شاهد من اهلها

 

كتبها- العميد محمود قطرى

أستميحكم أن أتحدث إليكم من خلال مذكرة أعددتها خصيصا لهذا الحفل الحزين، وإن كنت أجيد الحديث دون ورق لكني رأيت أن أكون دقيقا فيما أقول حيث أنني متهم في قضية الرأي رقم 9031 لسنة 2004 إداري قسم دمنهور من قبل وزارة الداخلية المصرية بتهمتي إهانة الوزارة وإفشاء أسرارها، ولهذا فإنني أشعر أنه لزاما على أن أحسب كلماتي حتى لا يسوء موقفي في هذه القضية، فخذوا كلامي على أنه دراسة واستنتجوا منها ما شئتم.


أما عن التعذيب فهو المظهر القبيح والفج لإهدار حقوق الإنسان، فذروة الاعتداء على هذه الحقوق هو التعدي بالإيذاء البدني على جسم الإنسان. ولما كان التعذيب ظاهرة قديمة فهو يرتبط بعصور التخلف ويتنافى مع الرقي ويذكرنا بالقرود على الشجر فيما قبل نظرية العقد الاجتماعي، فالإنسان يجب أن يكون إنسانا.. وإذا كان تعريف التعذيب يمكن أن يتسع ليشمل تصنيفات عديدة إلا أن ما يعنينا هنا هو التعذيب البدني من ممثلي السلطة الحكومية وهم ضباط وأفراد الشرطة.


وأعتقد أنه لا يكف رفع الأصوات والحناجر المخلصة إعلانا عن الحنق والغضب عند علمنا بوقائع التعذيب والمطالبة بمعاقبة المعذبين، ولكن يجب اقتلاع جذور التعذيب من أساسها، ولكي نتمكن من ذلك فإنه لابد من دراسة التعذيب وظروفه والأسباب التي تؤدي إليه والنظرية التي يقوم عليها.


ولقد وضعت مؤلفا بعنوان "اعترافات ضابط شرطة في مدينة الذئاب" وهو عبارة عن دراسة نقدية للأمن في مدينة خيالية أسميتها مدينة الذئاب، وقد تشابهت بعض من عناصر هذه الدراسة مع الواقع، وهنا يكمن الاستنتاج عن التشابه.. وتكمن في ثنايا هذه الدراسة على ما أعتقد ما يوضح أمورا قد لا يعرفها الآخرون ليس لفخر لي ولكن لظروف أتاحت لي هذه المعرفة وهي ظروف عملي لمدة 24 عاما في خدمة الشرطة حيث تخرجت ملازما في كلية الشرطة عام 1977، وفي عام 2001 تم تسوية معاشي مبكرا في رتبة العميد، مع أسباب خاصة بي وهي ميلي للتأمل وحب معرفة الحقيقة وتأصيل الأمور.


وقد يمكنكم أيها السادة في ضوء هذه الدراسة تصنيف التعذيب الحكومي أو الشرطي في مدينة الذئاب على أنه "تعذيب منهجي" يتم وفق منظومة فكرية وسيكولوجية يعتنقها الجناة، أفرزتها العشوائية والتخلف عن استخدام العلوم الحديثة في المؤسسات العامة مثل نظرة البعض إلى علوم النفس والاجتماع والفلسفة على أنها علوم ترفيهية ساذجة لا حاجة لنا بها، وكذلك العلوم الشرطية التي يتم تناولها بطريقة مغلقة تقتصر على المؤسسات الشرطية، فلا يمكن لأحد أن يتصور مدى التخلف الذي يتم من خلاله تناول هذه العلوم في شرطة الذئاب.. فنظرا لغياب بعض هذه العلوم وسذاجة الأخيرة في إعداد الضباط والأفراد في كليات ومعاهد شرطة الذئاب بالإضافة إلى الافتقار إلى الأساليب العلمية في الأداء الشرطي وأيضا الفساد المتفشي، فإن ذلك يؤدي إلى نتائج في غاية الخطورة من ضمنها ما نتحدث عنه بحسرة اليوم وهو موضوع التعذيب.


