قررت السلطات المصرية الاحتفال بعيد رأس السنة الميلادية لعام 2005 بالطريقة الوحيدة التي تفهمها.. العنف والقتل.. وكان الهدف هذه المرة اللاجئين السودانيين المعتصمين في حديقة ميدان مصطفي محمود احتجاجا علي سياسة المفوضية العليا لشئون اللاجئين مع السودانيين.
لقد قبلت مصر بوجود اللاجئين علي أرضها منذ وافقت علي استضافة المكتب الإقليمي للمفوضية العليا لشئون اللاجئين، ووقعت مع الحكومة السودانية اتفاقية الحقوق عام 2004 الأربعة والتي تشتمل علي حق الإقامة، والتنقل، والعمل، والتملك لموطني الدولتين. وتعلم جيدا أنهم لاجئون وليسوا مهاجرين وتنطبق عليهم الاتفاقيات الدولية الخاصة باللاجئين واتفاقية مناهضة التعذيب.
وأوضاع اللاجئين في مصر ليست خافية علي أحد ولا عن الحكومة المصرية.. فلا المفوضية ولا الحكومة المصرية تساعد في توفير السكن، ولا العلاج، ولا التعليم ولا أي من الخدمات الإنسانية الأساسية.
وتعلم المفوضية والحكومة المصرية أن العودة الجبرية للسودان تشكل خطرا علي حياة الغالبية العظمي منهم..
كانت الحديقة مكتظة بالرجال، والنساء، والأطفال، والرضع.. ولكن لا شئ مما سبق جعل السلطات تتعامل مع الموقف بالحكمة الواجبة، ولم يردعها صراخ النساء، ولا هلع الأطفال ولا برك الدماء، ولا جثث الضحايا.
لقد قدرت الجهات الرسمية عدد القتلى ب 27 قتيلا بينما قدره شهود الواقعة بما يتجاوز السبعين قتيلا. هذا عدا المفقودون حتى كتابة هذا التقرير، فمازالت النساء تبحث عن أزواجها وأطفالها ولا أحد يعرف مصيرهم.. من منهم لقي حتفه.. من منهم هام علي وجهه في الأرض.. منهم هرب من جديد ولكن إلي أين هذه المره.. لم نصل لإجابة بعد.
ومما هو جدير بالتسجيل أنه لم يتم التحقيق مع المسئولين عن هذه المجزرة التي تعد جريمة ضد الإنسانية، خاطبنا والعديد من منظمات حقوق الإنسان المفوض السامي لشئون اللاجئين وعدد من هيئات الأمم المتحدة والسيد كوفي عنان..طالبنا في مخاطبتنا بتقصي الحقائق في تلك الجريمة.. ولكن لم نر بعثات دولية ولا تحقيق محلي..ألم يطلع النائب العام علي مناشدات منظمات حقوق الإنسان؟ ألم يطلع علي الجرائد التي امتلأت بأخبار المذبحة ألم يشاهد التلفاز؟ ألا يعتبر مسئولا عن التحقيق باعتبار أنه علم بالواقعة؟ ألم يسأل نفسه كيف سيدفن الضحايا بدون تقرير طبي شرعي..ألم يعلم أن جثثهم ظلت أكثر من ثلاثة أشهر بالمشرحة لإجبار ذويهم علي استلام الجثث بدون تقرير طبي وفي معظم الحالات بدون تصريح بالدفن؟ ألا يمثل كل ذلك تواطؤا جسيما من النائب العام مع سياسة العنف الرسمي للسلطة المصرية، ومشاركة مباشرة في الجريمة التي تنص المواثيق الدولية أن الجناة فيها هم من اقترفوها أو أمروا بها أو سكتوا عنها؟
في الجزء التالي سوف نعرض بعضا من الشهادات التي سبق عرضها في تقرير "حتى لا ننسي" الذي أصدره مركز النديم في ذكري الأربعين لشهداء النجيلة ثم بعض الشهادات التي استجدت عام 2006.
