
فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس"
Submitted by تعذيب on Mon, 2006/01/30 - 14:57.
فى فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس" فإننا نتقابل مع شخصين لا علاقة لهما بالسياسة من قريب ولا من بعيد (كما سنرى من خلال مشاهدة الفيلم) يتواجدان بالمصادفة داخل أحد أقسام الشرطة أثناء ترحيل عدد من الناشطين السياسيين المقبوض عليهم، فيتم ترحيلهما معهم إلى أحد المعتقلات السياسية عن طريق الخطأ، ليقعا تحت المعاملة استناداً إلى توصيفهما بهذا الاعتبار. فإذا كانت المصادفة توقع بشخصين بين براثن آلة التعذيب فى المعتقل السياسى فى فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس"، فإننا فى المقابل سنواجه حالة عمدية تدفع بالمواطن العادي بين براثن هذه الآلة القمعية وهو ممن ينطبق عليه المثل الشعبى المعروف "لا له فى التور ولا فى الطحين" انطباقاً تاماً، أى "لا ناقة له ولا جمل" فى هذا الشأن.
والحقيقة أن السينما المصرية لا تتجاوز الواقع الاجتماعي المصري خلال عقدي الخمسينيات والستينيات، عندما كانت الأجهزة الأمنية تأخذ أعدادا غير قليلة من المواطنين بالشبهات، باعتبارهم من أصحاب النشاط السياسي، على غير الحقيقة، وربما يتذكر البعض منا تلك الرواية التي تداولتها الكثير من الكتابات الصحفية وغير الصحفية عن مواطن مصري مسيحي، يتصادف أن أسمه يدل بوضوح على هويته الدينية، تعرض للاعتقال باعتباره من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، لأن الأجهزة الأمنية وجدت صورة إيصال تبرع باسمه لبناء أحد المساجد التابعة للجماعة. وإذا كانت هذه الرواية المتداولة لا تخلو من طرافة في حد ذاتها، إلا أنها تجئ تعبيراً بليغاُ عن مدي تعرض المواطن العادي لبطش الأجهزة الأمنية، بدون أي مبرر منطقي، في هذه الفترة الزمنية من تاريخ المجتمع المصري، وهو أمر قد لا تخلو منه أية مجتمعات أخري في نفس الظروف السياسية، أو في ظروف مشابهة لها ، كما لا يخلو منه المجتمع المصري في أى وقت من الأوقات، طالما أن إمكانية توجيه الاتهام بمناهضة نظام الحكم إلى أي مواطن أمر وارد، في حالة اختفاء الرقابة على تصرفات الأجهزة الأمنية، أو على الأقل ضعف هذه الرقابة.
فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس" 1979
أولاً: بيانات توثيقيه
الإنتاج: أم كلثوم الحميدي
الإخراج: حسين كمال
القصة: عن واقعة حقيقية في كتاب "حوار خلف الأسوار" للكاتب الصحفي "جلال الدين الحمامصي".
القصة السينمائية والسيناريو والحوار: فاروق صبري
التصوير: محسن نصر
المونتاج: رشيدة عبد السلام
الموسيقى والألحان: بليغ حمدي
مهندس الديكور ومنسق المناظر: نهاد بهجت
التمثيل: عادل إمام (جابر)- عبد المنعم مدبولي (مرزوق)- مشيرة إسماعيل (مني)- عقيلة راتب (حفظية)- سعيد عبد الغني (رمزي)- يونس شلبي (على)- إبراهيم سعفان – وجدي العربي– إسعاد يونس- جمال إسماعيل (الشاويش عبد المعطي)- مظهر أبو النجا – رشوان سعيد- على الغندور- عدوي غيث- علية عبد المنعم – أحمد سلامة – عبد الحميد المنير- رأفت راجي- أبو السعود عطية – فيصل عزب – سيد محمود – رشوان مصطفى.