فالتعذيب في مدينة الذئاب منهجي بالفعل وهذا المنهج غير مكتوب بالطبع ولكنه قائم وله أسس وقواعد يستند عليها، فلا يعتقدن البعض أن التعذيب لا يعدو أن يكون إلا مخالفات فردية من رجال السلطة العامة وإن زادت نسبتها.
والتعذيب البدني هو الصورة الفاجرة لانتهاك الحقوق في السجون ومقار أمن الدولة والمراكز والأقسام في مدينة الذئاب ويمكن لنا تأصيله على أن سببه هو الفساد في وزارة الداخلية في هذه المدينة..


وبيان ذلك أيها السادة أنه في شرطة الذئاب تبدأ أولى خطوات الضابط أو الفرد بها بالوساطة والرشوة كي يلتحق بإحدى كلياتها أو معاهدها، ثم يفاجأ ببرنامج نفسي عشوائي يتم بمقتضاه نقل الطالب من الحياة المدنية إلى الحياة العسكرية، وهذا البرنامج العشوائي يعتمد أساسا على إهانة الطالب سواء بما يسمى الشتائم الأميرية أو بالتمرينات العقابية المذلة، وفي ذات الوقت يطلب من الطالب أن يتعجل في مشيته وبفرد صدره وينظر للأمام ولأعلى وأن يمشي متعاجبا.. بنفسه هكذا وبنفس الألفاظ "متعاجبا بنفسه". ووسط ظروف تتسم بالعنف المستمد من التدريبات العسكرية في غياب البرامج النفسية يعيش الطالب في كلية شرطة الذئاب وغيرها من الكليات والمعاهد الشرطية، حتى أنه من المعروف بين الطلبة أن تتم تصفية الخلافات عن طريق العنف.. فالمتخاصمان يغلق عليهما الفصل أو العنبر لكي يفصلا خلافاتهما بالضرب دون أن يمنعهما أحد إلا اقتراب أحد المسئولين أثناء المرور حتى لا يتم عقابهما. ويخضع الطالب لجملة من المحظورات أهمها عدم التحدث مع المدنيين والالتزام بالنظر دائما للأمام ولأعلى أثناء سيره خارج الكلية.. وعدم التلفت يمنة أو يسرى.. وعدم ركوب المواصلات إلا في الدرجة الأولى وعدم الجلوس على المقاهي.. وعدم مصادقة من هم دون المستوى. ثم بعد أن يتخرج يمنع من أن يتزوج ممن هن دون المستوى. والمستوى في هذه الظروف يقاس بمقياس الوجاهة الاجتماعية، وتقام مقارنة تصل إلى حد المنازلة بين المدنيين والعسكريين بحيث يجد الطالب نفسه ينظر للعسكريين على أنهم الأفضل وأنهم يتمتعون بالقوة والنباهة والوجاهة الاجتماعية، وأن أغلب المدنيين ما هم إلا خنافس يتصفون بالطراوة وسطحية التفكير والتدني الاجتماعي، فكان الطلبة مثلا، خاصة في فترة تدريب المستجدين التي تصل مدتها إلى 45 أو 55 يوما، يحسدون الحلاقين المدنيين وهم من موظفي الكلية أثناء الحلاقة المتكررة على الزيرو، لأنهم يخرجون بعد انتهاء عملهم اليومي.. وكان الطلبة القدامى المختصين بالعيش مع الطلبة الأحدث لقيادتهم يردون على من يقول ذلك بأنه غبي لا يفهم (وهذه من ضمن الشتائم الأميرية بالإضافة إلى تلميذ أو عيل وشخاخ).. وأن هذا الحلاق يتمنى أن يقبل الأحذية ليكون في مكان الطالب وأنه بعد التخرج لن تعيره هو أو مثله أية أهمية وأنه لن يستطيع أن يدخل لك مكتبك إلا بصعوبة.