نقلونا طره. كانت ملابسنا مبلولة. فضلت علينا لثاني يوم وثاني يوم تركونا في الشمس. بالصدفة كانت شديدة في اليوم الأول بعد الاعتصام وكان أغلبنا متعورين. وكان فيه ناس متكسرين. بنشيلها شيل. فضلوا يخرجوا ويدخلوا فينا في العنبر. ينادوا علينا واحد واحد أكثر من أربع مرات وإحنا مش قادرين نمشى. الظاهر كانوا قاصدين. فيه طفل مات في المعسكر.. أمه كانت بتصرخ بهستريا ومش قادرة تسيبه. العساكر كانوا يشدوا فيها عشان ياخدوا الولد وإحنا نشد وحصل زى هستريا جماعية. وحاولوا يفكونا عشان الأم تسيب الطفل. كلنا كنا بنبكى عليه. في نفس يوم وصولنا طره نقلونا إلى المطار. كنا حوالي 45. الظاهر كانوا هيرحلونا. بينا وبين بعض قولنا أحنا هنقاوم وهنضرب أنشالله نموت لأن الترحيل إلى السودان خطر كبير علينا. جاءت مكالمة على اللاسلكي رجعونا تانى طره. الساعة كانت 12 بالليل وقرروا يركبونا أتوبيسات وينزلونا كل أربعه فى حته بعيدة. كان فيه واحدة معوقة اسمها "نجلاء" وكان فيه ستات تركوا أزواجهم في المعسكر. وكان فيه ستات أطفالهم ضاعت. نزلنا فى الشوارع. كان شكلنا وحش وإحنا حافيين وملابسنا مهلهلة. وفيه ناس قالوا لينا أحسن أنهم ضربوكم.. خايفة نكون عفصنا الأطفال، أشعر بذنب كبير جدا.. حاولنا نخرجهم.. الأمهات كانوا خايفين يسيبوا أطفالهم وبعد دقائق كانت المياه مغطية الكل وأبتدأنا نحاول نغطى الأطفال بالبطاطين. (لاجئة).
ذهبنا إلى سجن القناطر.. قعدت خمس أيام.. كان فيه أكثر من 150 ست. لبسنا لبس السجن وحطونا في عنبر مفتوح من فوق وكانت الدنيا برد. نمنا على الأرض وببطانية واحدة. في اليوم الثاني ودونا عنبر التحقيق. كان فيه شوية سراير ثلاث أدوار. بس أغلبنا كان نايم على الأرض. المرحاض كان بداخل العنبر والمياه خارجه منه على الأرض. وكان فيه رطوبة شديدة. كان فيه إصابة فى رجلى. رحت مستشفى السجن بس العلاج مش كافى ودلوقتى عندي خراج. النزيلات السودانيات اللي كانوا في السجن قبلنا قالوا أنهم كانوا عارفين قبل فض الاعتصام بيوم أن أحنا جايين. كان فيه حوالي خمس أطفال واحد فيهم سنة سبعة أو ثماني شهور. الأمهات كانوا بيرضعوا. كان فيه طفل سنه خمس سنوات ملهوش أهل وبنت 11 سنة أهلها مش معها. أكتر حاجة كانت يتموتني هي الأطفال. كل ما أقعد لوحدى وأفتكر الاعتصام وأفتكر المنظر ما يغيب عن عينى.. مرعوبة إن ممكن الواحد وهو بيرجع وراء عشان يخلص نفسه يكون عفص زول أو موت زول (تقصد فعص أو موت طفل) (لاجئة)
وأخيرا، فقد بلغ عدد اللاجئين وطالبي اللجوء من السودانيين المترددين على مركز النديم منذ 2/1/2006حتى 30/1/2006 40 شخصا، يعانون من طيف من الاضطرابات النفسية يتراوح ما بين القلق الحاد وحالات الاكتئاب الجسيم.. كما أصيب الكثيرون باضطراب كرب ما بعد الصدمة، حيث لا يتمكن المصاب من نسيان تفاصيل الموقف والأحداث المفزعة التي مر بها، و هي تهاجمه كما لو كانت تتكرر مرة أخرى، فلا يستطيع أن يدرك أنها مجرد ذكريات، بل يصيبه خوف و رعب شديدين، ويبدأ في التصرف على اعتبار أنها حقيقة تحدث الآن ولم تنته بعد.. وهو ما يطلق عليه طبيا مصطلح (نوبات ارتجاعية).. ومن أكثر الأحداث التي تتراءى للمصابين خلال النوبات الارتجاعية مشهد الأطفال الذين حاولوا حمايتهم، فإذا بهم يضربون معهم، ويسقطون من بين أيديهم، تدهسهم أحذية البوليس الضخمة، يموتون أمامهم وهم ينادون على أمهاتهم.
