والتعذيب فى أمن الدولة

 

أمن الدولة في حماية الطوارئ

صدر قانون الطوارئ رقم 162 لسنة 1958 في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. ولم يطبق قانون الطوارئ فعليا إلا في الخامس من يونيو عام 1967. وقد استمرت حالة الطوارئ لمدة ثلاثة عشر سنة حيث ألغيت في الخامس عشر من مايو 1980. ولكن لم تستمر البلاد طويلا بدون الطوارئ فقد عاد العمل بقانون الطوارئ مرة أخري في أعقاب اغتيال الرئيس السابق أنور السادات في 1981 واستمر تجديده حتى التجديد الأخير في عام 2006.

ويمنح قانون الطوارئ سلطات واسعة للأمن في الاعتقال والقبض العشوائي تحت مسمي الاشتباه، وقي ظل حكم الطوارئ وصل عدد المعتقلين لقرابة العشرين ألف معتقل، أكثر من نصفهم معتقلين سياسيين، طبقت عليهم سياسة الاعتقال المتكرر حتى قضي الكثير منهم أكثر من عشرين عاماً خلف الأسوار علي الرغم من الأحكام المتكررة بالإفراج عنهم.
وفي ظل الطوارئ أطلقت يد الشرطة وجهاز أمن الدولة في تعذيب المعتقلين والمحتجزين، وفي احتجاز الرهائن وتعذيبهم، وأحيل المخالفون في الرأي لنيابة أمن الدولة العليا طوارئ التي اعتادت إساءة استخدام سلطاتها في الحبس الاحتياطي حتى أصبح الحبس الاحتياطي عقوبة بذاته.


وبموجب قانون الطوارئ أنشئت محاكم أمن الدولة العليا طوارئ وأحيل المدنيين للمحاكم العسكرية التي تفتقر لأبسط قواعد المحاكمة العادلة كما تفتقر لحق الطعن في أحكامها أمام درجة قضائية أعلي، والتي أهملت دعاوى التعرض للتعذيب في كثير من القضايا. ويمنح قانون الطوارئ للسلطات الأمنية الحق في إلقاء القبض علي المشتبه فيهم متى شاءت، ويستمر الاعتقال فترات طويلة دون محاكمة، وغنى عن البيان أن السلطات تلقي القبض على المواطنين في تجاوز لقانون الطوارئ نفسه.
ومع استمرار العمل بقانون الطوارئ تحللت السلطات من كل القيود الدستورية والقانونية الخاصة بحقوق المواطن أثناء القبض عليه وبعده، وتضخم جهاز أمن الدولة حتى أصبح هو اليد العليا في الوطن والسلطة الحقيقية التي تتحكم في جميع مؤسسات الدولة. وعادة ما يصدر الضباط تصريحات بهذا المعنى للمقبوض عليهم وهي التصريحات التي تفيد أنهم السلطة الوحيدة وأنهم فوق القانون والدستور.


كما لا تخبر السلطات المقبوض عليه بسبب اعتقاله ولا تخبر أهله بمكانه لفترات طويلة، وفي الأغلب تكون فترات اختفاء المقبوض عليه هي الفترات التي يحتجز فيها المواطن في أجهزة أمن الدولة ويتعرض خلالها لأبشع أشكال التعذيب البدنى والنفسي. ويعطي قانون الطوارئ السلطات الحق في منع التظاهر ومنع الاجتماعات والتجمعات العامة. ويمنح قانون الطوارئ السلطات الحق في الرقابة علي الصحف وإغلاقها تحت مسمي "دواعي الأمن".. وبنفس القانون يتم الاستيلاء علي سيارات الأجرة وتسخيرها بسائقيها لأغراض المؤسسات الأمنية ومن يعترض يتعرض للتعذيب البشع لعصيانه أوامر السلطات.