ثم يتخرج الطالب فيجد أن زملاءه الأقدم منه يتعاملون مع بعض المواطنين باستهزاء يصل إلى حد تلفيق القضايا والتعذيب دون أن يشعروا بأي وخز من الضمير، حتى أن الضابط الذي يصعب عليه منظر الجثث في حوادث السيارات يتعرض للسخرية من زملائه، وتجمد القلوب وتتحجر بحجة القوة والقدرة على التحمل، وهذا ما يفسر الغرور الذي يعتري طالب كلية الشرطة بمجرد خروجه من فترة المستجدين أو التدريب الأساسي والذي يمارسه على أبناء جيرته وأقرانه بل وأصدقائه الجامعيين أيضا، وينظر الطالب إلى المدنيين من عل على أنهم أقل منه.


في ذات الوقت فإنه توجد أعراف سيئة متراكمة في شرطة الذئاب تؤدي بالضرورة إلى الفساد الذي يتمخض عنه تصرفات غاية في الخطورة والتي من ضمنها تلفيق القضايا والتعدي على المتهمين والمشتبه فيهم وتعذيبهم.


ذلك أنه من المعروف عموما أن من يحقق نتائج إيجابية في عمله يكون منطقيا قد بذل مجهودا ملحوظا ويكون هو المفضل عند التقييم، والنتائج الإيجابية التي يمكن لضابط المباحث تحقيقها هي ضبط مزيد من القضايا وكشف مستور الجرائم بالسرعة المطلوبة ولذلك ووفقا لهذه الأعراف السيئة فالضباط مطالبون بتحقيق إحصائيات معينة للاعتماد عليها عند الإذاعة الإعلامية عن أداء الوزارة للإيهام بأنه رغم ارتفاع معدلات الجرائم فإن الشرطة مسيطرة وتحكم قبضتها على الجريمة.


فضابط المباحث في أي مركز مطلوب منه ألا تقل عدد الأسلحة التي يتم ضبطها في قضايا إحراز الأسلحة بدون ترخيص عن المعدلات السابقة، فلو أنه قام بضبط 30 قطعة سلاح في العام الماضي فعليه في إحصائية هذا العام ضبط مثل هذا العدد على الأقل وإلا فإنه يواجه بتهمة ضعف المجهود وينال الجزاء المناسب الذي غالبا ما يكون مقنعا مثل النقل بعيدا عن هذا المكان.. لهذا فإنه لابد للضابط أن ياتي بقضايا حتى لا يتهدد مركزه الوظيفي وقد يقوم في سبيل ذلك بتلفيق بعض القضايا مع مراعاة بعض المنطق في فن التلفيق.. فيختار المتهمين من المسجلين وأصحاب السوابق في نفس النشاط حتى يسهل تصديق هذا التلفيق.. ويضطر الضابط إلى تعذيب هؤلاء لانتزاع اعتراف منهم بارتكابهم الجريمة. وهذا يحدث في كافة تخصصات المباحث سواء الجنائية أو مباحث المخدرات أو الآداب أو غيرها. أما المباحث الجنائية في شرطة الذئاب والمنتشرة في الأقسام والمراكز فلها دور آخر علاوة على ذلك. فضابط المباحث الجنائية مطلوب منه أيضا أن يتوصل إلى كشف مستور بعض الجرائم التي تهم الرأي العام وتتسم بالأهمية، مثل جرائم القتل والسرقة وما شابهها من الجرائم الهامة. ومطلوب من الضابط ضرورة سرعة كشف مستور هذه الجرائم للحفاظ على مركزه الوظيفي، والسرعة مطلوبة فحركات التنقلات كثيرة وهي دائما على الأبواب والقيادات يضيق صدرها بسرعة ولا تحب الانتظار.. فهي تريد من الضابط أن يشم على ظهر يده ويضرب الودع حتى يأتي بالمتهم والسلاح المستخدم أو يأتي بالمسروقات حسب الأحوال على وجه السرعة.. وهو في ذات الوقت لم يتعلم في الكلية أية أساليب علمية يمكن له أن يستخدمها في كشف مستور الجرائم.


