ثارت المخاوف " المشروعة " قبل بداية الانتخابات. كما ثار الجدل حول كيفية ضمان نزاهة العملية الانتخابية، فقد اعترفت السلطات بما شاب العملية الانتخابية من تلاعب في المراحل السابقة وإن لم تعترف صراحة بكل مساوئ الانتخابات التي جرت في عصر الطوارئ. حيث عرفنا برلمانا به مجموعة من النواب سميت حينئذ " بنواب الكيف" وبرلمانا آخر عرفت مجموعة فيه بنواب القروض والأخير أثبت به المشكلة حول موضوع الجنسية والموقف من التجنيد. هذا بجانب فساد الكشوف الانتخابية التي مثلت عاملا مشتركا في كل انتخابات شهدتها مصر. وتلك الإشكاليات كادت تعصف بالسلطة التشريعية في مصر خاصة بعد أحكام القضاء ببطلان عضوية عدد من النواب وإصرار المجلس علي عدم فصلهم بدعوى أن المجلس "سيد قراره".. وفي ذات الوقت قرر نادي القضاة في جمعيته العمومية ضرورة الإشراف الكامل علي العملية الانتخابية حفاظا علي سمعة السلطة القضائية التي حملت رغم إرادتها وزر التزوير في العديد من الانتخابات التي شهدها الوطن.
كان الواقع مختلفا هذه المرة.. فالقضاة غاضبون من إلصاق تهمة تزوير الانتخابات بهم، وغاضبون من تأخر إصدار قانون السلطة القضائية لأكثر من عشر سنوات علي تقديمه، وغاضبون من الطريقة التي تم بها تغيير المادة 76 من الدستور، وتلك الأخيرة أغضبت كل القوى الفاعلة في المجتمع خاصة بعدما تم الاعتداء الوحشي علي المعارضين لهذا التغيير الذي يضع عراقيل جمة أمام صعود المعارضة لكرسي الرئاسة.. كان الشارع المصري ساخنا، يأمل في إصلاح ديمقراطي حقيقي.
وفي نفس العام خرج الإخوان المسلمون إلي الشارع كقوة سياسية ونظموا العديد من التظاهرات التي أسفرت عن مئات من المحتجزين وعشرات من المصابين وسقوط شهيد في محافظة الدقهلية. كما طالبت الأحزاب بضرورة تحديد حد أقصي للدعاية الانتخابية بعد أن استولي أصحاب المال والنفوذ علي المجلس التشريعي بشراء الأصوات، ومساندة السلطات لأكثر من دورة برلمانية، وما تبع ذلك من تشريعات عبرت عن تحالف المال والنفوذ في مواجهة الغالبية العظمى من المواطنين، وظهور العشرات من قضايا الفساد والعبث بالمال العام في ظل الحماية البرلمانية.
لكن شيئا لم يتغير في الواقع الفعلي. حتى تلك التي صدرت استجابات شفوية بشأنها في الخطاب السياسي للسلطات. بل أن الجو المشحون فاقم من تربص السلطة والحزب الحاكم بالمعارضين عامة والإخوان المسلمين خاصة.. وإذا وضعنا في الاعتبار الشبهات التي أثيرت حول أن تلك الدورة البرلمانية هي دورة التوريث لأصبحت الأمور أكثر جلاء حول هذا التربص من جانب السلطات ومعارضيها.
هذا وكانت السلطات قد جربت تكتيكا جديدا منذ مظاهرة السيدة عائشة وتوجته في الاستفتاء علي تعديل الدستور. هذا التكتيك الذي يقوم علي فكرة الاستعانة بالأشقياء، والمأجورين من الرجال والنساء، بجانب قوات مكافحة الشغب وذلك ليقوموا بدلا من القوات الرسمية بالتصدي للمعارضين وتقف هي تتابع في زى الموقف المحايد بين جماهير معارضة وأخري مؤيدة، وتبدو الصورة مشاجرة بين فريقين. ثم تتدخل بنفسها في عمليات القمع ليبدو الأمر كمن اضطر للتدخل أمام عنف الفريقين بهدف فض الاشتباك والتفريق بينهما حفاظا علي الأمن العام.
استمرأت الداخلية هذا التكتيك علي الرغم من أنه فضح منذ اليوم الأول لاستخدامه..فقد سجلت الكاميرات الضباط وهم يعطون الأوامر بالهجوم، وسجلت صورا لهؤلاء "المدنيين" وهو يحملون عصي الداخلية ويضربون بها، وسجلت فك الحصار الأمني ذو الزى الرسمي لفتح المجال لهؤلاء القادمين لتأييد السلطات.
