، خاصة في عنبر 6. مع تخصيص إدارة السجن زنزانة كدورة مياه جماعية. وبخلاف العنابر الأخري يقضي المعتقلون في التأديب حياتهم داخل زنازين مغلقة ممنوعين من التحدث إلي بعضهم. فجدران الزنازين الأسمنتية هي حدود عالمهم بالكامل.
وبرغم الأوامر المشددة لعنبري التأديب بقطع الاتصال نهائيا عنهم فإن الوضع يختلف حسب الأوامر. فالجاسوس الإسرائيلي عزام عزام ومعه الجاسوس طارق عماد الدين - مصري متهم بالتخابر مع الموساد ونقل معلومات حساسة لإسرائيل - يخضعان لمعاملة خاصة في عنبر التأديب المجاور رقم 7، والذي يتطابق مع عنبر 6 في تكوينه.
فحسب تقرير جمعية مساعدة السجناء: "الزنزانة التي تقرر نقل الجاسوسين إليها معدة بشكل جيد حيث تتوفر إضاءة دائمة ومياه، كما أن المكان معد بشكل جيد لاستقبال طارق وعزام، والغريب أن سيارة السفارة الإسرائيلية تحضر للسجن يوميا كل ما يطلبه عزام وطارق".. ويضيف التقرير: "ونأمل أن تحظي السفارة المصرية في إسرائيل بمعاملة المصريين المحبوسين هناك بنفس المعاملة التي تعاملها السفارة الإسرائيلية لرعاياها - والمتعاونين معها - في مصر".
من ناحية أخري وفي نفس العنبر تحتجز الداخلية 18 متهما بالتخابر لصالح ليبيا منذ 1977. وبرغم تشديد الحراسة عليهم فإن المعتقل، عبدالصمد الشرقاوي، نجح في إعداد رسالة ماجستير في الاقتصاد الإسلامي من داخل السجن بعد مساندة منظمات حقوقية. كما تحتجز الداخلية 5 طلاب أردنيين منذ 1991 أصيبوا جميعا بعدة أمراض مختلفة نتيجة ظروف السجن السيئة.
وفي نفس المكان وحسب " مصريون ضد التعذيب" تعرض أربعة من البريطانيين هم "مجيد نواز، وإيان مالكولم نيزبت، ورضا بانكهيرست، وحسن ريزفي" للتعذيب والصعق بالكهرباء في مزرعة طرة لمدة خمسة أيام متصلة مما استتبع ردود فعل بريطانية غاضبة. وتلاه حكم بالسجن لمدة 4 سنوات انفرادي علي خلفية اتهامهم بعضوية حزب التحرير الإسلامي.
الدخول إلي المزرعة.. كيف يصنع طرة كوكتيله الخاص
في أحد أشهر قضايا الرأي عام 1998 حكم القضاء علي الصحفي جمال فهمي بالسجن لمدة ستة أشهر قضاها في سجن المزرعة. يقول فهمي لـ"البديل": الطريق إلي طرة بدأ من أكبر احتفالية تجمع المثقفين في مصر.. من معرض الكتاب حيث توجه الكاتب ثروت أباظة إلي الرئيس مبارك بشكوي علنية ضدي. فكان الضوء الأخضر من مؤسسة الرئاسة حين قال مبارك للشاكي: "قدامك القضاء يا ثروت خد حقك هناك". وحتي تلك اللحظة لم أكن أتصور أن إيماءة الرئيس تعني السجن. فبسرعة قياسية بدأت محاكمتي. وحكم علي بالسجن لمدة 6 أشهر قضيتها بمزرعة طرة بعد فترة ترحيل قضيتها في سجن الاستئناف".