ولبيان ذلك نضرب مثلا لحادث سرقة بنك في دائرة بوليس سكوتلانديارد، فقد عرف على وجه السرعة متلقي البلاغ التليفوني ماركة السيارة المستخدمة فتوفر لديه مقدار السرعة التي فر بها الجناة من معرفته بأقصى تدريج في عداد هذا النوع من السيارات، وعرف كذلك وقت الفرار، وعن طريق معادلة الميكانيكا تمكن من معرفة المسافة التي مروا فيها، فاتخذ البنك مركز الدائرة وحرك سياراته المستعدة القريبة من خط تماس هذه الدائرة في الطرق المؤدية إلى البنك على الخريطة التي أمامه فأمكن الإمساك باللصوص فورا وبمنتهى السهولة. هكذا لأنهم يستخدمون الطرق والأساليب العلمية، فلم يتكاسلوا حتى يكون هناك مجال للاشتباه للبعض والحيرة بعد انتهاء ارتكاب الواقعة. ولو حدث مثل ذلك في شرطة الذئاب لتكربست الدنيا حيث تتسابق القيادات على هدف واحد ليس هو ضبط الجريمة وإنما مجرد سرعة الانتقال أولا لمكان الواقعة ثم إخطار مدير الأمن بأية معلومات سطحية متاحة كأقوال شهود العيان وما إلى ذلك لكي يعرف انه هو أول من وصل.


وقد حاولت شرطة الذئاب تقليد ما يحدث في سكوتلانديارد فابتدعت فكرة إغلاق منافذ المدينة، ولكنها فشلت فشلا ذريعا وتحول الأمر إلى نكتة، إذ تم تكليف الضباط والأفراد المرهقين والمشغولين دائما بأمور اغلبها تافه لا قيمة لها، فغي معايير العمل الأمني مثل خدمات الكرة في المناطق الريفية والتفتيش على المرؤوسين بداع وبغير داع، وعمل التقارير واللجان التي لا حصر لها وغيرها بمعنى عامي (محدش فايق)، فكان يصل بعض الضباط والأفراد إلى مكان المنفذ لغلقه بعد أكثر من نصف ساعة أو ساعة إلى ربع وهذا الوقت كفيل بأن يضمن للجناة الهروب على راحتهم.. فتغير التكنيك وفرض على عامل سويتش النجدة أن يخطر الضابط المنوب معه لكي يغلق المدينة من تلقاء نفسه فور تلقيه مثل هذا البلاغ قبل إبلاغ مدير الأمن والقيادات وبالإمكانيات المتاحة. ولكن ماذا تفعل الماشطة في وجه الذئاب العكر؟.. فالذي يجلس على السويتش عسكري أو أمين شرطة لم يتلق القدر من الثقافة اللازمة وهو وكذلك الضابط يتعرضان لأقسى الضغوط النفسية والعصبية بسبب سوء الأحوال كعدم كفاية المرتب، وانشغاله الدائم بالقلق على أولاده الذين يعيشون بعيدا عنه لكثرة تنقلاته وفساد فلسفة التشغيل التي أصبحت طاحونة لا تتوقف ليلا ولا نهارا فيما لا داع لأغلبه.. وكذلك الشعور بالتهديد الدائم على المركز الوظيفي وجبروت إمبراطورية المباحث التي تكتب التقارير السرية في الضباط وسوء نظام التأديب وعدم منطقيته وسهولة توقيع العقاب وقسوته، و.. و.. و.. مما جعل العمل في شرطة الذئاب لا يؤدي وفقا لأسس وقواعد الأداء الأمني، وإنما وفقا لكيفية تلافي المسئولية الإدارية، فالضابط والفرد على السواء يعاني الأمرين فكيف يطلب منه أن يكون متحمسا لأداء عمله كما فعلا أفراد بوليس سكوتلانديارد.