ثانياً: ملخص قصة الفيلم
عندما يتلقي الشاب المتعلم ذو الأصول الريفية "جابر" خطاب القوي العاملة يكلفه باستلام وظيفته في "جمعية الرفق بالحيوان" بالقاهرة فهو لا يشأ أن يصدم والديه بمضمون هذا الخطاب، بما يشير إليه من وظيفة؛ ذلك أن "جابر" خريج كلية العلوم قسم الجيولوجيا، وهو ما يعني بالنسبة لوالديه ولبقية الأسرة والعشيرة من أبناء قريته أنه مهندس بترول أو ما نحو ذلك من تنقيب عن المعادن في باطن الأرض المصرية لذلك فهو يخفى عن الجميع حقيقة مضمون خطاب القوي العاملة، يساعده على ذلك جهل أبويه بالقراءة والكتابة. ولما يستقر جابر في مسكن متواضع فوق أسطح إحدى العمارات القديمة في أحد الأحياء الشعبية، فإن زملاءه وأصدقاءه من الجامعة يصرون على الاحتفال الصاخب في مسكنه باعتباره "الروف" المناسب لذلك، وتحويل هذا الصخب إلى مظهر شعبي يتناسب مع ما أحضره " جابر" معه من أطعمة ريفية مشهورة، فيرتدي جميع الحضور الجلاليب، إناثاً وذكوراً ويتسبب صخبهم في إزعاج رب الأسرة التي تقطن تحت السطح مباشرة، وهو "مرزوق أفندي"، الموظف البسيط الذي يخشي من سقوط النجفة " الثريا " الكبيرة التي تزين مسكنه المتواضع، تحت وطأة أقدام الراقصين من الشباب الصاخب ضيوف "جابر". وعندما تفاقم الأمور، بزيادة الصخب يقرر "مرزوق" مواجهة الساكن الجديد لوضع حد لهذه المهزلة، ولما كان جابر قد تلقي درساً عملياً من الفتاة المجربة "سونيا" بأن يتصنع التعالي ويتخذ مظهر القوة (ولو على غير الحقيقة) فإن جابر يطبق ما يتعلمه بصورة مباشرة على مرزوق، الذي يتراجع أمام هذا المظهر، تحت وطأة الخنوع الذي يتلبسه في ظل الشعور القوي بالخوف من بطش السلطات، بحسب ما هو شائع بين العامة في عقد الستينيات، حيث يعتقد "مرزوق" اعتقاداً جازماً بأن هذا الساكن الجديد ما هو إلا أحد رجال المخابرات، وأن ضيوفه الصاخبين في جلاليبهم، ما هم إلا زملاؤه في العمل يرتدون ملابس العمل باعتبارهم متنكرين في أزياء شعبية.
ومنذ تلك اللحظة الفارقة في حياة مرزوق يعيش في وهم أن "جابر" رجل مخابرات، ربما يضعه تحت المراقبة، فيعمد للعمل على إرضاء هذا "الساكن الخطير" فيقرر على زوجته حفيظة أن نقرأ عبارات وفقرات من "الميثاق" بصوت مرتفع يصل إلى آذان رجل المخابرات، وأن يقتني عدداً من الملصقات التي تحمل الشعارات السياسية الخاصة بهذا الزمن، وأن يعلقها على جدران مسكنه بطريقة تسمح لمن يطرق باب المسكن، أو يمر به مفتوحا، بأن يطالع هذه الملصقات، باعتبارها دليلا ماديا على تأييد مرزوق أهل بيته لنظام الحكم القائم، بما يبعد عنه شبهات رجل المخابرات الساكن فوقه. ويعيش "مرزوق" وزوجته "حفيظة" تحت وطأة هذا الإحساس القاسي بالخوف من بطش السلطات.
