شهدت السنوات القليلة الماضية تصاعدا ملفتا للانتباه، من حيث كثافة وتتابع المواجهات التي جرت مابين الدولة والمواطنين في أنحاء عدة، وعلى مستويات متباينة. وقد كشف ذلك التصاعد قدرا هائلا من التوتر لدى الأجهزة الأمنية، وأظهر على الجانب الآخر تشبثا مستميتا من المواطنين المقهورين بحقوقهم الهزيلة المتبقية، والتي تتناقص تلقائيا باستشراء الفساد والقمع مع مرور الوقت.
ربما اختلفت المفردات التفصيلية لتلك المواجهات والمصادمات المتلاحقة، لكن عنوانها العريض بقى في أغلب الأحيان واحد: محاولة شرسة من النظام لفرض واقع أكثر شراسة على المواطن.
أما لماذا ازدادت تلك المواجهات وطفت على السطح في السنوات الأخيرة فهو ما يبدو نتاجا مباشرا لتصاعد حركات الاحتجاج في الشارع المصري، تلك الحركات التي واكبت تدهورا ملموسا في الوضع الاقتصادي وانهيارا يهدد الطبقة الوسطى، وتخليا من الدولة عن دورها في توفير الاحتياجات الأساسية للمواطن بل، ومحاولات نزع ما تبقى له من حقوق وامتيازات، ذلك بالإضافة إلى الحالة السياسية "المائعة" (إن جاز التعبير) على الصعيد الداخلي، والتي ترتفع فيها شعارات الإصلاح السياسي والتوجه الديمقراطي الزائفين، بينما يتم تكريس الوضع الاستبدادي القائم بإجراءات تحايلية، أو باستعمال العنف كلما لزم.
وقد صاحب ذلك الازدياد في حركات الاحتجاج، تطور نوعي وكمي في وسائل الإعلام المختلفة من صحف مستقلة وبرامج تلفزيونية تبث عبر قنوات خاصة غير مملوكة للدولة، بحيث صار من العسير إخفاء أنباء الاعتصامات والمظاهرات وكافة أشكال الاحتجاج التي صارت مادة إعلامية شبه يومية.
يمكننا تعريف عنف الدولة بشكل مبسط على أنه: "ذلك العنف المادي الذي تسخر الدولة أجهزتها للقيام به تجاه جموع من المواطنين لإخضاعهم لقراراتها دون اعتبار لمصالحهم وحقوقهم"
ربما استطعنا أن نلحظ نقطة فارقة في تفشي عنف الدولة على الساحة بوضوح ودون مواربة، فمع حلول مارس 2003 وتحديدا يومي 20، 21 واجهت قوات لا حصر لها من الأمن المركزي، مسلحة بمئات من قنابل الغاز، وآلاف من العصي الكهربائية والكلاب المدربة جموع المتظاهرين، المحتجين على الحرب التي شنتها الولايات المتحدة ضد العراق، بموافقة مصرية ضمنية، وقد أدت المواجهات غير المتكافئة لوقوع إصابات شديدة بين المدنيين، إذ لم تكتف الدولة بحصار المظاهرات كما هو معتاد وإنما جاءت الأوامر مباشرة بضرب وسحق المشاركين فيها
في بدايته، ربما كان هذا العنف واسع المدى، الذي مارسته الدولة، ردا سريعا على مفاجأة لم تتوقعها الأجهزة الأمنية، إذ جاوزت أعداد المتظاهرين التوقعات، لكن استمرار الدولة في استخدام العنف والتمادي فيه بدى قرارا متعمدا، تهدف به المؤسسة الأمنية لتأكيد إعادة بسط السيطرة الكاملة على الشارع المصري، و لترسيخ الثقافة المتوارثة لدى المواطن العادي، بأن الاحتجاج بأية وسيلة سلمية، أو محاولة فرض أية مطالب حقوقية على الدولة هو محض خيال وأن الدولة والنظام قادران على سحق من يرفض الامتثال لقواعدهما الخاصة.