يضيف جمال فهمي: "دخلت عدة معتقلات سابقا كأحد النشطاء السياسيين مثل معتقل القلعة. لكن في طرة رأيت كم التغيرات التي جرت في إدارة السجون المصرية. فبرغم وجودي في عنبر سياسي إلا أن وجودك في السجن يعطيك فكرة عما يدور بشكل حقيقي داخل مصر. مرة سألني أحد الجنائيين الذي تعرفت عليهم عن سبب الحبس، فأجبته: قضية نشر وأخدت 6 أشهر. فأشار لنفسه - وكان نشالا محترفا -: يعني النشل أحسن من النشر بقي أنا نشال وواخد 3 شهور بس!". ويؤكد فهمي في شهادته أن "مصر ثاني أكبر الدول في نسبة المساجين بعد الولايات المتحدة. فكل شيء في مصر محكوم بالمعني الحرفي. فخلال السجن عرفت أنك لو غنيت غلط تتسجن ولو مثلت غلط تتسجن ولو صورت في الشارع تتسجن".. يتابع فهمي: "هناك عطب خطير في مرفق العدالة بالدولة. فالسجن هنا ليس مجرد مكان لاحتجاز أفراد خطرين علي أمن المجتمع كما هي العادة في كل الدول. ففي مصر السجون والمعتقلات هي الموطن الأصلي للمصريين. فخلال 6 أشهر رصدت الشرائح والفئات في الموجودة حولي. فوجدت رجال أعمال مع تجار مخدرات وصحفيين معارضين مع رموز الحكومة، ونشالين وموظفين تأخروا في دفع قسط غسالة. فوصلت لقناعة بأن الشعب المصري مطلوب في نظر الداخلية. والغريب أن نفس الشعور وصل لضباط السجن، فكان أحدهم يسب الحكومة ليل نهار مع كل ترحيلة، وحين تكلمت معه أخبرني أن الدولة أنفقت 10 مليارات جنيه لبناء السجون وأضاف ده جنان رسمي".
يضيف جمال "شاهدت هناك حقائق عن تزاوج السياسية والفساد. فأحد المساجين - رفض ذكر اسمه - المتهم في قضية اللحوم الفاسدة في أواخر التسعينيات كان مشهورا بزياراته الرسمية المستمرة التي قام بأحدها أحمد فتحي سرور وبعض الوزراء وحين سألته عن طبيعة العلاقة أجابني: أنا زي ما أنت عارف جزار وتاجر لحوم كبير وكل عيد لابد يروح لكل وزير خروفين ثلاثة من عندي قبل يوم العيد بأسبوع وبعد ما يستلم المسئول يتصل قبل العيد بقليل ليخبرني انه لا يملك مكانا كافيا لهذا العدد فاذهب واشتري منه ما سبق أن أهديته له قبل أيام وتصور في سنة واحدة اشتري 3000 رأس للهدايا ثم أعيد شرائها من الكبار مرة أخري".
وفي مقابل الزيارات الحكومية فإن زيارات المثقفين ظلت تتم بشكل آخر ففي 25/8/1998 وأثناء زيارة وفد نقابة الصحفيين لجمال فهمي اعتدي أحد ضباط السجن علي الصحفي يحيي قلاش وعدد من الصحفيين منهم جلال عارف ورجاء الميرغني ومحمد عبد القدوس. وحسب فهمي كانت حجة الداخلية أن الضابط مختل عقليا ولا تجب محاسبته. يقول فهمي "عرفت بالخبر في اليوم التالي من الصحف التي سمح بدخولها وفوجئت بتعرض وفد نقابي علي هذا المستوي للضرب والسحل" ويضيف ضاحكا "رغم العلقة استمر الزملاء في زيارتي حتي خرجت".
شعار الداخلية.. الجاسوس دايما علي حق
رغم أن أغلبية المتهمين في مزرعة طرة من السياسيين إلا أن الداخلية لا تتنازل عن ولعها بفكرة زنازين التأديب. يقول نظمي شاهين أحد أعضاء تنظيم ثورة مصر: " السجن سجن ولو في البيت. أنا قضيت 14 عاما من الحبس الانفرادي المتواصل من سجن لسجن كل واحد في غرفة لمدة 14 سنة عدا بضعة أشهر كانت كل عهدنا بالحبس الجماعي - نحن الأربعة أعضاء التنظيم فقط - ثم انتقلنا عقب وفاة العميد محمود نور الدين للانفرادي مرة أخري حتي انتهاء المدة في 20/9/2002".