وقد لاحظ أطباء المركز أن أحداث فض الاعتصام قد أيقظت لدى بعض اللاجئين ذكريات مؤلمة عما مروا به في السابق، و أثارت لديهم أحزان وآلام كانت قد استكانت بفعل المساندة النفسية التي تلقوها وشعورهم ببعض الأمان، إلا أنهم باتوا يعانون شعورا متزايدا بالخوف والاضطهاد ونوبات الهلع المتكررة، حيث أصابهم في الدولة التي لجئوا إليها ما هو أسوأ مما هربوا منه.
أنا وقعت في الأرض وكنت ماسك طفل وكنت زى الميت. جروني زى الكلب. لما فقت كانت يدي مربوطة. ضربوني بعصاية كهرباء. رحت في غيبوبة. فقت أتلفت يمين وشمال لقيت ناس بتتكلم. فتحت عيني ماكنتش شايف كويس. عيني كان عليها دم. لقيت ناس من جماعتنا ميتين. لقيت نفسي في المشرحة أنا والميتين سواء. رفعت راسي. ماقدرتش. كان فيه أثنين دكاترة وبيقولوا دولا ناس ميتين. سألوا: تعملوا إيه فيه واحد صاحي. واحد قال: موته. وفيه واحد جاب حاجة زى الحقنة عشان يعطيها لي. دخل سوداني زائر راح الدكتور شال الحقنة وأخذ جنب. أشرت للسوداني بيدي. جه. قلت له اسندنى على الحائط. لما وقفت شفت أطفال وحريم ورجال ميتين حواليا. السوداني بكا وطلع.. خدونى رقدوني في الصالة، بعدين حطوني على نقالة وطلعونى.
العنبر كان فيه ضباط وحرس. سجلوا أسماءنا. كان فيه خمس أطفال. أثنين ملفوفين بالبطانية والباقيين شايلينهم على الكتف. مجرد ما شفتهم قمت. رغم الألم رفعتهم وحطيتهم على سرير. كانوا بين الحياة والموت. سنهم كان من حوالي سنة ونصف إلى أربع سنين.. قلبي أكلني. قلت يا جماعة أحنا قاعدين نعمل إيه. ما فيه علاج وعاوزين يعطونا حقن يموتونا. قلت يا ناس لو جاء الأكل ما فى حد يأكل. وفعلا رفضنا الأكل. طلعت أشوف العنبر الثاني لقيت فيه جرحى كتير وأكثر من عشرين طفل. لقينا أب طفله مات وهو نفسه بين الحياة والموت. قلت لهم خرجونا ما عاوزين نقعد. طلعونا من العنبر وركبنا أتوبيس ورحنا القسم. بعدين عرفت أنه الدقى. سجلنا الأطفال بأسمائنا (أخذنا الخمس أطفال معنا). الزنزانة كانت ضيقة. كنا عشرين مش عارفين نقعد وأحنا شايلين الأطفال. كلنا متعورين. كلبشونا كل أربعة مع بعض وكان فيه حريم. روحنا معسكر بعيد بعد 6 أكتوبر. جم نزلونا وقسمونا وسجلونا في المعسكر. كانت الساعة 4.30. عاملونا بقسوة زى مجرمي الحرب. حتى الحمام رحنا بالحرس. جابو أكل لكن تركونا بدون علاج.. نزلونا في الشوارع. كل عشرة كيلو خمس أفراد مجروحين وعريانين وحافيين ومن غير فلوس. كل واحد نازل يضربوه وهو نازل. وأخذنا السكة مشي..