لقد شهدت السنوات الأربع الأخيرة تصاعدا في وتيرة الأحداث التي قوبلت بعنف أمني متنام: عشرات من التظاهرات ردا على عدم شفافية الانتخابات واعتراضا على الاستفتاءات وعلى التدخل الأمني في المؤسسة الجامعية وفصل الطلبة واعتقالهم، قوبلت بالعنف الواسع النطاق، بل واعتقال المزيد والمزيد، عشرات من احتجاجات الفلاحين وأهالي القرى إزاء محاولات الدولة نزع الأراضي منهم بالقوة الجبرية، واجهتها الأجهزة الأمنية بقنايل الغاز وطلقات الرصاص الحي،...،اعتقالات عشوائية لا نهائية لبدو سيناء وحملات عقابية عنيفة عقب تفجيرات طابا وشرم الشيخ....،عشرات وربما مئات من اعتصامات العمال المفصولين عقب بيع المصانع والشركات الكبرى قوبلت بحصار العمال وتهديدهم بواسطة قوات الأمن..،، أما عن الاحتجاجات الرافضة لاستمرار النظام القائم والمتسائلة حول مستقبل نظام الحكم وعن حقيقة مشروع التوريث، فقد ظلت الأكثر استفزازا للمؤسسة الأمنية برغم أنها قد اتسمت بصغر عدد منظميها.
ومما يستحق التوقف عنده في هذا الشأن أيضا، تطوير أساليب العنف الذي تمارسه الدولة، فلم يعد الأمر قاصرا على الاستعانة بقوات الأمن المركزي (التي صار وجودها في الطرقات أمرا مألوفا)، بل أيضا الاستعانة بجيش موازي من بعض المدنيين الخطرين، المدججين بأسلحة بيضاء، والذين من بينهم كذلك محترفي التحرش الجنسي..، وأغلب الظن أن هذا الجيش الموازي قد ظهر بكامل هيئته على الساحة في يوم 25/5/2005 لقمع المتظاهرين والتحرش بالسيدات منهم أثناء الاستفتاء على تعديل بعض مواد الدستور المصري، وهو اليوم الذي اعتبره النظام (وياللسخرية) نقلة نوعية على طريق "الإصلاح الديمقراطي"، وهوإصلاح يشبه ذلك الذي تنتهجه الولايات المتحدة خارجيا وداخليا إذ يتسع ليشمل اعتقال المئات والتعذيب والتحرش والانتهاك الجنسي وكذلك التصنت على جميع وسائل الاتصال. ويبدو أن هذا المنهج قد صار ملاذا وحماية لجميع الانتهاكات التي تمارسها المؤسسة الأمنية في مصر
نورد في هذا الفصل نماذج من الأحداث التي ارتكبت فيها الدولة عنفا صارخا ضد المواطنين في المظاهرات، موثقة بشهادات عدد من الضحايا، و بما رأيناه نحن أنفسنا، وكذلك نورد العقبات التي اعترضتنا أثناء محاولة تقديم الدعم لهؤلاء الضحايا.