وفي نفس الوقت بتسلم جابر عمله في جمعية الرفق بالحيوان وهو لا يدري إلى أي حد تجاوزت نتائج تصرفه مع "مرزوق"، في تلك الليلة الصاخبة، بحيث أنه أصبح مصدر إرهاب صباحي ومسائي، نهاري وليلي، "لمرزوق وحفيظة" معاً أما كل من "منى" وأخيها (ولدا مرزوق وحفيظة) لا يعلمان عن الأمر شيئا، وإنما تجمع الجيرة بين كل من "جابر" و"منى" فى علاقة حب شبابية، تحف بها للرغبة فى الاستكانة لقلب كل منهما إلى قلب الآخر، وهما يجهلان تماماً طبيعة المشاعر التي يحملها "مرزوق" نحو "جابر"، لذلك تتكرر اللقاءات العاطفية بينهما في الأماكن العامة. ويأتي صباح يوم يجمع بين "جابر" من جهة و"مرزوق" وإبنته "منى" من جهة أخري في موقف الأتوبيس القريب من منطقة سكنهم، فيبادر "مرزوق" بإبعاد أبنته سريعاً، مضحياً بأجرة "التاكسي"، خاصة عندما يقترب منه "جابر" متودداً، مما يثير توجس "مرزوق" وحفيظته تجاهه أكثر فأكثر، فهو لا يرى فى "جابر" سوى رجل مخابرات يريد أن يوقع به فى براثن التحقيق والاعتقال من خلال أية "زلة لسان" تتصل بأى أمر ذي طابع سياسى من قريب أو بعيد؛ مثل زحمة وسائل النقل العام أو التوظيف أو السلع التموينية، وما يشابه ذلك من أمور تتداولها الألسنة بصفة عامة. ولما يقلهما أتوبيس واحد معاً، يتناوبان الإصرار على دفع ثمن التذكرتين، ليرسو ذلك على "مرزوق"، الذى يثير حافظة محصل التذاكر بتقديمه لورقة عملة نقدية كبيرة، تدفع إلى نفاذ صبر المحصل، بعد أن عاصر مشاحناتهما على دفع ثمن التذكرتين، فيكتب إيصالاً بقيمة الباقي على ظهر أحد التذكرتين، مما يجعل "جابر" يعارضه مطالباً بالباقي نقدا، ليتحول الأمر إلى مشاجرة ثلاثية تجمع "جابر" و"مرزوق" فى معسكر، فى مقابل المحصل فى المعسكر الآخر، لينتهى الأمر بالثلاثة فى أقرب قسم للشرطة.
ولما كان الضباط القائمون على العمل بقسم الشرطة يعانون من ارتباك شديد، بسبب اكتظاظ القسم بعدد كبير من المعتقلين السياسيين بتهمة محاولة قلب نظام الحكم بالقوة، وهم يتوالى تسليمهم إلى القسم فى جماعات متتابعة، وفى نفس الوقت يقع هؤلاء الضباط تحت ضغط الأوامر بسرعة ترحيل هؤلاء المعتقلين إلى سجون اعتقالهم، فإن أحد الضباط يقرر الافراج عن محصل الأتوبيس حتى لا يتعطل بركابه، ويحتجز كلاً من "جابر" و"ومرزوق"، حيث يزج بهما حراس القسم داخل إحدى غرف الحجز الاحتياطى (التخشيبة)، بين عدد غير قليل من المسجونين السياسيين الذين تم القبض عليهم، ولا يزال يتوالى آخرون غيرهم، ومطلوب ترحيلهم إلى السجون. ومع مرور الوقت، وربكة العمل العشوائي داخل قسم الشرطة بمناسبة حملة الاعتقالات الجارية، وتغير الضباط بدون إجراءات تسليم وتسلم تثبت هوية المحتجزين وأسباب احتجازهم، ينتهي الأمر بترحيل كل من "جابر" و"مرزوق" ضمن المقبوض عليهم فى حملة الاعتقالات، ولا يستمع أى مسئول من ضباط القسم والقائمين على ترحيلهم إلى احتجاجاتهم بأنهم ليسوا من ضمن هؤلاء المعتقلين وأنهم لا يعدون أن يكونوا "بتوع الأتوبيس" الذين حضروا بسبب مشاحنة عابرة مع محصل المركبة العامة، ولكن صرخاتهم المدوية "إحنا بتوع الأتوبيس" تذهب سدى فى قسم الشرطة، كما تذهب سدى فى المعتقل السياسى، الذى يقوم على رئاسته وإدارته "رمزى بك"، ويعتمد فى قهر مسجونيه فيه على "الشاويش عبد المعطى"، الذى يؤدى دوره فى خدمة سيده باعتباره الجلاد الأول، معتقداً اعتقاداً راسخاً أنه يقوم على تأديب الخونة الذين يبيعون أوطانهم، بحسب ما يلقنه له رؤساؤه مثل "رمزى بك".