وبعد تفجيرات دهب 2006 قامت السلطات بعزل شمال سيناء عن جنوبها واعتبار منطقة وسط سيناء منطقة عسكرية وهي إجراءات لا يمكن أن تطبق إلا بمقتضى قانون الطوارئ.
وعلي الرغم من ادعاء رئيس الجمهورية أن حالة الطوارئ لا تستخدم إلا في مواجه الإرهاب والمخدرات، وأن الحزب الحاكم بصدد إصلاح ديمقراطي ومراعاة لحقوق المواطن، إلا أننا رصدنا ازدياد العنف في مواجهة أصحاب الرأي بشكل هستيري، فألقي القبض علي آلاف المتظاهرين وتعرض الكثير منهم للتعذيب في مقار أمن الدولة، وأقسام الشرطة، والسجون. ورأينا - بالذات بعد احتلال العراق-  تواجدا أمنيا غير مبرر في وسط مدينة القاهرة، و أصبح المشهد اليومي هو رؤية العشرات من سيارات الأمن المركزي تحتل وسط المدينة في مشهد يثير الرعب في نفوس المواطنين. وأصبح السؤال المتكرر هو كم تتكلف ميزانية وزارة الداخلية وأجهزة قمع الشعب؟ هل ندفع الضرائب ليذهب نصفها لوزارة الداخلية لتشتري بها المزيد من السيارات وأدوات التعذيب وقنابل الغاز والمياه المعالجة كيميائيا؟ هل ندفع الضرائب ثمنا لإهانتنا، وترويعنا، وتعذيبنا؟

وفي مطالعتنا لمواد الاتهام التي وجهت للمتظاهرين ضد الغزو الأمريكي للعراق نجد أن معظم التهم لا تقع تحت طائلة القانون الطبيعي وإنما تحت طائلة قانون الطوارئ، حيث ووجه جميع المقبوض عليهم بتهمة التواجد في تجمع قوامه أكثر من خمس أشخاص رغم أن المتهمين عرضوا علي ثلاث نيابات مختلفة "الأزبكية، الجمالية، قصر النيل".. هذا وقد أصدرت السلطات تشريعا آخر بجانب الطوارئ وهو قانون مكافحة الإرهاب " "قانون 97 لسنة 1992" ليضاف إلى ترسانة القوانين سيئة السمعة التي تمنح المزيد من السلطات لأجهزة الأمن وتقلص هامش الحريات العامة والخاصة للأفراد، والجماعات.


في ما يلي نضع أمام القارئ بعض بنود قانون الطوارئ لنوضح أثره في استشراء العنف الجماعي والتعذيب المنهجي من قبل السلطات المصرية.
مادة 1- يجوز إعلان حالة الطوارئ كلما تعرض الأمن أو النظام العام في أراضي الجمهورية أو في منطقة منها للخطر، سواء أكان ذلك بسبب وقوع حرب أو قيام حالة تهدد بوقوعها أو حدوث اضطرابات في الداخل أو كوارث عامة أو انتشار وباء
مادة 3 (2)- لرئيس الجمهورية متي أعلنت حالة الطوارئ أن يتخذ التدابير المناسبة للمحافظة علي الأمن والنظام العام وله علي وجه الخصوص:
(1)  وضع قيود علي حرية الأشخاص في الاجتماع، والانتقال، والإقامة، والمرور في أماكن أو أوقات معينة. والقبض علي المشتبه فيهم أو الخطرين علي الأمن والنظام العام واعتقالهم، والترخيص في تفتيش الأشخاص والأماكن دون التقيد بأحكام قانون الإجراءات الجنائية
(2)  الأمر بمراقبة الرسائل أيا كان نوعها، ومراقبة الصحف، والنشرات، والمطبوعات، والمحررات، والرسوم وكافة وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها. وضبطها ومصادرتها وتعطيلها وإغلاق أماكن طبعها. علي أن تكون الرقابة علي الصحف والمطبوعات ووسائل الإعلام مقصورة علي الأمور التي تتصل بالسلامة العامة أو أغراض الأمن القومي.
(3)  تحديد مواعيد فتح المحال العامة وإغلاقها. وكذلك الأمر بإغلاق هذه المحال كلها أو بعضها.
(4)  تكليف أي شخص بتأدية أي عمل من الأعمال والاستيلاء علي أي منقول أو عقار، ويتبع في ذلك الأحكام المنصوص عليها في قانون التعبئة فيما يتعلق بالتنظيم وتقدير التعويض.
 (5)  إخلاء بعض المناطق أو عزلها وتنظيم وسائل النقل وحصر المواصلات وتحديدها بين المناطق المختلفة.
ويجوز بقرار من رئيس الجمهورية توسيع دائرة الحقوق المبينة في الفقرة السابقة، علي أن يعرض هذا القرار علي مجلس الشعب في المواعيد وطبقا للأحكام المنصوص عليها في المادة السابقة ويشترط في الحالات العاجلة التي تتخذ فيها التدابير المشار إليها في هذه المادة بمقتضي أوامر شفوية أن تقرر كتابة خلال ثمانية أيام.
مادة 6 (1) – يجوز القبض في الحال علي المخالفين للأوامر التي تصدر طبقا لأحكام هذا القانون والجرائم المحددة في هذه الأوامر.
مادة 10: ويكون للنيابة العامة عند التحقيق كافة السلطات المخولة لها ولقاضي التحقيق ولغرفة (قاضي الإحالة) بمقتضي هذه القوانين.
مادة 11: لا تقبل الدعوى المدنية أمام محكمة أمن الدولة.
مادة 12: لا يجوز الطعن بأي وجه من الوجوه في الحكام الصادرة عن محاكم أمن الدولة، ولا تكون هذه الأحكام نهائية إلا بعد التصديق عليها من رئيس الجمهورية.