استخدمت السلطات إذن نفس التكتيك في الانتخابات البرلمانية، وركنت لنفس الأكاذيب حول العنف الذي صاحب تلك الانتخابات.. فلم تكن مصادفة أن كل من لقي حتفه أثناء عمليات الاقتراع كان بسبب إصابة بطلق ناري في أماكن قاتلة.
وفيما عدا إصابة واحدة بالسلاح الأبيض كانت الإصابات كلها بطلق ناري في الرأس والصدر وبلغ عددها عشر حالات وفاة. يزيد من ترجيحنا لاحتمال موت هؤلاء برصاص ميري أن الأمن حاصر بقواته الرسمية المئات من لجان الاقتراع وحرم الناخبين من الوصول لصناديق الاقتراع حتى سجلت بعض الصحف صورا لناخبين من الإخوان يستخدمون سلما خشبيا لدخول لجنة الاقتراع من شباك خلفي. كما صرح الكثير من المواطنين بنفس التصريحات في لقاءاتهم مع عدسات الفضائيات.
وعلي الجانب الآخر وثقت تقارير لجان مراقبة الانتخابات البرلمانية عشرات من الانتهاكات ضد المرشحين من خارج الحزب الوطني قام بها مساندو الحزب بالتعاون المباشر مع قوات الأمن.. وقبل إعطاء صورة لما جري يوم الاقتراع لا بد من الإشارة لأجواء العنف التي سادت مرحلة الدعاية الانتخابية.
رصد المراقبون التواجد الأمني المكثف داخل مؤتمرات المعارضة علي اختلاف تلاوينها وأزداد كثافة في مؤتمرات الإخوان المسلمين. وتم تهديد المشاركون في هذه المؤتمرات..
ففي المطرية قام نقيب شرطة بتتبع أنصار المرشحين أثناء توزيع الدعاية الانتخابية. وفي باب الشعرية تدخل رئيس المباحث للضغط علي الناخبين لصالح مرشح الحزب الوطني " ضابط امن دولة سابقا". وفي الإسكندرية تعددت الشكاوى من تهديد الناخبين من التصويت للإخوان، وأيضا تهديد محلات الفراشة وأصحاب سيارات السرفيس من العمل مع الإخوان.
وفي الشرقية تعرض المرشح المستقل يحيي جلال للتهديد بالقتل وقتلت السيدة/ سعاد محمد صابر تعيلب وقيدت الواقعة ضد مجهول. وفي الشرقية أيضا اعتدت قوات الأمن علي مرشح الإخوان محمود الوحيد أثناء مسيرة انتخابية واعتقلت عدد من المشاركين في المسيرة. كما دهست سيارة مسرعة احد أعوان أيمن نور مما أدي إلي وفاته، بينما تعرض أيمن نفسه للاعتداء في أحد مؤتمراته الجماهيرية. وفي دائرة إمبابة تم الاعتداء الوحشي علي أحد أنصار المرشح الاشتراكي كمال خليل مما أحدث به عدد من الإصابات أستخدم فيها السلاح الأبيض.
وعلي الرغم من وجود تقارير تفيد باستخدام العنف من قبل بعض مرشحي المعارضة إلا أن الطابع العام كان حصار اللجان ومنع الناخبين من الوصول لصناديق الاقتراع وضرب مؤيدي مرشحي المعارضة واعتقال العشرات منهم. وكان ذلك هو الشرارة التي تشعل مظاهرات الغضب والاحتجاج التي يتدخل الأمن بعدها بشكل سافر مستخدما القوة "القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي والذخيرة الحية"، ثم ترسم النهائية المأساوية عدد من القتلى وعشرات المصابين ومئات المعتقلين من جانب المعارضة.. ولم يسلم المرشحون أنفسهم من الاعتداء ولا من الاحتجاز رغم ما تضفيه عليهم الانتخابات من حصانة، كما لم يسلم الصحفيون ومراسلي وكالات الأنباء والمراقبين على الانتخابات.
ومع تقدم العملية الانتخابية وارتفاع رصيد الإخوان المسلمين من الكراسي البرلمانية زادت أعمال العنف، والبلطجة، والتدخل الأمني السافر. فبينما سجلت المرحلة الأولي من الانتخابات سقوط قتيل، وإصابة عشرون مواطنا وصلت محصلة العنف في الجولة الثالثة إلي أربعة عشر حالة وفاة وإصابة ما يقرب من خمسمائة مواطن واعتقال ألف وستمائة من المواطنين.كما تم إلقاء القبض علي عدة مئات قبل الانتخابات منهم 600 من الإخوان و100 من الناصريين.