تقدم الدكتور المهندس عبد المحسن حمودة للسلطات المختصة بطلب عمل مسيرة شعبية تهدف لرفض الحرب الأمريكية علي العراق، علي أن تبدأ من ميدان السيدة عائشة وتنتهي أمام السفارة الأمريكية بميدان التحرير ووضح بطلبه خط سير المسيرة. قوبل طلب عبد المحسن بالرفض فتوجه للمحكمة التي أصدرت حكمها بالسماح للمسيرة " الدعوى رقم 7741 لسنة 57 قضائيا جلسة 4/2/2003. وفي 4/4/2003 توجه قيادات عدد من الأحزاب السياسية ونشطاء مناهضة الحرب لميدان السيدة عائشة، وكانت قوات الأمن قد وضعت المتاريس في كافة الطرق المؤدية لميدان السيدة عائشة وألقت القبض علي 45 مواطن منهم الدكتور عبد المحسن حموده، وبعد ساعات قامت بإطلاق سراح 34 محتجزا ورحلت الباقين لمعسكر الأمن المركزي بالدراسة.. وكما هي العادة تم عرض المتهمين علي نيابة الخليفة التي أمرت بحبسهم خمسة عشر يوما بعد أن وجهت لهم تهم بث دعايات من شأنها تكدير الأمن العام والنظام، وحيازة مطبوعات تتضمن عبارات مثيرة من شأنها تكدير الأمن العام والنظام، والاشتراك في تجمهر مكون من أكثر من خمس أشخاص، وقصد إتلاف الأموال العامة
قالوا:
توجهنا في يوم 4/4/2003 إلى ميدان السيدة عائشة تلبية لنداء اللجنة الوطنية المنظمة للمسيرة التي حصل الدكتور عبد المحسن حمودة على حكم قضائي بصددها حيث كان محاصرا بعدد كبير جدا و بشكل غير مسبوق من رجال الأمن سواء الذين يرتدون ملابسي ميري أو ملابس مدنية.
وفي الطريق أمام المتحف الإسلامي بالقلعة تم الهجوم من جانب عدد كبير من قوات الأمن -أمن الدولة- الداخلية وتم تهديدنا بالضرب وتم اختطاف حقيبة إحدى الصحفيات، ثم احتجزونا بجانب سور المتحف الإسلامي، وتم عمل كردون حولنا من عدد كبير من عساكر الأمن المركزي وكان عددنا لا يتجاوز 20 فردا- رجال و نساء - ورفضوا كل المحاولات التي أجريناها للخروج من الكردون وظللنا رهن الاحتجاز في جو إرهابي من قبل رجال الأمن وتم إطلاق سراحنا بعد فترة على أن نخرج اثنين- اثنين وأوقفوا لنا تاكسيات بحيث لا يتاح لأي فرد الوقوف أو مشاهدة ما يحدث ومن المشاهد الساخرة التي تعكس حجم الكثافة الأمنية أن قوات أمن ترتدي ملابس ميري قامت بالاعتداء على قوات أمن ترتدي ملابس مدنية في مشهد بالغ الهزلية. (مواطن)
توجهنا للمكان المخصص للمسيرة - كانت معظم الشوارع مغلقة و الأمن يمنع المرور - دخلنا شارع مؤدي للميدان وأثناء سيرنا متجهين إلى شارع محمد علي اندفعت مجموعة من الرجال يتقدمهم شاب( ضابط ) يرتدي نظارة سوداء وملابس مدنية و أمسك بعنف بيد دكتورة "ع" و حوله يزعق آخرون " هي دي " و " وسعوا لحضرة الضابط" و نزعوا حقيبة إحدى الموجودات و لم يعيدوها و تدافعنا في محاولة للدفاع عنها فهددونا إما الابتعاد عنها أو أن يمسكنا كلنا.. حضر بعض الضباط الآخرين، وبعض زملائنا ودفعونا في اتجاه شارع الرفاعي وأحاطونا بعساكر الأمن المركزي وكانوا في البداية يعطوننا ظهورهم ثم لما طلبنا أن يفتحوا لنا الطريق قالوا أننا متحفظ علينا وأدار العساكر وجوههم لنا و احتفظوا بنا مدة حوالي ساعة ولم يسمحوا لنا بالتوجه حيث نريد وقالوا" ما فيش مظاهرة ممنوع" وأوقفوا السيارات لحملنا فرادى أو ثنائيات بعيدا عن المكان. (مواطنة)
خرجت مجموعة من الناس من جامع بجوار السيدة عائشة وكان من بينهم مجموعة من النساء، وبعد أن قاموا بترديد عدة هتافات مناصرة للشعب العراقي في حصاره وضربه وحربه ضد أمريكا وبعد أن استمرت المسيرة لمدة 7 دقائق تقريبا تدخل مجموعة من ضباط أمن الدولة الذين سبق لنا الحديث معهم قبل الصلاة، حيث منعونا من دخول المسجد للصلاة.