في ظل هذه الحماية "القانونية" وجد جهاز أمن الدولة تربة خصبة لينمو وينتشر في كل شبر من أرض مصر كالورم السرطاني الخبيث، يأتي على كل ما يمسه.. فقد تضخم جهاز أمن الدولة في بداية التسعينيات من القرن الماضي خاصة بعد الحادث الإرهابي الذي أودي بحياة العشرات في الدير البحري بالأقصر. ففي أعقاب تلك التفجيرات أقيل وزير الداخلية وعين بدلا منه أحد رجال أمن الدولة في منصب وزير الداخلية ومازال هذا الوزير مستمرا في منصبه حتى اليوم.


وطوال عهد وزير الداخلية الحالي أحيل عدد كبير من القضايا إلى جهاز أمن الدولة الذي تفشي نفوذه وتواجده في كل ركن من أركان البلاد.. في المصانع والجامعات، والمدارس، والمستشفيات، والمصالح الحكومية. وانضمت ملفات جديدة لملفات الاتجاهات السياسية غير المعترف لها بالشرعية القانونية وعلي رأسها قضايا الأقباط. حتى أصبح لأمن الدولة نفوذا في قضايا عائلية وشخصية كزواج فتاة مسيحية من مسلم، أو مشاجرة عادية بين طرفين إحداهما مسيحي والآخر مسلم..الخ.


ومع ازدياد نفوذ جهاز أمن الدولة ازداد توحشه وهمجيته وأصبح سلطة فوق السلطات وأداة رعب وفزع للشعب المصري كله ولا يخجل ضباط أمن الدولة أنفسهم من التفاخر بأن البلد بلدهم هم، وأنهم أعلى سلطة فيها وأنهم أصحاب السطوة والزنازين، والتعذيب الوحشي. وأنهم كذلك القادرين على إرسال من يريدون إلى ما وراء الشمس.

أمن الدولة فوق المحاسبة

 