وبشكل عام فقد صنفت لجان مراقبة العملية الانتخابية أنواعا عديدة من الانتهاكات، نسوق بعضا منها على سبيل المثال لا الحصر:
1- طرد وتهديد واحتجاز مراقبي الانتخابات: في كل من دائرة الصف، و حلوان والوادي الجديد والجيزة والغربية والإسماعيلية وقنا وكفر الشيخ وسوهاج والشرقية والمنصورة وسيناء وشربين وباب الشعرية.
2- الاعتداء علي المرشحين: في الإسكندرية والغربية وطنطا والبحيرة وكفر الشيخ وباب الشعرية
3- الاعتداء علي مندوبي المرشحين: في قنا والغربية وكفر الشيخ وسوهاج وكفر صقر والمنيا
4- الاعتداء علي الصحفيين والمراسلين: في المرحلة الثالثة للانتخابات تم الاعتداء علي طاقم قناة الجزيرة واحتجازهم وتكسير معداتهم أثناء تغطية الانتخابات في محافظة كفر الشيخ واحتجزوا لعدة ساعات، كما تم الاعتداء علي الصحفيين حسام الحملاوي، محمد رضا، وائل مصطفي، أسماء الحريزى، محمد طه" و مراسل البي بي سي. وتوم بيرى مراسل وكالة رويتر للأنباء وقد احتجز عدة ساعات بقسم الشرطة كما تم الاستيلاء علي الفيزا كارد الخاصة به، كما تم اعتقال حسام فادي" المصري اليوم" وعبد الحافظ سعد" الفجر"
5- الاعتداء علي الناخبين وأنصار المرشحين: في الإسكندرية والإسماعيلية وبورسعيد وقوص والغربية وقنا وبسيون وأبشواي والبحيرة وكفر الشيخ ودمياط والزقازيق والمنصورة والدقهلية
لم تترك قوات الأمن إذا طرفا واحدا من أطراف العملية الانتخابية لم تعترض طريقه مستخدمة في ذلك كل ما تملك بداية من الذخيرة الحية الى البلطجية، فاستهدفت المرشح والناخب والمراقب والمندوب والصحافة.. تلك التي يطلقون عليها اسم السلطة الرابعة والتي كانت في السنوات الأخيرة هدفا بارزا لانتهاكات حقوق الإنسان من قبل السياسة الأمنية المصرية، فقد شهدنا الاعتداء الوحشي علي عبد الحليم قنديل، وأسماء حريز، وخالد البلشي، وحسين عبد الغنى، وعبير العسكري والاعتداء المتكرر علي مصوري ومراسلي قناة الجزيرة القطرية، ومراسلي وكالة الأنباء الفرنسية، ووكالة الأنباء البريطانية. ذلك الى جانب سيف الحبس المسلط على الصحفيين المستقلين فليست مصادفة أن يكون كل الصحفيين المقدمين للمحاكمة في قضايا النشر من العاملين في الصحف المستقلة بينما لم ترفع قضية واحدة ضد صحفي من العاملين في الصحف الحكومية.
إحنا السلطة الوحيدة اللي ما حدش يقدر يعمل لها حاجة.. إحنا امن الدولة!!
الأستاذة أسماء محمد أحمد حريز، 24 سنة، صحفية تحت التدريب في جريدة الكرامة، بدأت يومها بتغطية انتخابات الإعادة للمرحلة الثانية من الانتخابات البرلمانية وانتهت ملقاة من سيارة سوداء بعد منتصف الليل في ميدان عبد المنعم رياض بناء على أوامر "الباشا الذي أمضى ساعتين من الليل يفرغ كل ما في نفسيته من مرض وعفن في تعذيب أسماء ومحاولة كسرها.. وكلما أبدت أسماء ما يفيد أنها لم ولن تنكسر كلما زاد توحشه وهو يصرخ فيها: إحنا السلطة الوحيدة في البلد اللي تقدر تعمل اللي هي عاوزاه.. إحنا امن الدولة!! بهذه الكلمات الهمجية لخص "الباشا" طبيعة جهاز مباحث أمن الدولة.. جهاز اخطبوتي.. لزج.. يمد اذرعه في كل ركن وفي كل شبر من أرض مصر. أفراد متوحشون، يخفون عيونهم وراء نظارات سوداء باستمرار ربما خوفا من التعرف عليهم أو لأنهم يتصورون أن ذلك يجعلهم يراقبون الناس دون ان يلفتوا النظر.. يستندون إلى حصانة غير قانونية مصدرها قانون الطوارئ والاستبداد.