قام هؤلاء الضباط بدفع مجموعة ترتدي الزي المدني من عملائهم أو رجالهم، وهجموا على المسيرة من الخلف مرددين ألفاظا نابية.. وكان الملفت للنظر هو وسيلة تعامل هؤلاء المرتزقة مع النساء.. فقد قامت مجموعة أمن الدولة تحت قيادة الضباط بالتعدي على سيدة ترتدي الخمار يبدو على وجهها علامات الكبر حتى ذرفت منها الدموع والحسرة والانكسار وقاربت على التهاوي للأرض لولا أن خلصناها من أيديهم بصعوبة بالغة.. قامت نفس المجموعة بالتوجه نحو فتاة لا يتعدى سنها 20 سنة وأمسكها ضابط أمن يرتدي الزي المدني هذه المرة، أمسكها من الخلف مطوقا جسدها بيديه ورفعها عن الأرض وعندما حاولت انتزاعها من يديه قام عدد أربع عملاء تقريبا بالتعامل معي وإبعادي.. ثم قامت نفس المجموعة التي ترتدي الزي المدني بالتحرك نحو سيدة مسنة بصحبة ابنها وعمرها يتجاوز الـ 50 عاما بقليل، قاموا بالتعدي عليها بالضرب المبرح حتى قاربت على الوقوع أرضا، عندها تحركت محاولا إنقاذها... تحولوا جميعا نحوي وقاموا بإمساكي وسحبي بعيدا عن السيدة وابنها مستمرين في ضربها واستولوا على شال فلسطيني كان معي و كاب ولوحات ورقية ومزقوا قميصي وبعدها سحبوني إلى شارع جانبي وتركوني بعيدا عن كل شيء. (مواطن)
في الساعة الثانية والنصف وعندما أعلن الإمام نهاية صلاة الجمعة - بداًت مجموعة من الشباب والقيادات في مكان مرتفع أمام المسجد بالهتاف، وتكونت مجموعة كبيرة وبدأ الناس يتجهون إلى المكان.. وسرعان ما بدأت الأوامر لصفوف الأمن المركزي بمحاصرة المتظاهرين في مربع ضيق. وأخذ قائد آخر يلبس بدلة بنية اللون بالهجوم على أفراد هنا وهناك. ودخل بعض الأفراد الأقوياء معهم فرق مدنية من مختلف الأعمار بضرب بعض الأفراد ومحاصرة كل فرد بمجموعة ودفعه بعيداً أو سحبة دفعاً إلى عربات مجاورة.. وكان الضرب يوجه للمصورين، والصحفيين، ولبعض الأفراد يتصور الأمن أنهم من قيادات المسيرة.. وحيث كنت أساعد السيدة / ز.م التي أغمى عليها ذعرا بعد اعتقال أخيها وابنها - هجم علينا مجموعة بقيادة أحد الأفراد ودفعونا دفعاً وضرباً دون أي مبرر.. وكانت النية واضحة لمنع المسيرة أصلا، بل منع وقوف الناس في هذا المكان. وكان الهجوم والضرب من هؤلاء الأفراد بدأ بأوامر من ضباط الأمن دون قيام المواطنين بأي محاولات تنم عن أي خروج أو سير أو هتاف ومن الملاحظ أن المجموعات التي قامت بتفريق المسيرة عبارة عن مجموعات بقيادة ضباط امن ولكن أفراد المجموعات عبارة عن أرباب سوابق أخرجتهم وزارة الداخلية من الأقسام لفض المسيرة بالقوة، وكان هذا واضحاً من سلوكهم وعدم تفريقهم بين المتظاهرين والمشاة. (مواطن)