بالإضافة إلى هذا، فالضابط مشغول دائما في أعمال كثيرة، إذ مطلوب منه السرعة، وهو في نفس الوقت لم يتعلم شيئا، وهو مشغول، فالأسهل طبعا عند محاول فك طلاسم الجرائم هو أن يقوم بتعليق المشتبه فيهم وتعذيبهم حتى يعترفوا.. وقد تدعي شرطة الذئاب أن ذلك كان يحدث بالماضي وأن الحال قد تغير.. ولكن لا.. فالحال كما هو، والسبب في ذلك أن تلك التعليمات المؤدية إلى هذا الفساد ليست مكتوبة، وإنما جاءت من أعراف سيئة تراكمت عبر سنين طويلة وأصبحت في داخل جهاز الشرطة قواعد ثابتة متغلغلة في الفكر.. وهي تحظى بالتبرير المنطقي من وجهة النظر الوظيفية.. فالضابط الذي يمسك بكثير من القضايا هو رجل ممتاز.. والذي يسرع دائما في كشف مستور بعض الجرائم الهامة كالقتل والسرقة مثلا يكون مؤديا جيدا لعمله ولابد انه بذل مجهودا جيدا.. وهذا يجعله يحظى برضا القيادات عنه فيتحسن موقفه الوظيفي.. وهو قد يجعل الأمن مستتبا في دائرة عمله وهذا قد يكون حقيقيا لوجود تناسب عكسي ما بين الحرية والأمن، فكلما زادت معدلات الحرية تراجع الأمن والعكس صحيح. هذه معادلة عملية ولا أقصد بالطبع طعن الحرية فأنا مهموم بها وأبحث عنها في كل طريق.
ومما يدعم هذا التحليل السابق ما سقناه عما يعتري الضابط منذ فجر التحاقه بكلية الشرطة من تغيير حيث يصبح مغرورا ومتكبرا وينظر إلى الناس من عل، فالغرور يجعله يتعامل مع البسطاء على أنهم حشرات وهو يستخدمه لتدعيم مركزه الوظيفي وكأنهم قطع شطرنج يحركهم دون إرادة منهم لتحقيق النصر، وهو تحقيق الإحصائيات – فيما عدا المميزين والمسنودين طبعا – فان اهتزاز الموقف الوظيفي للضابط بنقله من مكان دخله أكثر ومكافآته أكثر أو مجازاته بالخصم من المرتب أو الوقف أو الإحالة للاحتياط يجعله في مأزق إنساني فهو قد لا يجد ما يشتري به الحاجات الأساسية من مأكل وملبس ومسكن له ولأولاده. أليس ذلك التهديد كافيا كي يدفع الضابط إلى عمل أي شيء والتضحية بالمواطن في سبيل معاشه وحياته وكذلك معاش أسرته وهذا التهديد من قبل الوزارة قائم بلا شك كالسيف على الرقاب، والدليل على هذا أن أحد أصدقائي في شرطة الذئاب عمل إحصائية عن النسبة المئوية لعدد الضباط المحالين للمحكمة التأديبية فوجد أنها تقترب من 35% من الضباط، إذن الأمر في حقيقته صراع مصالح على الحياة والطعام.. ومما يعضد ما سبق أنه يسهل على الباحث أن يلحظ وجود سيكولوجية بها عناصر مشتركة بين جميع ضباط شرطة الذئاب يمكن أن أسميها سيكولوجية الوظيفة.. ومن حيث الوجدان والاقتناع فإن ممارسات الكثير من الضباط وتصرفاهم تتشابه مع بعضها ولهذا يظهر التعذيب في هذه الصورة العامة كظاهرة.


 

اذا اردتم منع التعذيب فى مدينة الذئاب

 

إذا أردتم منع التعذيب في مدينة الذئاب فأصلحوا جهاز الأمن وأصلحوا فيه العقول والفكر وسنوا قوانين تحمي الضباط وتعاقبهم إن قصروا وفقا للمنطق العقلي وليس بمثل هذا الجنون الذي يحدث في معاقبة الضباط الآن، واجعلوا القانون هو الرئيس، فالرؤساء في شرطة الذئاب هم القانون.