قعدت في مستشفى سنابل ثلاث أيام بدون علاج. كنت مضروب. جسمي كله بيوجعنى. عينى ورجلى متعورة وأصابع يدى الوسطانين مكسرين ومتعورين. قعدت خمس أيام مش عارف أنام من ضيق النفس وألم الصدر. ثلاث أيام من غير علاج وفى اليوم الثالث أتخنقت وجيت أخرج من المستشفى جابولى دكتور من كاريتاس وعمل أشعة على يدى وجبسها، إشاعة صدرى سليمة. بس الظاهر فيه تمزق في العضلات.(لاجئ)
من مساء يوم الخميس بدأت حشود عسكرية مبالغ في عددها تتجمع في المكان.. ثم عربات خاصة لكن اللي فيها بيتعاملوا بطريقة عسكرية. سألنا هل الحشد ده لنا عشان ننقل العجائز والأطفال. قالوا لنا لأ. إحنا جايين عشان فيه مظاهرة للإخوان جايين نفضها. بالفعل جه حوالي 50 واحد لابسين جلاليب وفيهم ناس ليهم دقون وقفوا قدام جامع مصطفى محمود.. سألنهاهم تاني.. قالوا دول هينظموا مظاهرة وإحنا جايين نحميكم عشان ما تختلطوش.. استمرت التمثيلية دي من الساعة 10 لحد الساعة 11 والناس اللي لابسه الجلايب واقفه قدام الجامع
الساعة 11 أو 12 البوليس طوق المعسكر كله.. بعد 5 دقائق جابوا عربيات ووقفوها قصادنا.. أحد المسئولين قال عندكم خمس دقائق لإخلاء الحديقة وطلوع الأوتوبيسات أو ندخل بالقوة. واحد من اللجنة قال له ممكن نطلع من الاعتصام بس ما نطلعش الأوتوبيسات إلا لما يحضر موظف من مفوضية الأمم المتحدة.. رفضوا.. رشوا الميه الأول سخنة وبعدين بارده.. كانت الميه قوية جدا.. الأول وجهوا الميه لفوق وبعدين علينا مباشرة.. كأن الميه كان فيها كيماويات.... إحنا كنا مقررين عدم المقاومة.. كنا بناكل ومعانا شريط مصور ساعة الهجوم.. وبعد رش المياه لم نرد بالزجاج زي ما بيقولوا.. اللي لابسين مدني طلعوا فوق عمارة البنك وفوق الجامع وحدفوا علينا زجاجات ستلا وكولا وأكواب اتكسرت علينا.. في المعكسر وجود الزجاج كان من المخالفات.. أي زول بيعمل مخالفة عندنا كان بيتحاسب ويتعاقب وكمان فيه تفتيش قبل دخول المعسكر.. المخمور لا يدخل المعسكر..
وبعيدن حتى اللي بيشربوا بيشربوا بوظة في أكياس نايلون.. هو إحنا معانا فلوس نجيب بيرة ستلا.. كنا جبنا أكل أحسن!! الميه وقفت شوية.. غطينا الأطفال بالبطاطين.. كانوا ست صفوف من الجنود..الهجوم كان من كل الجهات.. اتكومنا فوق بعض في مربع زي المصيدة كنا 3 آلاف في منطقة صغيرة جدا والضرب نازل من كل الجهات بعنف ووحشية كنا مكومين فوق بعض.. فجأة تلقي واحد واقع وما بيتكلمش خالص.. كنا بنسمع صوت مكتوم وفجأة نلقى الشخص وقع.. مش عارف كانوا بيضربوا بإيه بس كان ضرب بيشل.. الواحد كان بياخد الضربه ما يقدرش يتحرك ولا حتى يحرك فمه عشان يتكلم.. بعدين ييجوا خمسه ستة يشيلوا واحد واحد بالضرب لحد الأوتوبيس.. كانوا بيدقوا أى شئ على الأرض بيتحرك. ستات أو أطفال مش مهم. لم نأخذ أى فرصة للتفاوض. رش المياه أبتدأ بعد وقت قصير من بداية الإنذار. طلبنا نعرف أحنا رايحين فين. طلبنا شخص من المفوضية. على طول أبتدا الهجوم والضرب من جميع الاتجاهات. المساحة اللى أحنا واقفين عليها كانت مزدحمة جداً وهم ضغطوا علينا وهجموا من جميع الجهات. الأطفال كانوا فى الأرض. حاولنا نرفعهم يضربوا فينا أحنا والأطفال. اللى مات منا مات. واللى إنصاب أو تعب يجروه على الأوتوبيس ويفضل ينضرب لغاية ما يوصل. ضربونى فى عينى والدم نزل من أنفى. كل ما أحاول أمسك طفل يضربوه. الطفل انضرب وأنا ماسكه بيده عشان كدة اصابعى انكسرت. (لاجئ)
في مساء يوم 29 ديسمبر حاصرت قوات الأمن المركزي معسكر اللاجئين السودانيين المعتصمين في الحديقة الواقعة أمام جامع مصطفى محمود. كنا واقفين على جدار في منطقة خالية نسبيا من الحديقة، خلف قوات الأمن مباشرة وكنا نرى المعسكر مباشرة أمامنا. لقد قدرت ومعي آخرون عدد قوات الأمن بحوالي 6000 حول المعسكر في 5 أو 6 صفوف متوازية.