يضيف شاهين "المزرعة ليست أبدا سجن خمس نجوم كما يروج البعض فالواقع أن حديثهم عن السجن بهذا الشكل يعطي مبررا للداخلية في مزيد من التنكيل بالمساجين. فالحبس الانفرادي لمدة 14 سنة تعذيب يفوق الخيال. مرة سألت نفسي يا تري أنا لسه بتكلم ولا نسيت الكلام؟. وبدأت أتحدث لنفسي كي لا أفقد القدرة علي النطق وأصرخ فجأة بصوت عال حتي سمعت الإدارة فخصصت لنا نحن الأربعة أحد أفراد الأمن يأتي إلي كل زنزانة ليتحدث مع كل منا في مكانه حوالي نصف ساعة في اليوم كي لا نفقد القدرة علي الكلام فعليا. وحين انتقلنا في البداية من أبوزعبل شديد الحراسة لسجن المزرعة لم أكن أستطيع الجلوس علي كرسي فطوال 10 سنوات لم أر غير أسفلت الزنزانة. بعد عدة أشهر خرجنا للانفرادي مرة أخري كل واحد في زنزانة خاصة مع وفاة محمود نور الدين ودخول الجاسوس الإسرائيلي عزام عزام السجن".
يضيف شاهين "لم يكن الإسرائيليون كائنات غريبة علينا فنحن كتنظيم استهدفنا قتل عملاء الموساد في مصر ولهذا السبب حكم علينا بالمؤبد. وسبق أن كان معنا تاجر مخدرات إسرائيلي اسمه "ياريف". خصصت له إدارة السجن مكتب ضابط العنبر كزنزانة بها مكتب وبانيو وكنا نري باستمرار واردات السفارة ترسل له حتي مجلات البورنو والإدارة تسلمها بكل فخر. فضلا عن كل المزايا التي لا تتوافر حتي للضباط" يتابع شاهين "أما عزام فكانت الحالة مختلفة تماما حيث كان وجوده في المزرعة سببا في العديد من المشاكل. فكان زواره من السفارة وكذلك طعامه وشرابه وملابسه وبمجرد أن يبدأ عزام تمارينه الصباحية تتوقف الحياة في السجن تماما وتغلق الزنازين ويتوتر الضباط رغم أنه جاسوس بحكم المحكمة".
ويضيف شاهين عن وفاة قائد التنظيم "في يوم وفاة محمود فوجئنا بحرارته ترتفع فوق الأربعين وطول الليل كنا بنعمل له كمادات ونحاول ننادي علي ضابط النظام بلا جدوي حتي أن محمود نظر إلينا وقد تحول إلي كتله من المياه قائلا: "كفاية أنا تعبتكم وتعبت" وفي الصباح صادف أنه موعد زيارتي وفوجئت بحمادة شرف يخبرني بالوفاة وأن مأمور السجن تكتم الأمر. فعدت للزنزانة حتي أتي طبيب برتبة عالية وعدة لواءات. فخشينا نقل الجثمان للثلاجة في أبوزعبل كي لا يشمت عزام - فقد نقلوه لهناك خوفا عليه منا - فرفضنا تسليم الجثة حتي تأتي النيابة وسجلت في المحضر أقوالي أن محمود توفي نتيجة الإهمال الطبي الجسيم وأن الداخلية حاولت التكتم علي الأمر وأنه ظل طوال الليل يعاني من الحمي وأنه أصيب بأمراض القلب والغضروف وعرق النسا من النوم علي الأسفلت في الانفرادي لمدة 10 سنوات متصلة انتهت بوفاته. فعوقبنا بالنقل من زنزانة تجمعنا نحن الأربعة وعدنا مرة أخري للانفرادي كي يعود عزام مرة أخري لممارسة الرياضة في السجن "
توبة الداخلية: كيف يتحول أبناء العنف لأبناء السلطة؟
في أواخر التسعينيات وقع الآلاف من أعضاء الجماعات الإسلامية علي ما سمي وقتها بإقرار التوبة دون شروط فصدر قرار بنقل القياديين التائبين إلي سجن المزرعة بعد أن أقروا بالتوبة في السجون شديدة الحراسة. ورغم مكافأة القياديين والتائبين بنقلهم للمرزعة إلا أن توبة الداخلية لم تكتف ببصمة المعتقل علي ورقة بيضاء لكنها تطمح دائما لما هو أكثر.