توجهت صباح يوم الجمعة مع ابنتي ومجموعة من أصدقائها من طلاب الجامعة للمشاركة في المظاهرة السلمية التي كانت ستتوجه من السيدة عائشة إلى وسط البلد حيث كان هناك حكم قضائي بحق المواطنين المصريين في التعبير عن تضامنهم مع الشعب العراقي ضد العدوان الأمريكي البريطاني البربري.. وعندما اقتربنا من منطقة السيدة عائشة فوجئنا بكميات هائلة من قوات الأمن المركزي التي أقفلت الشارع المتجه لمنطقة السيدة عائشة من عند إشارة مرور عين الصيرة، وفرضت على المواطنين السير مترجلين.. فترجلنا وتوجهنا باتجاه ميدان السيدة عائشة واضطررنا للمرور عن طريق السيدة نفيسة للوصل إلى هناك.. عندما أصبحنا قرب جامع "السيدة عائشة" كانت قوات الأمن تحيط بنا من كل جانب.. التقينا بعض الأصدقاء من المحاميات وطالبات الجامعة وبعض الشباب الآخرين. وأثناء حديثنا عن كيفية الدخول للمسيرة فوجئنا بمجموعة من الأمن تحاصرنا بأمر من ضابط مسئول وقال لنا: أنه ممنوع أن نتحرك تجاه الجامع. قلت له: أننا جئنا للمشاركة في المسيرة بحكم القضاء، فقال لي: أنه لا يعترف بهذا الحكم وهناك استئناف. قلت له: أن الاستئناف غير قانوني لأنه لا يخضع لنفس المحكمة. فقال: "أهو كده" ممنوع التظاهر. طبعاً هنا بدأت النبرة تصبح عدوانية وقال: انقلوهم كلهم على الشاحنات وابتدءوا يمشونا باتجاه الشاحنات الزرقاء المغلقة لنفاجأ بعدد كبير من الرجال والنساء داخل الشاحنة منهم أصدقاء من المحلة الكبرى، والزقازيق، ونقلونا جميعاٌ إلى معسكر الأمن المركزي في الدراسة، وهناك أيضاً فوجئنا بمجئ أعداد إضافية من الأفراد منهم الدكتور أشرف بيومي وعبد المحسن حمودة.. فصلوا النساء عن الرجال.. أدخلونا كنساء في حجز داخل الثكنة وعلمنا أن الرجال محتجزين في عنبر أخر. أخرجونا بعد حوالي 3 ساعات من الحجز وبلغونا أن الرجال سيخرجوا بعدنا بساعتين وهم لم يخرجوا حتى الآن" هذه الشهادة مكتوبة بعد ساعتين من الخروج" (مواطنة)
وفي نفس الشهر وفي فجر 14/4/2003 أعيد اعتقال إبراهيم الصحاري من منزله وذلك بعد مرور يومين من اعتصام رمزي في نقابة الصحفيين نظمته اللجنة الشعبية للتضامن مع الشعب الفلسطيني، واللجنة الوطنية لمناهضة الحرب علي العراق.. وفي يوم الاعتصام قامت قوات أمن الدولة بالقبض علي كل من: وليد عبد الرازق، وعمرو عبد اللطيف، ومحمود حسن.. ومساء نفس اليوم أختطف رامز جهاد وهو أحد النشطاء في جامعة القاهرة من مقهى بوسط المدينة وألقي القبض أيضا علي الناشط وائل توفيق.. أما عن المهندس أشرف إبراهيم فقد هوجم منزله وتم إلقاء القبض عليه يوم 17/4/2003 وهي المرة الثامنة التي يتم اعتقال أشرف فيها ولكنها لم تكن الأخيرة حيث اعتقل للمرة التاسعة عام 2006...