يعطي القانون للنيابة العامة الحق في التفتيش المفاجئ علي أقسام الشرطة كما يلزمها بالتفتيش حال تلقي شكاوى تفيد باحتجاز دون وجه حق، أو تعرض أحد المحتجزين للتعذيب. وبصرف النظر عن مدى التزام النيابة العامة بالتزاماتها هذه نجد أن التفتيش علي مقار أمن الدولة يقع خارج نطاق هذا الالتزام، لتصبح مقار أمن الدولة هي تلك الأماكن المرعبة، غير المعلومة في كثير من الأحيان، التي يختفي فيها آلاف المواطنين لعدة أيام أو أسابيع أو شهور في انقطاع تام عن العالم الخارجي مقطوعي الصلة بأسرهم ومحامييهم.. وفي تلك الأوكار الأمنية يتعرض هؤلاء المواطنين لأبشع أشكال التعذيب لإجبارهم علي الإدلاء باعترافات على أنفسهم، أو على أطراف أخري، أو في محاولة لتجنديهم، أو لتأديبهم علي نشاط سياسي معارض.. وعادة ما يتم التحقيق-إن تم– مع هؤلاء أمام نيابة أمن الدولة العليا طوارئ المشكلة بموجب قانون الطوارئ. ثم يقدمون لنفس المحاكم الاستثنائية المعروفة باسم "محاكم أمن الدولة". وهو ما ينفي ادعاء السلطات بأن قانون الطوارئ لا يستخدم إلا في حالات الإرهاب والمخدرات. كما ينفي مزاعمها حول الإصلاح الديمقراطي في مصر.


.
 

الضابط وليد الدسوقى. انا بس عايز اوريلك انى ممكن اقتلك

 

رامز طالب جامعي، اعتقل إبان مظاهرات الاحتجاج على الحرب الأمريكية ضد العراق. وتم احتجازه وتعذيبه في مقر مباحث أمن الدولة بلاظوغلي على يد الضابط وليد الدسوقي.
"أنت هنا في أمن الدولة، مفيش حاجة اسمها أنا مين، وابن مين" كان هذا رد وليد الدسوقي علي رامز عندما أخبره أنه ليس من سلطته القبض عليه حيث أن والده يعمل بمؤسسة سيادية من مؤسسات الدولة. وهذا الرد كان بداية التعريف بسلطات أمن الدولة التي أصبحت السلطة العليا فوق كافة مؤسسات الدولة، وهذا هو تعريف وليد الدسوقي لنفسه ومهامه؟!.


في يوم السبت 12 أبريل 2003 ألقى وليد الدسوقي القبض على رامز من إحدى مقاهي باب اللوق على مرأى ومسمع من جميع الجالسين في المقهى الذين أحاط بمناضدهم جميعا رجال وليد الدسوقي، وكان ذلك حوالي الساعة السادسة مساء. وأمام الجميع بدأ الاعتداء على رامز بالضرب وسحله إلى خارج المقهى، ودفعه إلى داخل سيارة تابعة لجهاز أمن الدولة، حيث خلعوا عنه الفانلة وعصبوا بها عينيه.  وفي داخل السيارة استمر مسلسل الضرب والسب حتى حشروا رامز في دواسة السيارة  أمام الكنبة الخلفية وتحت أقدامهم!!!.. في مبنى مباحث أمن الدولة بلاظوغلي استمر احتجاز رامز لمدة 11 يوم- قبل ترحيله لسجن الغربينيات، ببرج العرب- تعرض خلالها لشتى أشكال التعذيب النفسي والجسدي من تعصيب للعينين إلى تقييد اليدين من خلف وبأعمدة مثبته بالحائط، وكذلك التعليق من الذراعين من خلف، والصعق بالكهرباء، ثم استمر الضرب المتواصل حتى طرحوه أرضا علي بطنه ووقفوا  على ظهره بالأرجل والأحذية، كما أمر بخلع ملابسه وقاموا بتهديده بالاغتصاب، وأخيرا وليس أخرا.. التهديد بقتل أخيه وتدمير مستقبل والده ثم تهديده هو نفسه بالقتل.