يقول القيادي اليساري كمال خليل أحد المعتقلين السابقين بالمزرعة" دخلت طرة عدة مرات عام 1998 و2003 علي خلفية تظاهرات القوي الوطنية المناهضة لغزو العراق. وقابلت مجموعة من التائبين في المرتين وكان أغرب ما شاهدته في المزرعة أحد التائبين من أعضاء الجماعة الإسلامية الذي كان يقوم بدور الإمام في صلاة الجمعة وفور صعوده علي المنبر يبدأ في الدعاء للرئيس مبارك وللداخلية والنظام ككل وليس هذا فقط بل تتحول الخطبة لحفلة سباب ضد أفكار الجماعات الإسلامية نفسها وكيف أنهم أفسدوا في الأرض وخرجوا عن ولي الأمر إلي آخر هذا الكلام. فدهشت للغاية من هذا الشكل المهين في التعبير عن تغيير أفكاره التي أراها خاطئة فسألته عن السبب فاخبرني "أنا من 3 سنين هنا كل جمعة أطلع علي المنبر أعمل نفس الموال ده وأدعو للحكومة والرئيس والوزير بطول العمر وألعن الجماعة رغم اني محبوس معاهم والمصلين أغلبهم منها بيأمنوا علي الدعاء ورغم ذلك لم يفرجوا عني حتي الآن".
يضيف خليل "مرة أخري في 1998 ناداني أحد التائبين يا كمال يا شيوعي ففوجئت بصوت محمود نور الدين رحمه الله يسب الرجل ويحذره من الاقتراب مني وكانت له وللتنظيم هيبة وخبرة طويلة بالمعتقل فسألت محمود لماذا نهرته فأنا يساري ولا أخفي ذلك فاخبرني أن نداءه علي بهذا الشكل طريقة لتحريض التائبين ضدي خاصة أني كنت معهم في نفس الزنزانة. بعدها عرفت أن أهم واجبات التائب أن يكون عصفورا بالمجان".
يتابع كمال خليل بعد قليل من الصمت "أعرف أن سمعة المزرعة كسجن خمس نجوم وما إلي ذلك إلا أن الواقع يقول أن المزرعة مثل أي سجن حيث يوضع ضباط مصلحة السجون كواجهة فقط أما القرار الحقيقي فهو لضباط أمن الدولة فبجرة قلم من أحدهم يتحول السجن من سجن خمس نجوم لجحيم خمس نجوم وكل ضابط وله طريقة
ثلاثة معالم علي طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي يعرفها المسافرون علي الطريق. بوابة الرسوم، ودير الأنبا مقار، وسلسلة سجون وادي النطرون التي تبدأ من ناحية الطريق بسجن وادي النطرون «1».
يقع السجن في الكيلو 92 من طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي. ويبتعد ببوابته عن الطريق 500 متر، وحسب تقرير مركز حقوق الإنسان لمساعدة السجناء يتكون السجن من ثلاثة عنابر تضم 1620 معتقلا سياسيا لم توجه لهم تهم محددة حسب تقرير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان.
أنشئ سجن وادي النطرون في حمي بناء السجون التي انتابت الداخلية في فترة التسعينيات. فبعد أن زادت الجماعات المسلحة من نشاطها، وفشلت المفاوضات الأمنية التي قادها عبد الحليم موسي وزير الداخلية مع قيادات الجماعة الإسلامية خاصة في أسيوط. جاء حل الداخلية لإنهاء تلك الموجة من إرهاب الجماعات بحملة اعتقالات علي أوسع نطاق. وحسب المحامي ممدوح إسماعيل" دخل السجون المصرية في تلك الفترة ما بين 50 و60 ألف معتقل سياسي غالبيتهم من أبناء الجماعة الإسلامية ثم الجهاد وبعض الجماعات الصغيرة".
من ناحية أخري كانت الداخلية تعمل بمجهود مضاعف لإنشاء المزيد من السجون. في أول الأمر تعاقدت الداخلية مع شركة المقاولون العرب لبناء سلسلة من السجون في الصحراء في بداية التسعينيات. بعدها جاء زلزال أكتوبر 1992 ليجعل المقاولون في موقف لا تحسد عليه. فتعاقدت الداخلية منذ بداية عهد الألفي مع "المكتب العربي للتصميمات الهندسية" لتصميم السجون التي لم تجد المقاولون وقتا لها.