في الوقت الذي كانت فيه المظاهرات تملأ عواصم العالم احتجاجا على الغزو الأمريكي للعراق، كان النظام المصري يغزو شوارع وميادين القاهرة ضربا، وسحلا، واعتقالا للمصريين الذين خرجوا في مظاهرات سلمية يعبرون عن رفضهم للغزو الاستعماري للعراق، ففي أعقاب الغزو الأمريكي للعراق تجمع المئات من المتظاهرين بميدان التحرير في قلب القاهرة منددين بالغزو الأجنبي وذلك من ظهر الخميس 20/3 حتى فجر الجمعة التالي.. مر اليوم بسلام ولم يتم التعرض للمتظاهرين بشكل جماعي ولم تحدث مخالفات من قبل الجهات الأمنية إلا في الحدود الدنيا حيث تم اختطاف عدد من المتظاهرين وتم الإفراج عنهم بعد قليل أمام صيحات احتجاج بقية المتواجدين بميدان التحرير، وتدخل عدد من النشطاء لدى قوات الأمن لتركهم وعدم تصعيد الموقف بلا داع.
وإذا كان يوم 20 مارس قد انتهى باستيلاء المتظاهرين على ميدان التحرير مستخدمين الهتاف والرسم والغناء للتعبير عن رأيهم فيما يجري.. فقد كان يوم 21 مارس يوم الانتقام الأكبر لرجال الداخلية.. فمنذ الصباح الباكر ليوم الجمعة كانت قوات الأمن قد احتلت ميدان التحرير وكافة الطرق المؤدية إليه. ونفس المشهد تكرر في منطقة الأزهر حيث اعتاد المصلون الخروج في مظاهرات احتجاج ضد المجازر التي تقترفها إسرائيل في الأراضي الفلسطينية.
كان قرار الداخلية واضحا: ما حدث بالأمس لن يتكرر اليوم. ورغم نجاح بعض المظاهرات في السير في شوارع وسط البلد إلا أن الأمن كان صارما في اختطاف النشطاء المعروفين لديه وكل من حاول التدخل لحمايتهم وكانت سيارات الأمن المركزي هي مكان الاحتجاز الأول قبل ترحيل المقبوض عليهم إلي أقسام الشرطة ومعسكرات الأمن المركزي.. وقد بلغ عدد المقبوض عليهم في هذا اليوم حوالي 800 بينهم خمس نساء.. وقد أطلق سراح معظمهم بعد ساعات من احتجازهم بينما رحل الباقون لأقسام الشرطة ومعسكر الأمن المركزي بالدراسة، وجراج تابع لهيئة النقل العام. وقد تعرض المحتجزون للضرب بالعصي والقايش والركل. كما جاء بشهادة بعض النساء تعرضهن للتحرش الجنسي أثناء القبض عليهن أو في قسم الشرطة.
قالوا:
"قام بالقبض علي من ميدان التحرير العميد حسام سلامة ضابط أمن دولة..شدني من شعري.. وجه اللكمات إلي وجهي، وركلني بحذائه..وقف الناس يتفرجون وهم لا يستطيعون التدخل. قام نفس الضابط بسحلي علي الأرض حوالي عشرين متر حتى رماني في عربة الشرطة. في الطريق لعربة الشرطة هددني الضابط حسام صراحة بالاغتصاب مستخدما ألفاظا قذرة مضيفا أن اغتصابي هو الذي سينسينى السياسة. والكدمة الزرقاء حول عيني نتيجة لكمة وجهها حسام سلامة إلي وجهي. في قسم الخليفة قام مأمور الترحيلات بضربنا بنفسه "العميد علاء سالم"، وساعده رائد شرطة لا أعرف اسمه، وسجانة اسمها "سحر" ضربتني أنا والفتاتين الأخرتين بمنتهي القسوة، وقالوا لنا إحنا التلاتة إذا لم نعترف فسوف يأتوا بمن يغتصبنا. رفضوا إحالتي للطب الشرعي وبعد محاولات مضنية حولوني إلي مفتش صحة.. الطبيب كان متعاطفا معي وقال أنى مصابة بتجمع دموي أسفل العين ونصحني بالعرض علي طبيب عيون. رفضوا إحالتى للطبيب مرة أخري رغم اننى ما زلت أبصق دما وهناك اشتباه بإصابتي بنزيف داخلي".(المخرجة منال خالد)