في حوالي الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل كان هناك عدد من المسئولين الحكوميين المصريين يتنقلون ما بين صفوف الأمن ويبدو أنهم يحاولون التفاوض مع قيادات المعسكر. اتصلنا بأحد معارفنا داخل المعسكر وقالت لنا أن المعتصمين يرفضون مطالب البوليس بأن يركبوا الأتوبيسات ويرحلوا من المكان حيث أنهم لا يعرفون ولا يثقون في المكان الذي سوف يؤخذون إليه. كما قالت لنا أن هناك عدد كبير من الأطفال والنساء في المعسكر.. ثلاث أو أربع مرات ما بين الساعة الثانية صباحا والرابعة صباحا تم توجيه خراطيم المياه إلى داخل المعسكر وفوق رؤؤس المعتصمين بحيث أصبح الجميع غارقا في الماء. سمعنا البوليس يأمرهم بالمغادرة تجنبا للعنف
في تلك الأثناء بدأ جنود الأمن المركزي في الغناء والقفز في مكانهم وكأنهم يهيئون أنفسهم لأمر ما. رأينا قوات أمن من خارج الأمن المركزي، لا تحمل هراوات، تخلع الأحزمة ويمسكون بها في أيديهم في استعداد للهجوم. لم تكن هناك أي مساعدات طبية في المكان كما لم يكن هناك سيارة إسعاف واحدة.
في حوالي الساعة الرابعة والنصف أو الخامسة فجرا هجمت قوات الأمن فجأة على المعسكر وهم يحملون الهراوات الطويلة والدروع. رأينا رجال الأمن يضربون عشوائيا في كل الاتجاهات وهم يخترقون المعسكر. سرت على قدمي حول ضلعين من أضلاع المعسكر وكنت قريبة من قوات الأمن وهي تضرب. لم يكن هناك تدافع من المعتصمين على عكس ما ورد في تقارير المسئولين المصريين. العكس هو ما حدث، أن قوات الأمن، التي تجاوزت المعتصمين أضعافا مضاعفة من حيث العدد والقوة، كانت تدفع المعتصمين دفعا.
رأينا معتصمين يتم جرهم بقسوة (كل واحد منهم يمسك به اثنان أو ثلاثة من الشرطة) بعيدا في اتجاه الأوتوبيسات. الكثيرون منهم كانوا مصابين. بعضهم كان فاقدا للوعي. في كثير من الحالات استمر ضربهم أو ركلهم بواسطة شرطة ترتدي الزى الرسمي وأخرى بالزى المدني حتى بعد أن تم تقييد حركتهم. بعضهم كان فاقدا للوعي تماما وكان يتم حملهم. أغلبهم تم شحنه في أوتوبيسات مزدحمة، دون أي رعاية طبية. بعض ممن فقدوا الوعي تم وضعهم على جانب الطريق. رأينا طفلا حديث الولادة انفصل عن والديه وتم تسليمه في أحد الأوتوبيسات وحيدا وبدون حذاء أو ملابس ثقيلة تقيه من البرد. رأيت شابا سودانيا ميتا وملقى على الأرض. الجثث كانت تترك على جانب الطريق.
بعد ذلك وصلت سيارات الإسعاف وحملت تلك الجثث. على عكس تصريحات الحكومة المصرية فإنه غير صحيح أنه تم نقل المصابين فورا إلى المستشفيات.. رأينا رجل شرطة يعرج وآخر يضع رباط حول رأسه. لم أرى أي إصابات أخرى بين رجال الشرطة. الغالبية العظمى منهم لم تصاب بأذى.
في صباح يوم 30 ديسمبر صرحت السلطات بأن 10 من السودانيين توفوا أثناء الاحتجاج. لكن تبعا لوكالة رويتر فإن سيارات الإسعاف أعلنت ضعف هذا العدد من الموتى.
لقد تم نقل المعتقلين إلى معسكرين عسكريين مكشوفين احدهما معسكر دهشور في مركز المجندين التابع لإدارة السجون والآخر في معسكر الإصلاح بطره إضافة إلى معسكرات اعتقال أخرى في القاهرة. أحد الأشخاص في المعسكر الأول قال أن ثلاثة من المعتقلين توفوا متأثرين بجراحهم في طريقهم إلى المعسكر. الآخرين كان يتم الاستعلام عن هوياتهم وفحص بطاقات التعريف الخاصة بهم.