استحضروا علماء النفس، والاجتماع، والفلسفة لوضع برامج تتحكم في كيفية معالجة الشعور والتصرفات في مجتمع الطلبة في كليات ومعاهد شرطة الذئاب الحافل بالعنف والذي يعدو قريبا من مشاكل مرحلة المراهقة.. ونظام التعليم في كل هذه الكليات والمعاهد يجب أن يتغير تغيرا جذريا.. فيجب أن يتم القبول في كلية شرطة الذئاب بليسانس الحقوق حتى يتفرغ الطالب لدراسة المواد الشرطية التي يجب أن تستحدث بالتعاون مع الدول المتقدمة وتتغير فلسفتها لتتسم بالواقعية والعملية، لا أن يتخرج الطالب وهو لا يعلم أي شيء عن الواقع العملي الشرطي. ويجب أن توضع قواعد حازمة للتنقلات لا تخضع للمحسوبية أو الهوى، وكذلك التحقيقات وتأديب الضباط على أن تسند التحقيقات لجهة محايدة.. ويجب أن تتغير فلسفة التشغيل لتخدم الأهداف الدستورية للأمن لا أن تستخدم لحماية كراسي القيادات.. ويجب أن يلغى نظام التقارير السرية التي تقف للضابط في الخفاء مثل عفريت العلبة ويؤاخذ المخطئ بخطئه (فالحرامي بشيلته) لا أن يحاسب الضباط على مجرد الإشاعة التي غالبا ما تكون مغرضة.. ويجب الامتناع فورا عن خصخصة الشرطة بتخصيص بعض الأفراد لحراسة المنشآت الهامة مثل البنوك وغيرها نظير فاتورة أمن باهظة التكاليف توزع كمكافآت على القيادات مما يؤدي إلى عجز في أفراد حراسة الدركات والتي تضطلع بها الشرطة ضمن أهم واجباتها.. يجب أن يعرف الجميع أن كل مكان مسكون في الدولة يجب أن يتمتع بحراسة الشرطة، ويجب إخطار النجدة عند غياب عسكري الدرك، وأنا أنادي بأن تكون الشرطة للجميع ومن يريد الاستزادة في الحراسة فليعين من ملايين العاطلين أفرادا يتم تدريبهم وتسليحهم مثلما يتدرب ويتسلح أفراد الشرطة..

 

 ويجب تحديد ساعات العمل وزيادة المرتبات وتوزيع المكافآت بالعدل.. بل أنه يجب أن يتساوى كل العاملين في الرتبة الواحدة فيما يتقاضونه من رواتب ومكافآت مهما اختلفت وظائفهم، لا أن يحصل رائد أو مقدم في ديون الوزارة على عشرة آلاف جنيها شهريا علاوة على الامتيازات الأخرى ويحصل قرينه في أى قسم عادي على 600 أو 700 جنيها ولا يجد المسكن اللائق.. ويجب محاسبة من يحاسب ضابط المباحث عن الإحصائيات، أو عدم تمكنه من كشف مستور الجرائم وإنما يحاسب عن تقصيره إن وجد.. ويجب معاملة الأفراد والمدنيين المعاملة اللائقة، ومنحهم الثقة ليس بحسن النوايا ولكن بتعديل التعليمات، أو إعادة سنها لتحقيق أقصى استفادة منهم ومن خبراتهم، وإعادة الشرطة لعملها الأصلي وهو حماية الأمن وسط الجماهير لا أن يتحول الضباط والأفراد لمجرد كتبة يحررون المحاضر.. على أنه من أهم الخطوات هو إعادة تفعيل دور النيابة العامة في التفتيش على السجون وحجز القسم والمركز.. كما أنه يجب إيجاد نوع من الرقابة الفعلية بمقتضى قوانين للمحافظ ورؤساء الوحدات المحلية على جهات الشرطة لا أن يعامل رئيس المدينة في المركز الذي يتبعه أصلا باستعلاء.. كما أنه يجب إيجاد نوع آخر من الرقابة بمقتضى قوانين أيضا للجمعيات الحقوقية المشهرة، وكذلك لممثلي الشعب إذا كانت هذه الوزارة من ضمن الممتلكات العامة للشعب.