كنا في اجتماع للجنة الحريات بنقابة المحامين عندما رأيت رجال مباحث أمن الدولة يقومون بسب زميلي جمال وشده إلي الخارج ليدخلوه عربة الشرطة. حاولت منعهم فقام العقيد أحمد العزازى ضابط أمن الدولة بضربي بهراوة علي جانبي رأسي وذراعي الأيسر. كنت اشعر بألم شديد في ذراعي وكان متورما وملتويا ومن الواضح أنه تعرض للكسر. عندما ذهبنا لمعسكر الأمن المركزي بالدراسة طلبت توقيع الكشف الطبي علي ذراعي ولكن طلبي قوبل بالرفض. كررت الطلب بقسم الأزبكية ورفض أيضا. لم يتم تضميد ذراعي إلا بعد ترحيلنا إلي سجن طرة يوم 23/3/2003 والطبيب قاللي إن ذراعي به ثلاث شروخ.. أثناء ترحيلنا.. في قسم الخليفة تعرضنا جميعا للسب بأقذع الألفاظ كما ضربنا بالعصي والأحزمة الميري. (المحامي زياد العليمي)
في قسم الخليفة قام رائد وأمين شرطة بتقييد رجلي، ثم قام مأمور الترحيلات بضربي بعصا كانت بيده.. ضربني علي ظهري ورقبتي وذراعي أنا وآخرين من المحتجزين.. استمر الضرب حتى انكسرت العصا علي جسمي. وقام رائد آخر بخلع حزامه وجلدنا به. هناك اشتباه بوجود كسر في ساعدي الأيسر وطلبت العرض علي طبيب لكن طلبي رفض. (المحامي جمال عبد العزيز)
ولم يسلم حتى أعضاء مجلس الشعب.. فرغم تمتع محمد فريد حسانين وحمدين صباحي بالحصانة البرلمانية إلا أن ضباط امن الدولة قاموا بالاعتداء عليهما أمام نقابة المحامين بالقاهرة وسحلوهما في الشارع وبينما أصيب حمدين بالعديد من الإصابات، إلا أن وضع فريد كان أكثر حرجا فقد انتقل محمد فريد إلي المستشفي وشخصت حالته بارتجاج في المخ، تمزق بشبكية العين اليسرى، انفصال بشبكية العين اليمنى، جروح قطعية بالوجه والرأس والأنف، إصابات متعددة في الذراعين والساقين.. وقد أفاد شهود العيان الذين رأوا محمد فريد في المستشفي أنه مصاب بتشوش في الوعي وغير متعرف علي من حوله.. ولم تكتف مباحث أمن الدولة بتلك الجريمة فقد أخضعت محمد فريد حسنين للتحقيق في الثانية صباحا ولمدة ساعتين رغم حالته الطبية السيئة.
منذ بداية 2003 تصاعد التهديد الأمريكي للعراق وبات الهجوم وشيكا بين يوم وآخر، وأثارت أجواء الحرب المصريين كافة، ونشطت لجان مناهضة الحرب ولجان التضامن مع الشعبين الفلسطيني والعراقي..
كما قامت قوات أمن الدولة باعتقال أحد عشر شابا أثر اشتراكهم في احتجاج سلمى بمنطقة السيدة زينب بالقاهرة يوم 18/1/2003 وأودعتهم ليمان طرة..
وفي9/2/2003 ألقي القبض علي الصحفي إبراهيم الصحاري الناشط في لجنة مناهضة الحرب الأمريكية ضد العراق من منزله.
وفي 19/2/2003 اختطف ضباط أمن الدولة وعلي رأسهم الضابط وليد الدسوقي المهندس كمال خليل من ميدان الأوبرا قبل مظاهرة كان مقررا لها يوم 22/2/2003 أمام جامعة القاهرة للتضامن مع الشعب العراقي..
وفي نفس الشهر تم إلقاء القبض علي صبري السماك مدير شركة إنتاج المخرج يوسف شاهين.