وكانت طلبات الضابط وليد الدسوقي أن يعترف رامز على عدد من الأشخاص    - التي يريد سيادته اعترافه عليهم - بانتمائهم لتنظيم الاشتراكيين الثوريين، وأن يتعاون رامز معهم" أن يصبح عميلا لأمن الدولة" وكانت عمليات التعذيب تتم في حضور وبأوامر وبيد الضابط وليد الدسوقي معلنا في كل جولة من جولات التعذيب أنه سيجبره على الاعتراف.
وبالرغم من الإفراج عن رامز، واستمراره في تلقي العلاج الطبي والمساندة النفسية بمركز النديم طوال هذه الفترة إلا أن مسلسلات الضابط وليد الدسوقي لا تقف عند حد،  فالتهديد بالقتل وإيذاء الأهل استمر بشكل شبه يومي بالتليفون، وفى يوم الأحد الموافق 31/8/2003 قام الضابط وليد بالتحرش برامز بسيارته وحاول أن يصدمه بها، ثم أطل برأسه من السيارة قائلا له " المرة دي مش حأقتلك، بس بأوريك إني ممكن أقتلك لو ما اتعاونتش معانا" وذلك على مرأى ومسمع من حرس البنايات في المنطقة الذين طلبوا إعفائهم من الشهادة خوفا من بطش الداخلية.
وقد تقدم مركز هشام مبارك للقانون بمذكرة للنائب العام في 18/9/2003 مطالبا بانتداب "قاضي تحقيق" ليتولى التحقيق في تلك الجرائم ووقف حاله الإرهاب التي يقودها وليد الدسوقي ضد رامز.
 

ماكنش بيدينى فرصة اجاوب.. كان بيضرب على طول

 

عمرو طالب جامعي، ضحية ثانية للضابط وليد الدسوقي، ألقي القبض عليه يوم السبت 12 أبريل 2003 من خلف نقابة المحامين ومن هناك إلى مبنى مباحث أمن الدولة بلاظوغلي. يقول عمرو:


"اتقبض علي ورا نقابة المحامين من شارع عبد الخالق ثروت. كنا خارجين من نقابة المحامين ومتجهين لنقابة الصحفيين. وكان معايا اتنين وكانت الساعة حوالي 12 ظهرا.. هجم علينا أكثر من 8 أشخاص، مش عارف العدد بالضبط، كل واحد فينا كان فيه ثلاثة ماسكينه.وأستطيع أن أميز شكلهم جميعا وحتى فيه واحد منهم أنا شفته النهارده (الثلاثاء، 15 أبريل) قاعد قدام نقابة الصحفيين.. جرونا في الشارع وحاولوا يدخلونا مدخل شركة فايزر وأمن الشركة رفض. بعدين أخدونا عربة الترحيلات الخاصة بالأمن المركزي وسابونا في العربية حوالي ساعتين تحت الحراسة. بعد كده تحركت العربة لمبنى لاظوغلي وعلى الباب طلبوا منا تغمية الوجه كله بطريقة الفانلة (يعني نشد الفانلة لفوق على الوش ونقفلها بإيدينا) ولو رفضنا.. طبعا هيضربونا.

 

 وفي الداخل أخدوا مننا الأمانات ودخلونا زنزانة في الدور الأول وفضلنا لحد الساعة 9.30 مساء، بعد كده خرجونا ووضعوا على العينين عصابة بطريقة الربط وطلعنا في الدور التاني.. دخلونا للتحقيق واحد واحد.. وكان التحقيق في الأغلب في الأوضة اللي في النص.. واحدة يمين وواحدة شمال.. أول شئ طلبه مني خلع الملابس العلوية بحيث يبقى صدري عاري تماما هو والبطن وبدأ يسألني ويطلب مني اعتراف بأن (م) اتصل ودعاني للمشاركة في الاعتصام. وبدأ يسألني عن اسم الشخص اللي أقنع (م) بالانضمام إلى التجمع وملء استمارة عضوية، ولما أنكرت معرفتي بالتفاصيل بدأ في الضرب، وكان الضرب من أكتر من تلاته، واحد بس من ورا واكتر من واحد قدام وكان من الواضح أن كل واحد فيهم متخصص في منطقة من الجسم. كان فيه واحد بيدوس بالجزمة على بطني والخصيتين وكان التكييف بارد جدا (بشكل رهيب) وكنا بنرتعش من البرد واستمر الضرب أقل من ساعة.. بعد كده نزلونا تحت حوالي الساعة 2.30 بدأوا ياخدوا واحد واحد بالتناوب وأنا ما طلعتش تاني غير النهارده (الثلاثاء). بس فيه واحد أنا قلقان عليه جدا لأنه كان بيتاخد كل شويه.. وحكى لنا انه هو كان بيتعرض للتعذيب في كل جسمه بالكهرباء وبالتعليق والضرب حتى أن أمين الشرطة كان بيجيبه الحجز ويقول لنا ده ما يشربش ميه خالص لأن جسمه كله مليان كهرباء.