كان اليوم هو السبت 26 نوفمبر 2005. تقول أسماء:
"كان يبدو أن هناك راجل مهم.. سمعته بيتكلم في التليفون. كان بيقول أيوه يا باشا. إحنا في الطريق. لما وصلنا، قال لي انزلي.. قلت له مش هأنزل، فكني الأول..راح شاددني ووقعني على الأرض وابتدا يجرني على الأرض. قلت له سيبني وأنا هأمشي. فقال لراجل تاني: شيلها لحد المكتب".. بعد قليل رفعوا الغمامة من على عينيها. وجدت نفسها في غرفة مكتب، لكن توجد صورة كبيرة لرئيس الجمهورية.. وجدت نفسها أمام شخص يشار اليه بالباشا فرجحت أنه ضابط.. قال: هي دي؟ أحد الرجال قال له: هي دي يا باشا. أخذ يستجوبها تحت الضرب والصفع.
كان بالمكتب ثلاث رجال آخرون يقفون ورائها على حين كان الباشا يستجوبها. وهم على الأرجح من خطفوها وأحضروها إلى المكان، كانوا يمسكون بها لكي يتمكن الباشا من ضربها وكانوا هم أيضا يضربونها ويجذبونها من شعرها كلما ردت عليه.. رن هاتفها المحمول. فأمسك الباشا بحقيبة يدها ورد على الهاتف. المتحدث طلب أن يخاطب أسماء، فقال له الباشا غير موجودة، ثم أغلق الخط تماما. فتش باقي حقيبتها. أخرج الكاميرا التي استخدمتها أسماء لتوثيق عملها للجريدة. بدأ ينظر في الصور التي أخذتها وامتعض وجهه وأخذ يسبها. بعد أن انتهى من الكاميرا وضعها على المكتب وأخذ يدور حولها: انتي بقى تبع أي تنظيم يا حلوة؟ قالت له: أنا صحفية وبأدي وظيفتي. قال: قولي تبع أي تنظيم.. ما هو انتي هتتكلمي يعني هتتكلمي.. انتي مع الإخوان؟ قالت: أنا صحفية تحت التمرين. ثم قال للرجال من ورائها: فكوها.
"فكوا ايدي وطلب مني أمضي على ورقة بدون ما أقرأها. قلت له لأ، أنا مش هأمضي.. وقلت له.. أنت واخدني ليه؟ الجرنال زمانه بيدور علي ومش هيحصل طيب. قال لي هتقدري تعملي إيه؟ قلت له البلد فيها قانون. قال لي إحنا فوق القانون. إحنا أعلى سلطة في البلد. إحنا السلطة الوحيدة اللي ما حدش يقدر يعمل لها حاجة. قلت له: انتم شوية بلطجية!.. كان متنرفز فقال لي: إحنا أمن الدولة. حسيت انه اتغاظ أكتر لما قال لي كده. زي ما يكون قالها في لحطة فلتان أعصاب. أخد كل حاجة من شنطتي، الكارنيهات والصور والفلوس (حوالي 200 جنيه) وشغل صحافة بتاع الانتخابات وشغل صحافة تاني كان لازم أسلمه".
طوال هذا الوقت كانت أسماء ترد على الباشا. لم تصدر له ولو لحظة انه يرهبها أو أنها خائفة من شىء تخفيه. وفي كل مرة كانت ترد فيها عليه كان هناك رجل وارءها يمسك بشعرها، ويجذب رأسها الى الوراء ثم يخبط بها المكتب. ومع كل خبطة كان صوت الباشا يرتفع "هتعترفي ولا لأ؟؟ وأسماء تؤكد انه لا يوجد شىء تعترف به. وقف الباشا وتوجه نحوها ووضع يده على ياقة قميصها وأخذ يلعب بسلسة ذهبية كانت ترتديها.. قال لها: ايه المكتوب على السلسلة دي، شعار الإخوان ولا التنظيم اللي انتي فيه؟ قالت له: ده قرآن.. سيب السلسلة.. إلا السلسلة. جذب السلسلة من على رقبتها ووضعها في جيبه ثم وضع يده على رقبتها مرة أخرى وكأنه ينوي ان يتحرش بها فدفعته بعيدا.. في أقل من لحظة انقض عليها واحد من الرجال الواقفين وراءها وشل حركتها ليتمكن الضابط من ضربها.