ولا توجد أسرار في هذه الوزارة ولا يجب أن تكون هناك أسرارا إلا بالقدر اللازم لأداء العمل في ضبط القضايا ومرتكبيها فقط، فهي تؤدي خدمات جماهيرية مثلها مثل وزارة الصحة. فالأسرار يمكن أن توجد في القوات المسلحة لأن هذا يرتبط بالأمن القومي، ومن الخطأ الشديد مقارنة وزارة الداخلية بوزارة الدفاع. وأرى أنه يجب التأكيد على مدنية هذه الوزارة لا أن تكون الوزارة جيش آخر في مدينة الذئاب حتى أن البعض كان يظن أنه يمكن أن يتناطح الجيشان، فالشرطي يحمي أمن فرد القوات المسلحة أثناء انشغال الأخير بالاستعداد لدفاع عن كرامة هذا الشرطي.

وأخيرا
هناك الكثير.. فهذه الأمور أظنها لا تنفذ إن أفسحنا الوقت. ولكن أود في النهاية أن أؤكد أنني لست إلا مجرد باحث مخلص، يبحث عن الطريق المستقيم، وأخشى على وزارتي الحبيبة في شرطة الذئاب أن تترنح فتكون الخسارة فادحة


أما في الواقع فإنني لا أعادي أحدا، ولا أحمل على أحد بعينه، ولا أٌقصد إهانة الوزارة التي تشرفت بالانتماء إليها، ولائي لها ضمن ولائي لوطني، ولم أقصد بمؤلفي إفشاء أسرارها كما ادعي علي ظلما بعض القيادات. وإذا كانوا هم أبناء الوزارة فأنا أيضا ابنها البار، وأنا لا أتهم أحدا بعينه ولا أسب أحدا. فلست بسباب ولا لعان وما جئت لأنقض الشريعة وإنما لأصححها صلى الله على سادتنا محمد وعيسى.


وأنا لا أريد شيئا ولهذا فلم أشأ الانتماء لأية أحزاب سياسية ولا لأية جمعيات أو منظمات أخرى، وإنما هناك ضمير يؤرقني ويقض مضجعي يجعلني أفعل هذا، ولا يمكنني الاشتراك في بعض المواقف حيث أنه يصعب على نفسي أن ألتقي في مواجهة أشقائي الضباط في ساحات المواجهة، فليكن لكل وطنيته وإخلاصه فيما يجيد وفيما لا يتحرج.
فأنا لأعتقد أنني صاحب قضية قومية عادلة يشاركني فيها رجل المبادئ الشفافة والسامية الأستاذ سعيد شعيب الصحفي بالعربي الناصري وأتقدم بالشكر لبطلينا القوميين الأستاذين عبد الله السناوي وعبد الحليم قنديل الذين ساندوا قضيتي بكل قوة، وكذلك كل رجال الحزب الناصري، وأشكر أيضا قوى الإخوان المسلمين ممثلة في صحيفة آفاق عربية، غير أنني لست عاتبا على القوى الوطنية المخلصة التي لم تهتم بهذه القضية، ولكن لا يجب أن يبكي كل على ليلاه، فليلانا واحدة..
عاشت مصر حرة سعيدة، عاشت مصر حرة سعيدة، عاشت مصر حرة سعيدة

.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تلفيق القضايا

 

وهناك ما يفوق التعذيب البدني وهو تلفيق القضايا ذات السمعة السيئة للشرفاء لتلويث صفحتهم مثل قضايا المخدرات والآداب، فتتوارث الذرية العار والخجل، ومثل ذلك قد يستخدم للقضاء على خصوم الحكومة السياسيين في مدينة الذئاب.