 


النهارده (الثلاثاء) أخدوني تاني ودخلت في غرفة مختلفة على اليمين واستطعت تمييز وليد الدسوقي من طريقة الكلام والأسئلة ومن صوته لأني تعاملت معاه من عشر أيام في جابر بن حيان. بدأ يسألني بشكل فعلي عن كل شيء في السياسة (أصحابي في الجامعة وفي المظاهرات وعن سبب مرواحي مركز هشام مبارك) والغريب أن ما كانش بيديني فرصة إني أجاوب وكان بيضرب على طول وكان بيركز بشكل خاص بالضغط على الخصيتين بالجزمة.. وكان أثناء الضرب بيهدد إنه هيخرب بيت أبويا في شغله وإنه هيقطع رزقه، ويقبض على أمي واخواتي وانه يقدر يطلعني من الجامعة. وفي نفس الوقت كان بيعرض على أنى لو تعاونت معه هينفعني في الجامعة جدا.. وأعطاني ورقة صغيرة فيها أرقام تليفونه (7940332، 7940214، 0122338888).. أنا حاسس إني مش قادر أحرك العمود الفقري وجسمي من تحت عند الخصيتين بيؤلمني جدا، وحاسس بوجع رهيب.. مش قادر.
 

فى جابر بن حيان

 

الفقرات التالية تعرض بعضا من شهادات ضحايا أمن الدولة التي وثقها أطباء النديم بناء على لقاءات مباشرة مع هؤلاء الضحايا. إنها قطرة في بحر.. إنها شهادات بعض ممن فشل الرعب وإرهاب أمن الدولة في أن ينفذ إلى قلوبهم ولم يجدوا سبيلا لرد الاعتبار أفضل من أن يفضحوا هذا الجهاز الذي يعيش ويتوسع ويتجبر متغذيا على الظلام والخوف وتعصيب العيون  وأسماء ضباطه الوهمية

قامت مباحث أمن الدولة بإلقاء القبض على المواطن هاني رياض، 28 سنة، خريج كلية الآداب والطالب بالدراسات العليا وعضو المركز المصري لحقوق السكن من أمام مطعم التابعي بالمهندسين يوم 20 ديسمبر 2002 حوالي الساعة الثانية عشر ظهراً تحت دعوى أنه كان يوزع منشورات تتضمن دعوة المواطنين للمشاركة في مظاهرة شعبية احتجاجا على حرب العراق.. وقد بدأ ضرب هاني رياض منذ لحظة القبض عليه في الشارع ثم تم اقتياده إلى مقر مباحث أمن الدولة في شارع جابر ابن حيان بالدقي حيث تم تعصيب عينيه وتجريده من ملابسه باستثناء ملابسه الداخلية وضربه على المناطق الحساسة من جسده والوقوف على ظهره وضربه في صدره بالأحذية وتوجيه الإهانات له على اعتبار أنه مسيحي حيث قام معذبوه بسبه وسب السيد المسيح والاستهانة بعقيدة  المسيحيين التي تقول بأن المسيح ابن الله مستخدمين في ذلك ألفاظا نابية.