يقال أن السودانيين المصابين تم نقلهم إلى عدد من المستشفيات في أماكن متفرقة من القاهرة إمبابة العام (الذين ذكروا أن لديهم ثلاث وفيات) والمهندسين و6 أكتوبر. كما سمعنا أن المفوضية وكاريتاس يقومون بزيارة تلك المستشفيات. (مصري).
في يوم الخميس الموافق 29 ديسمبر في تمام الساعة العاشرة مساء وصلتني رسالة على هاتفي المحمول تقول بأن منطقة المهندسين أصبحت مثل الثكنة العسكرية وأن هناك احتمال لتفريق اللاجئين السودانيين المعتصمين هناك منذ ثلاث شهور بالقوة.
وصلت إلى المكان في تمام الساعة الحادية عشر لأجد سيارات الأمن المركزي ورجال الأمن يملئون المكان ويغلقون الشوارع المحيطة به: شارع البطل أحمد عبد العزيز وأحمد عرابي وجامعة الدول. رأيت صفوفا من أوتوبيسات النقل العام تقف بداية من ناصية البطل أحمد عبد العزيز وحتى جامع مصطفى محمود، وبداخلهم عدد من جنود الأمن المركزي. تمكنت من تدوين بعض أرقام الأوتوبيسات: 4129 و3696 و4107 و4136 و4335 و3416 و3534 و3416.. بعد بضعة دقائق أغلقت جميع الشوارع المؤدية إلى جامع مصطفى محمود. قوات الأمن توجه المشاة بعيدا عن المنطقة ثم تعمل على تفريقهم.. في الساعة الواحدة صباحا، كان الطقس شديد البرودة، بدأت قوات الأمن في فتح خراطيم المياه على اللاجئين.. ثلاث مدافع من المياه من ثلاث اتجاهات مختلفة.. أول دفعة مياه استمرت حوالي 6 دقائق وكانت شديدة العنف. كنا نرى تدفق المياه يصل حتى ارتفاع الدور الرابع لمبنى قريب من الحديقة. هل كانوا يرغبون في تحطيم أسقف خيامهم؟.
اللاجئون قابلوا مدافع المياه بمزيج من الغناء والرقص. لن نرحل: تلك كانت رسالتهم. لكن أحدا على الجانب الآخر لم يتمكن من فهم الرسالة. بالنسبة لقوات الأمن كان ذلك أمرا استفزازيا وبدا الأمر وكأنهم حسموا بأن هؤلاء اللاجئين يستحقون كل ما سوف يحدث لهم.. فهم مجانين.
المدنيون القليلون المارون بالمكان وقفوا ليشاهدوا المنظر وبدا وكأنهم مستمتعين به. تألمت حين سمعت تعليقات مثل "دعوهم يستحمون ليصبحوا نظيفين" "كان يجب لقوات الأمن أن تتخلص منهم منذ اليوم الأول" " لقد صبرت عليهم مصر أكثر من اللازم" "إنهم مقرفين" وتخلل تلك التعليقات بعض الضحكات في الوقت الذي كان السودانيون فيه يرشون بالمياه. البعض وقف مذهولا يراقب ما يحدث على حين اعترض شخص واحد بأن للسودانيين مطالب وحقوق يجب على المفوضية أن تكفلها لهم.
أحد ضباط الأمن قال لواحد من الأصدقاء وبابتسامة عريضة على وجهه إنهم في حاجة ماسة إلى الاستحمام بعد ثلاث شهور من الاعتصام. لدينا أوامر بأن ننهي هذا الأمر الليلة. ثم أضاف: وسوف نفعل.
لجأنا إلى الدور الثاني في قهوة سيلانترو في الناحية المواجهة للحديقة لنتمكن من الملاحظة ونقوم بالتصوير ونقوم ببعض الاتصالات. لقد كان توقيت الهجوم على اللاجئين مدبرا بحنكة. بعد منتصف الليل في عطلة نهاية الأسبوع ونهاية العام. كل من اتصلت بهم من الصحفيين كانوا خارج المدينة. وصل إلى المكان عدد من النشطاء السياسيين لكنهم كانوا عاجزين تماما عن فعل شيء. بعض نشطاء حقوق الإنسان كانوا معنا على الهاتف طوال الليل. أحد المحامين، زياد، تمكن من الدخول إلى حيث اللاجئين لكن تم إبعاده بالقوة من قبل البوليس.