بعد أحداث ديروط عام 1993 طلبت الداخلية سرعة إنشاء عدة سجون مطلوبة علي وجه السرعة لاحتواء عناصر الجماعة الإسلامية التي أحكمت قبضتها تقريبا علي الصعيد. فكان سجن وادي النطرون «1» هو الحل. افتتح السجن في سبتمبر 1994 ونقلت الداخلية إليه آلاف المعتقلين سياسيا من سجون ليمان واستقبال طرة. وبعض المعتقلين في سجون أسيوط خوفا من هروبهم أو اقتحام الجماعات المسلحة السجن وتهريب المعتقلين كما حدث عدة مرات من قبل في أسيوط والمنيا.
السجن من الداخل: 54 زنزانة و1620 معتقلاً سياسياً
يتكون السجن من ثلاثة عنابر بالإضافة لمبني إداري مكون من طابقين تفصل بينهما أبواب حديدية مدرعة. كما يظهر أعلي المبني الإداري هوائيات وحدة اتصالات خاصة ترسل بانتظام إشاراتها للداخلية. من ناحية أخري يضم كل عنبر من عنابر السجن 18 زنزانة جماعية مساحة كل زنزانة 15 * 10، يوجد بها 30 معتقلاً بواقع 50 سم لكل معتقل. وأغلب المعتقلين في وادي النطرون «1» أعضاء الجماعة الإسلامية وبعض القطبيين إضافة لعناصر معزولة في زنازين خاصة من التكفير والهجرة - جماعة مصطفي شكري -و بعض السلفيين الجهاديين.
في أغلب الأوقات كانت أعداد المعتقلين تفوق طاقة الزنازين. فالمعتقلون في وادي النطرون مروا خلال فترة التسعينيات بفترة كانت الزنزانة تحتوي علي 60 :70 معتقلاً بواقع 20 سم لكل فرد. ومع العام 1996 وانتشار المرض داخل الزنازين وظهور الجثث علي البوابات. بدأت الداخلية في إنشاء دورات مياه بمعدل دورتين لكل عنبر - يستخدمهما نحو 500 معتقل مرتين في اليوم وبشكل جماعي.
لم يكن كافيا - بالنسبة للداخلية علي الأقل -تكدس آلاف المعتقلين في زنازين وادي النطرون «1». فواجب السجن أن يمنح المعتقلين فرصة ليذوقوا التأديب. فالتقرير الحقوقي السنوي عن الاعتقال والمعتقلين في مصر أكد وجود "زنازين فردية للإيراد (التأديب) وتوجد في عنبر 1، 2، أ زنزانة مساحتها 4 * 6 أمتار وارتفاعها 4 أمتار، وجدران الزنزانة من الخرسانة المسلحة التي يصل سمكها إلي أكثر من 30 سم وكذلك الأرضية وبكل زنزانة 3 فتحات واحدة أعلي باب الزنزانة وتبلغ مساحتها 250 سم * 20 سم ويتخللها أسياخ حديدية وأسلاك شبكية شديدة الضيق، ويقع في مقابل تلك الفتحة فتحتان متجاورتان مساحة كل منهما 100 سم 20 سم وارتفاعها عن باب الزنزانة يبلغ 3 أمتار، وهاتان الفتحتان لا تسمحان بدخول أشعة الشمس والهواء النقي حيث تطلان علي زنزانة أخري تقع خلفهما، وتم إنشاء الفتحتين الأخريين في مايو 1996 عقب إصابة العديد من المعتقلين بأمراض صدرية وضيق في التنفس".
عيادة السجن: العلاج باللاسلكي
كانت أمراض المعتقلين سببا في إحراج الداخلية بشكل كبير. فالمرض في المعتقلات المصرية يعني الموت ببساطة أو علي الأقل الإعاقة. ومع تزايد أعداد القتلي داخل السجون التي تولت نشرها منظمات حقوقية عديدة داخل مصر وخارجها بدأت الداخلية تشعر بشيء من الضغط المزعج ربما للمرة الأولي . فبعد سجال طويل مع المنظمات الحقوقية خاصة المنظمة المصرية لحقوق الإنسان حول أوضاع المعتقلين سياسيا في مصر وافقت مصلحة السجون علي منح وفد من أطباء وزارة الصحة تصاريح بالزيارة لخمسة سجون مصرية وتوقيع الكشف الطبي علي المعتقلين فيه. كان هذا القرار لطمة غير متوقعة لسكان لاظوغلي، فتقرير اللجان الطبية التي شكلتها وزارة الصحة بانتقاء الأطباء المجربين في مثل هذه الحالات. أكد إصابة أكثر من 70% من المعتقلين في سجون دمنهور والوادي الجديد ووادي النطرون 1، 2 بالجرب كما وثق أطباء اللجنة الحكومية آثار التعذيب الواضحة علي أجساد المعتقلين. مما أدي بعضها لعاهات مستديمة وأمراض لا يمكن علاجها داخل السجن أكثرها انتشارًا الدرن والسكري والضغط وطابور طويل من الأمراض النفسية التي نتجت - حسب التقرير الطبي - نتيجة "-المعاملة غير الآدمية التي يلقاها المعتقلون من إدارة السجن وضباط أمن الدولة في السجون المذكورة مما أثر علي حالاتهم النفسية بشكل يتطلب عدة سنوات لإعادة تأهيلهم ".