تقول اسماء: "ضربني على الفك من الناحية اليمين بكلوة ايده لقيت بقي بينزل دم.. شتمني بأمي قلت له ما تشتمش أمي.. شتمها تاني قلت له أهو انت.. فقعد يضربني بالأقلام على وشي ويخبط راسي في المكتب وهم ماسكيني ليه.. نتشت الورقة منه تاني راح ضاربني في صدري ووقعني على الأرض.. وقال لي بقى مش عاوزه تتكلمي؟ وراح ممسكني القلم بالعافية عشان أوقع على الورقة رحت زقاه بكوعي.. راح ماسكني من ياقة القميص وضربني في الحيطه وقال لي أنا هأعلمك الأدب".
أمر الرجال الأربعة أن يأخذوها الى غرفة مجاورة تفتح من خلال باب على مكتبه. رفضت أسماء وتشبثت بالمكتب فجرها الرجال من ساقيها الى داخل الغرفة ثم اغلقوا عليها الباب.. الغرفة صغيرة ليس بها شيء ولا حتى نافذة. لحظة أن اغلقوا الباب فتح باب آخر دخلت منه امرأتان يرتديان ملابس غامقة، ضخمات الجثة ووجوههم مشوهة بآثار جراح قديمة.
تقول أسماء: "الستات كانوا لابسين جلاليب غامقة وايديهم خشنة وضخمة ومتعصبين بإيشارب.. واحده كانت كأنها واخده مطواه في وشها.. شفايفهم كبيرة وواحده عندها عين حوله وزي ما يكون حاجبها فيه حاجة. قمت من الأرض، حاولت أجري على الباب.. خفت.. واحدة منهم قالت للتانيه: امسكيها. قلت لها حرام عليكي. قالت لي احنا عبد المأمور لو ما عملتش فيكي كده هيتعمل فيك اكتر من كده، وبعدين سألتني انتي عملتي لهم ايه دول نابهم أزرق.. وبدأ الضرب..كان ضرب محترفين. كانت بتضرب بسيف يدها على رقبتي وعلى حرف الحوض وأسفل البطن.. أنا بألعب كراتيه.. كنت بازقهم برجلي.. ضربوني في كل حته في جسمي وكنت بأقاوم برجليا. دفعوني كذا مرة فوقعت على الأرض وقعدوا يضربوا في تقريبا ثلث ساعة. كانوا بيحدفوني لبعض.. واحدة منهم فتحت قميصي وخربشت صدري بضوافرها لحد الدم ما نزف. حاولوا يخلعوا عني هدومي كلها. الست اللي كانت ماسكاني من رقبتي كانت بتقول كلام غريب، كلام فيه غزل.. كانت بتقول حاجات زي انتي جسمك حلو خسارة اللي بيتعمل فيكي ده.. وكنت مرعوبة. قعدت أصرخ وأصوت. قالوا لي الأوامر جايه لنا انك ما تخرجيش على رجليكي.. قعدت تضرب في لحد ما دخت ووقعت. قلت لها أنا خالي اللواء كذا وهتروحوا في داهية.. والدنيا زمانها مقلوبة دلوقتي.. الست اللي كانت ماسكاني كانت بتضربني بالروصية في دماغي من ورا وحاولت تتحرش بي. كل ما أقاوم التانيه تشتمني. لما قلت لهم ان خالي حد مهم راحت سايباني وخرجت من الباب اللي دخلت منه.. شويه وكلهم دخلوا علي تاني.. كلهم.. الراجل اللي كانوا بيقولوا له الباشا قال لها سيبيها.. حدفتني على الحيطه ووقعت على الأرض تاني.. جاب الورقة وقال لي امضي. ما رضيتش.. ضربني برجليه في جنبي ودماغي وداس برجله على صوابع رجليا ومسكني من شعري وضربني في الحبطه، وكل ده عشان عاوزني أمضي.. عاوزني أقول انا من أي تنظيم.. أو أقول اني من الإخوان.. بعدين جه له تليفون وسمعته بيتكلم: أيوه يا باشا، زي ما قلت لسعادتك.. أوامر سيادتك وراح قافل التليفون.