بعد حوالي ساعة أخرى انهال عليهم سيل جديد من الماء. هذه المرة كانت المياه منخفضة وقوية وموجهة مباشرة نحو البشر. توقفت المياه وبدأت جولة من المفاوضات بين اللجنة المنتخبة من اللاجئين ومسئول حكومي مصري ومسئول من المفوضية العليا لشئون اللاجئين. قال المصري: المفوضية لن تقدم لكم شيئا. نحن مخولون من أعلى سلطة في البلاد لتفريق هذا الاعتصام اليوم. وجاء رد اللاجئين: سوف نموت على النجيلة.
تمكنت من التسلل إلى الصف الثاني من رجال الأمن المحيطين باللاجئين. واحد من الأوتوبيسات العامة المنتظرة في المكان كان به خمسة من اللاجئين جالسين في المقعد الخلفي على حين كان خمسة من جنود الأمن المركزي يضربون لاجئا سادسا بوحشية. من مكاني إلى جانب الباص كنت أستطيع أن أراه وأن اسمع صراخه وهم يضربونه على رأسه وظهره بأيديهم وبالعصي، وهم يركلونه ويلوون ذراعه وراء ظهره وهو يصرخ بصوت أعلى فأعلى. أحد الضباط الواقفين جانبنا قال: أنه يحاول أن يكسر زجاج الباص وأن يهرب لأنه مخمور. في هذه اللحظة وقف أحد الرجال في المقعد الخلفي وأخرج من نافذة الباص طفلة لا يتجاوز عمرها بعض شهور وهو يصرخ: لسنا مخمرين. لست مخمورا. وهو ليس مخمورا وهذه الطفلة ليست مخمورة. أمها ماتت هنا في هذه الحديقة. تحول الجنود إليه ليضربوه على حين واصلوا ضرب اللاجىء السادس. أحد الشباب الواقفين التقط المشهد على هاتفه المحمول ثم أرسله إلى
المراسلون والمشاهدون وبعض النشطاء الموجودون في المكان بدأوا في ترك المكان يعد أن مر الوقت دون إي تطور جديد كان الطقس شديد البرودة وكنت أشعر بأنفي ويداي تتجمد. لم أتصور كيف يشعر هؤلاء المغمورون بالمياه!
في حوالي الساعة الرابعة صباحا تمكنا من الدخول إلى مبنى البنك المصري الوطني وفي هذا الوقت فقط تمكنت من التعرف على الصورة الكاملة من طابق عال. في ميدان مصطفى محمود وما تمكنت من رؤيته من شارع جامعة الدول وشارع لبنان والشارع الجانبي للمسجد تمكنت من رؤية 60 سيارة من سيارات الأمن المركزي وأربع سيارات إسعاف و10 مصفحات وعدد لا يحصى من الباصات
في الساعة الرابعة وأربعة وخمسين دقيقة انتظمت صفوف القوات وبدأ الصف الأول منها في الاقتراب أكثر والإحاطة باللاجئين. كانوا يجهزون أنفسهم وكان لصوتهم صدى في المدينة الصامتة حيث بدأوا في القفز من قدم إلى أخرى على حين يهتفون هو – هو – هو – ثم ينشدون: يا أحلى اسم في الوجود يا مصر.. نعيش لمصر ونموت لمصر!
كذلك اصطف اللاجئون داخل الحديقة وبدأوا في الهتاف: الله أكبر، لا إله إلا الله وحسبنا الله ونعم الوكيل. المسيحيون بدأوا ينشدون: هاليلويا. وبذلك تم تحديد طرفي المعركة.. المدنيون القليلون الموجودون في المكان بدأوا في تشجيع الجيش المصري ضد "الطفيليات القذرة السوداء، المسيحية". نعم لقد كان مشهدا لا إنسانيا.
في تمام الساعة الخامس صباحا بالضبط بدأت مدافع المياه تهاجمهم من جديد وبطول سيل المياه بدأت قوات الأمن هجومها على اللاجئين السودانيين بالهراوات والدروع. بعد دقيقة توقفت المياه وقام الجنود بتدمير ما تبقى من خيامهم على حين قام الصف الأول من الجنود بقذف متعلقاتهم وحقائبهم بعيدا ليفسحوا الطريق لصفوف الجنود القادمة وراءهم.