في وادي النطرون - أحد السجون التي شملها تقرير وزارة الصحة - قررت الداخلية إفراد غرفة داخل المبني الإداري الحصين كعيادة للمعتقلين المرضي. يقول تقرير مركز حقوق الإنسان لمساعدة السجناء عن العيادة وعلاج الداخلية " تتم مرة واحدة أسبوعيا (يوم السبت) وأحيانا مرة أخري وسط الأسبوع، حيث يقوم الشاويش بتجميع النزلاء من العنابر بواقع نزيل من كل زنزانة ويتم تعصيب أعينهم من لحظة خروجهم من باب الزنزانة حتي وصولهم لعيادة الطبيب داخل المبني الإداري بالسجن ويتعرضون أثناء ذلك للضرب من العساكر مع صدور أوامر مشددة بعدم سماع صوت أحدهم لأنهم بجوار الإدارة ومع بداية الكشف يقوم الطبيب بفحص كل حالة مرضية بشكل شفوي وعن بعد (حوالي ثلاثة أمتار)، ويتم إعطاء الحالات التي لا يستطيع تشخيصها بعض المسكنات".
وتكشف شهادات المعتقلين السابقين لـ«البديل» نوعاً آخر من القهر الذي يتعرض له المعتقل السياسي. فأسرة المعتقل أحمد حسين عبد الكافي نقلت علي لسان ابنها المعتقل تفاصيل ما يحدث داخل سجن وادي النطرون «1». تقول سيدة محمد خطيري أم المعتقل " اعتقل أحمد في 1990 من مسجد الشهداء بمدينة الفيوم أثناء صلاة الجمعة. في نفس المسجد الذي اعتقل فيه عمر عبد الرحمن ومن يومها وهو يتنقل من سجن لآخر حتي بلغنا من بعض المعتقلين أنه موجود بسجن وادي النطرون فذهبنا إليه". تتابع سيدة "هناك لم نتعرف علي أحمد فوجهه شديد الصفرة ويبدو عليه الإرهاق الشديد.. وفوجئنا به ينادي علينا من خلف السلك وسط ضجيج أهالي المعتقلين وبالكاد لمحته وبكيت حتي انتهاء الزيارة الأولي التي استمرت 10 دقائق فقط. بعد تعدد الزيارات عرفت انه مصاب بالدرن نتيجة حبسه في غرفة التأديب 11 شهرا. كما عرفت أنه مصاب بفتق غير مرتجع في الخصية ويرفض أطباء السجن تحويله لإجراء عمليه الفتاق، رغم اصابته اثناء الاعتقال ونتيجة تعرضه للضرب أسفل البطن والصعق بالكهرباء في نفس المنطقة علي فترات مختلفة لمدة عامين دون ذنب". تضيف والدة المعتقل: "جمعت بالكاد ما يكفي لإجراء العملية في أي مستشفي حكومي خاص من تبرعات أهل الخير، حيث رفض كثير من القيادات ـ التي كانت سببا في اعتقال ابني ـ التعاون معي خوفا من إعادة اعتقالهم مرة أخري. فأرسلت برقية لوزير الداخلية ورئيس الجمهورية أطالب فيها بعلاج ابني علي نفقتي نظرا لحالته الصحية المتردية، فاستدعاني أحد ضباط أمن الدولة واحتجزني ثلاثة أيام في غرفة قذرة ثم افرج عني. بعدها بأيام اعتقل شقيق أحمد الأصغر (19 سنة) لمدة شهرين ثم أفرج عنه وهو طريح الفراش".