"كنت مرميه على الأرض وضرسي مكسور من الضرب ودم نازل من عينيه وبقي. مسكني من شعري وقال لي وحياة امك لو عديتي عتبة بيتكم الدبان الأزرق مش هيعرف لك طريق. قلت له: مش هيحصل. قال لي انت لسانك عاوز يتقطع. قلت له: حتى لو قطعت لساني. قال: أنا بأقول لك أهه. لو حكيتي أي حاجة حصلت هنا أو نشرتي مش هيحصل لك طيب. انتي وأهلك. أنا أعرف عنك كل حاجة وعندي ملف عنك.. مش هأخليكي تشتغلي في الصحافة تاني.. واحمدي ربنا ان الأوامر جت انك ما تعديش الطرقة دي.. ولا تيجي نوريكي باقي الأوض لحد آخر الطرقة؟ وكان طول الوقت بيخبط راسي في الحيط. وبعدين قال لهم: غموها وارموها بعيد من غير ما حد يشوفكو وتيجو بسرعة. جروني من رجليا.. ما كنتش قادرة أقوم.. قال لهم شيلوها يا كلاب وبعدين بص ناحيتي وقال لي: حسك عينك حد يعرف حاجة.. تقولي حصل لك حادثة. تقولي أي حاجة. كنت في حالة إعياء. سامعاه بس شايفه طشاش ومش قادرة آخد نفسي من كتر ما الضرب كان على صدري. ما كنتش عارفه فين الألم.. ما كنتش حاسة غير ان جسمي حتة وجع كبيرة..غموني تاني، وشالوني، ودخلوني من باب العربية وقفلوا الباب. واحد فيهم قال لي كلام الباشا لازم يتسمع وإلا ما حدش هيعرف لك طريق".
مرة أخرى وضعوا الغمامة على عينيها وحملوها إلى داخل السيارة. هذه المرة لم تكن تجلس بين رجلين بل كانت تجلس إلى جانب الباب. قيدوا يديها مرة أخرى خلف ضهرها. بدأ أحد الرجال يوجه لها كلام غزل فنهره رجل آخر وسأله: هنرميها فين؟ ثم بدأوا يتهامسون. بعد فترة ليست طويلة شعرت أسماء بالسيارة تهدىء من سرعتها.
تقول أسماء: "الراجل اللي قاعد جنبي شال الغمامة من على عينيا وفك ايديا ورماني من العربية. نزلت على دراعي اليمين. جيت أقوم مش قادرة ومش شايفه.. مش عارفه أركز من الدوخة.. بعد شويه لقيت حد بيطبطب علي..واحدة ست غلبانة لقيتني.. افتكرت انها حادثة. سألتها ما شوفتيش عربية مرت من هنا. قالت لي لأ يا بنتي أعمل لك أيه؟ كنت مش شايفه. عينيا كانت مقفولة ووارمة وكان فيه عين نازل منها دم. ما كنتش قادرة أقف. طلبت منها توقف لي تاكسي وتساعدني. وقفت لي تاكسي وساعدتني وعدلت لي هدومي وقفلت زراير القميص وساعدتني أدخل التاكسي وأخدت التاكسي ورحت على مكتب الكرامة.. من مكتب الكرامة نقلت أسماء الى مستشفى الهلال. لم يكشف عليها أحد وإنما تم عمل عدد من الأشعات لها.. لا محضر، لا كشف، لا توثيق، لا تقرير سوى اشتباه في ارتجاج في المخ.. بعد يومين قالوا لها في المستشفى انه لا يوجد مبرر لبقائها وأخرجوها الى منزلها.
هذا وحين عاين أطباء المركز حالة أسماء الصحية وجدو الآتي:
"جروح في الجبهة وتحت العين اليسرى، جفاف وورم في العين اليمنى، ألم في الكتف الأيمن والكوع الأمين استدعى تعليق ذراعها للتقليل من الحركة تفاديا للألم والى حين التئام التهتك في عضلات ذراعها الأيمن. أسماء غير قادرة على تحريك أصابع يدها اليمنى أو اليسرى نتيجة للألم بعد أن وقف عليها الباشا بالحذاء، كدمات في الظهر، ألم تحت الإبط الأيسر وفي اتجاه الصدر، عدم القدرة على السير نتيجة للدهس على أصابع قدمها، تصلب في العضلات في الساق اليمنى بداية من الفخذ وحتى الركبة، كوابيس واسترجاعات زمنية وعدم القدرة على النوم."