اللاجئون دافعوا عن أنفسهم باستخدام العصي الخشبية التي كانت ترفع خيامهم، وزجاجات المياه البلاستيكية وأيديهم.. اللاجئون الموجودون على الجانب الأيسر – تجاه محلات العجيل- دافعوا عن أنفسهم ببسالة ونجحوا في إجبار قوات الامن على التقهقر ثلاث مرات لكن الجنود كانوا بدأوا هجومهم من الجانبين الآخرين. سمعنا صوت ضربات معدنية عالية. أعتقد ان تلك كانت أصوات العصي الخشبية على الدروع الحديدية للجنود. وامتلأت الدنيا بصدى أصوات صراخ النساء والأطفال.. بعد عشر دقائق سمعنا صوت صفارة وانسحب الجنود من الحديقة. أعاد الجنود تنظيم صفوفهم. انضم مزيد من الجنود إلى الصفوف المتراصة أمام محلات العجيل. مع الإشارة الثانية بدأ الهجوم مرة أخرى. هذه المرة كان الهجوم شرسا. أغلقوا أنوار الميدان ولم يسكت الصراخ لحظة واحدة. كان أكثر الصراخ حدة هو صراخ الأطفال. لم أدري في أي اتجاه أنظر. كان الجو باردا. وكانت الدنيا ظلام. كنت متأكدة ان الحديقة لابد وان تكون غارقة في الطمي بعد كل تلك المياه. كان الجنود متوحشين. كانوا يضربون الجميع ويدهسون كل شيء وأي شيء.
بمعدل كل ثانية أو ثلاث ثوان يتم جر أحد اللاجئين من دائرة الرعب، ليتم ضربه طوال الطريق إلى حين تسليمه إلى ثلاث جنود آخرين ليتمكن من العودة واصطياد لاجىء آخر. أما الثلاث جنود فكانوا يواصلون ضرب اللاجىء بالعصي على ظهره ويجبروه على الركوع ويصفعوه على وجهه ثم يسحلوه إلى الباص حيث يتولاه طقم ثالث من الجنود. وطوال الوقف كانت قوات الأمن تسب اللاجئين بأفظع الشتائم.
لقد حدث ذلك للرجال والنساء بدون تمييز. أحيانا حين تكون الضحية امرأة كنت أرى طفلا يحاول أن يمسك بأحد ساقي أمه في حين كان الجندي يجذبها بعيدا عنه. لقد رأيت الجنود يحملون أربعة لاجئين وفي أكثر من مرة كانوا يسقطون بدون حراك على الأرض وأكاد أقسم أنهم كانوا ميتين.
أفظع ما في الأمر كان ردة فعل المصريين. فقد كان المدنيين يشجعون الجنود كما لو كانوا قوات مسلحة حررت فلسطين. وكلما تقدم جنود الأمن المركزي في معركتهم مع اللاجئين العزل كلما زاد التشجيع والصفير والتصفيق. لقد كانوا سعداء! كان الجنود أمام محلات العجيل يستعدون للانضمام إلى المعركة حيث قال لي مضيفنا الواقف إلى جانبي في الشرفة: "نحن ندخل من الجانب الأيسر". نظرت اليه في ذهول: هؤلاء ليسوا "نحن". قال" أقصد المصريين". قلت" هؤلاء ليسوا مصريين" قال: "مش مهم" وبدأت أرجف.
في أثناء ما كان اللاجئون يخرجون في أعداد أكبر أجبرتهم قوات الأمن على الجلوس على الأرض على حين كانوا يضربوهم ليمضوا الوقت إلى حين يأتي الجنود وينقلوهم الى الباصات. أحد الأصدقاء قال لي انه شاهد أحد الضباط يبصق على الباص وهو يتحرك بعيدا باللاجئين! انهارت مقاومة اللاجئين تماما. وعلى حين تبقى عدد قليل من اللاجئين داخل الحديقة يواجهون حوالي 2500 من جنود الأمن المركزي علا صوت الصراخ حادا يائسا.
وانتهى كل شيء في تمام الساعة الخامس والنصف! حين تمالكت نفسي بعض الشيء أخذت سيارتي وسرت وراء ست باصات نقل عام بيضا حملت اللاجئين المصابين ومعهم قوات أمن الدولة إلى معسكر الأمن المركزي في دهشور على طريق الفيوم. وصل الباص حوالي الساعة السابعة والربع. المعسكر يقع حوالي على بعد 40 كم خارج القاهرة. قد تكون المسافة أقل أو أكثر بقليل. كنت متعبة. أرقام الباصات التي شاهدتها كانت 3686 و4107 و6132 و4335 و3696. لم أتمكن من رؤية رقم الباص الأول.. عدت الى القاهرة، مباشرة الى ساحة المعركة. (مصرية)