وفي حوالي الساعة الخامسة مساء تم تحويل هاني إلى قسم الدقي حيث فكت العصابة من عينيه وأدخل إلى غرفة عليها اسم "طارق المرجاوي" بها ثلاثة من الضباط تعرف على صوت أحدهم وإن لم يميز شكله حيث أنه كان معصوب العينين طوال فترة وجوده في جابر ابن حيان.. وفي قسم الدقي تواصل ضرب هاني لمدة أربع ساعات تقريبا لإجباره على التوقيع على اعتراف يفيد بأنه استلم هذه الأوراق من مركز هشام مبارك للقانون منذ ثلاثة أيام وأن المركز طلب منه توزيعها. وتحت الضرب والتهديد بمزيد من التنكيل وقع هاني على الورقة ثم حجز بالقسم وتم عرضه على نيابة الدقي في صباح اليوم التالي 21 ديسمبر 2002.. وفي نيابة الدقي قال هاني في وجود محامييه، الذين زودونا بهذه المعلومات، أنه قد وقع على هذه الورقة مكرها تحت الضرب والتهديد بالتنكيل ونفى قيامه بتوزيع تلك المنشورات أو استلامها من أي جهة كانت. وقد أثبت السيد مازن يحيى مدير النيابة أقوال هاني خاصة وأن بعض آثار الضرب كانت واضحة عليه كما أنه كان يشعر بصعوبة في التنفس من جراء الوقوف على صدره وعلى ظهره بالأحذية.

يريدونه معتقلا أو مخبرا أو متشردا

 

تلك باختصار هي النتيجة التي وصل إليها حسن علي أحمد بعد سنوات الاعتقالات المتكررة والتعذيب المروع، فقد اعتقل وهو في الرابعة عشر كعضو بالجماعة الإسلامية عام 1984، ثم في عام 1989 بمقر أمن الدولة بجابر بن حيان، ثم أعيد اعتقاله في عام 1992 بمعسكرات الأمن المركزي حيث قضى عاما كاملا ما بين سجني طرة وأبو زعبل في حبس انفرادي، ثم تم اعتقاله مجددا في عام 93 لمدة 4 أشهر.. تعرض حسن علي أحمد خلال فترات اعتقاله لوسائل تعذيب كثيرة يتذكر منها الضرب الشديد والتحرش الجنسي والتعليق من اليدين والقدمين، والوقوف بالأحذية على بطنه وصدره، واستخدام الكهرباء والآلات الحادة بالإضافة للتعذيب النفسي..

  انشق على قادة الجماعة في عام 93 بعد خلاف فكرى بداخل المعتقل وصل إلى حد تكفيره فتركهم تماما، لم يعد العضو النشط بالجماعة الإسلامية بل انطلق يشق طريقه بعد أطلاق سراحه برؤية مختلفة ورغبة في بناء مستقبل وأسرة.. ساعدته بعض منظمات حقوق الإنسان فرفع قضية ضد من عذبوه، واستصدر ترخيصا من محافظة الجيزة لعمل كشك سجائر، ثم أخذ يطور في عمله حتى صار يدر عليه دخلا جيدا. وفي عام 2000 و2005 (عام الإصلاح) بدأ ينشط في مراقبة الانتخابات مع أحد مراكز حقوق الإنسان، وقام بتدريب زملاء له وكتب تقريرا بمشاهداته.. لم يحتمل ضباط أمن الدولة أن يعود حسن الذي طالما قاموا بتعذيبه واعتقاله إلى الساحة.. اعتقلوه مرة أخرى في عام 2000 ثم في 2005، طلبوا منه أن يصبح مخبرا.. أن يتجسس على المركز الذي تبناه، ولكنه رفض فلجأوا إلى لغتهم الأثيرة.. عذبوه حتى تهتكت أربطة قدمه وأصيب بالتهابات في كليته، وصارت يده تتيبس في أوضاع معينة.. لم يكفهم هذا بل قاموا بتهديد زوجته وأطفاله الأربعة.. ولما لم يرضخ حسن أصبحت البلطجة ملجأهم الأخير... أرهبوا الموظفين بالحي فرفضوا تجديد ترخيص كشك السجائر الذي لا يملك غيره، أخبره رئيس الحي بأن مشكلته لا يمكن حلها رغم موافقة المحافظ على التجديد، وأن تلك هي أوامر الجهات الأمنية العليا !!!..

 

حسن ينزل إلي الشارع يوميا، يقف بجوار الكشك الذي أغلق تمهيدا لإزالته حتى يحاول حمايته إذ ما صدرت أوامر للشرطة بالتنفيذ..وهو مصر على مقاضاة من عذبوه، وعلى ممارسة العمل العام وعلى رفض وظيفة "مخبر" !! (من بيان لمركز النديم في 6 فبراير 2006).