وتوجد علاقات معلنة، وأخرى سرية فيما بين ضباط الذئاب، والمسجلين، وأصحاب السوابق والبلطجية وتجار المخدرات وهذه العلاقات تفرزها ظروف العمل مثل الحاجة إلى هؤلاء لحماية المركز الوظيفي للضابط عن طريق استخدامهم وفقا لنظام المرشد المعمول به في مدينة الذئاب، وكذلك تقديم بعض الخدمات الأخرى.. فقد سرق تليفزيون وبعض الأشياء من شاليه أحد الوزراء، وكانت القضية مجهولة ومبهمة، وحيث أن الوقت لا ينتظر فلقد طلب ضابط المباحث من أحد المسجلين أن يتحمل من أجل خاطره هذه القضية ويضحي من أجل صورة الضابط الوظيفية بثلاثة شهور في السجن مع إحضار تليفزيون من نفس الماركة على أنه هو التليفزيون المسروق، ولا أدري كيف أن صاحب التليفزيون لم يلحظ أنه ليس هو الذي يخصه.. وكان أحد القيادات يستخدم المسجلين في القضاء على من لا يمتثل لتعليمات هذه الضابط بقتله ويقوم هو بتسوية الأمر لقيد الحادث ضد مجهول.
والطريف إن بعض قيادات الذئاب كانت تستخدم المسجلين الخطرين في تشريفات قيادات الدولة لسد العجز في جنود الشرطة في مدينة الذئاب، الأمر الذي يخشى منه على هذه القيادات.

 

طرق التعذيب

 

والتعذيب أصبح له أسس وقواعد كما أن له صورا متعددة فالتعذيب أصبح من الأعمال العادية التي لا تشعر الضمير العام في الوزارة بالوخز، وإنما ينظر لفاعله على أنه يعمل ويبذل مجهود ويجتهد.. وقيادات الوزارة تعرف بلا شك هذه الممارسات وتتغاضى عنها لأنها ناجعة في سرعة كشف مستور الجرائم مما يحسن صورة الوزارة وقياداتها.. لكن تحت وطأة الرأي العام فإنها لم تعد قادرة على حماية المعذبين إلا في الخفاء إن استطاعت. ولهذا فالوقائع التي تتحدث عنها الصحف وأصحاب الجمعيات الحقوقية تزعج الوزارة، وتخيفها، وتخيف قياداتها. وهنا يتم التضحية بالضابط المعذب فتتركه ليلقى مصيره المحتوم.


وصور التعذيب في شرطة الذئاب أظن أنه يسهل معرفتها فهي تتدرج من التعليق على الفلكة، إلى التعليق من الخلف على باب نصف مفتوح أو الصعق بالكهرباء أو النفخ في الشرج ثم الوقوف على البطن بالأحذية، أو التعليق من الأرجل بالسقف "وهذه طريقة قاتلة لا يفعلها إلا عتاة التعذيب" وهناك تعذيب مخصوص في بعض الجهات يشتمل على تقليع الأظافر وشعر اللحية واستخدام ماكينة أطباء الأسنان بإدخالها في جروح المشتبه فيهم، وغير ذلك.


والتعذيب البدني في شرطة الذئاب يمكن تصنيفه إلى تعذيب سياسي، وتعذيب جنائي وذلك وفقا للإطار الذي يجري فيه، كما أنه يمكن تصنيفه من حيث الهدف فهو إما للمساعدة في الأعمال الشرطية مثل محاول الحصول على اعترافات من المشتبه فيهم سواء في قضايا سياسية أو جنائية كما سبق إيضاحه، كما انه يمكن أن يحدث بغرض الانتقام عن تعدي المواطن على الضابط حيث انه من الأعراف الثابتة المعمول بها في أوساط الضباط أنه من الحرج والعيب الشديدين أن يقر الضابط بأن أحدا من المواطنين تعدى عليه بالضرب أو بالسب، هذا الحرج كبير وهائل وله أصول وجذور لا مجال الآن لإيضاحها ولكنه يتميز بتأثيره الهائل على الضابط.. فالضابط الكبير كاللواء مثلا إذا تعرض للاعتداء من أحد يصل الأمر إلى أنه قد يخرج إلى المعاش ولا تمد له الخدمة لأنه بعد تعرضه للإهانة لا يليق لكرامة الأمن وهيبة الشرطة أن يكون قائدا لهما في وجهة نظر قيادات الوزارة.