وفى المعتقل يلتقى كل من "جابر" و"مرزوق" بنماذج من المسجونين السياسيين الواقعين رهن الاعتقال، والذين يكابدون كل مظاهر التعذيب والقهر والإذلال البدنى والنفسى معاً (وإن كان الفيلم لا يصل إلى حد الاعتداء على الأعراض كما فى أفلام "الكرنك"، "وراء الشمس"، "حلاوة الروح")، وهى نماذج تجمع بين عدد من أعضاء المنظمات السياسية المناوئه لنظام الحكم القائم، وهى جميعها غير شرعية، استناداً إلي النظام السياسى للدولة القائم على الحزب الواحد (الاتحاد الاشتراكى)، ومن طلبة الجامعة، وهم هنا يجمعون بين الراغبين فى تغيير المجتمع سلمياً مثل الشاعر "محمود" والممثل "على"، والذين يرون أنه لا سبيل لتغيير المجتمع الا بتدميره من خلال مواجهات ذات طابع دموى. بالاضافة إلى رجل دين يتمثل فى ذلك الشيخ الملتحى المعمم، الذى يقدمه الفيلم منحازاً إلى التغيير السلمى للمجتمع.
ولما يحين الدور على استجواب كل من "جابر" و"مرزوق"، بعد طول معاناة من مظاهر التعذيب، مثل الاستقبال الأول للمسجونين باللكم والركل والصفع على الوجه والعنق والقفا .. الخ، ومثل حمامات الشمس المحرقة لساعات طوال مع منع الماء فى نفس الوقت، يبدأ "رمزى" باستجواب "مرزوق، الذى يحاول أن يوضح سوء التفاهم الذى أتى به وزميله "جابر" خطأ إلى هذا المكان، إلا أن "رمزى" يعتقد أن "مرزوق" يحاول أن يضلله، فيعمل على تحوير أقواله لتتسق مع تهمة قلب نظام الحكم، وهو ينسب إليه تهمة طبع منشورات سياسية معادية للنظام والقيام بتوزيعها على ركاب الأتوبيس، ولكن "مرزوق" يفطن لمحاولة "رمزى"؛ فيرفض التوقيع على محضر التحقيق المزور، فينتهى الأمر به إلى أن يقع فريسه لتعذيب الجلاد الرسمى للمعتقل "الشاويش عبد المعطى". ويتكرر نفس الموقف مع "جابر"، الذى يكتشف هدف "رمزى" بأسرع من "مرزوق"، فيرفض التوقيع على اعتراف بطبع منشورات سياسية معادية وتوزيعها، فينتهى أمره هو أيضاً إلى "الشاويش عبد المعطى"، الذى يقوم على جلده بقسوة. وبينما يتلقى الرجلان جرعات متتالية من التعذيب والقهر البدنى والنفسى، فإن الزوجة "حفيظة" والإبنة "منى" وشقيقها يجدون فى البحث عن الزوج والأب الغائب. ويزداد عبء البحث الواقع على كاهل الابنة الشابة "منى"، حيث تتطوع للبحث عن حبيبها "جابر" أيضاً. ولما كانت الإبنة وأخوها لا يعلمان شيئاً عن الهواجس التى باتت تسكن صدرى والديهما تجاه "جابر"، فإنهما (الإبنة والإبن) لا يشعران بمقدار الهلع الذى تشعر به الأم "حفظية"، وهى تعتقد أن اختفاء الزوج المقترن باختفاء "جابر"، هو رهين بشخصية "جابر"، باعتباره (فى اعتقادها) واحداً من رجال المخابرات، قام باصطياد زوجها بطريقة أو بأخرى ليختفى هكذا فجأة.
وتحت وطأة القهر والتعذيب، يمتثل كل من "مرزوق" و"جابر"، على التوالى، لرغبة "رمزى بك" ويقوم كل منهما بالتوقيع على الاعتراف المزور المنسوب إليه. وإذا كانت "حفيظة" وولدها يعانون فراق الزوج والأب "مرزوق"، فإن الوطأة تزداد ضراوة بسبب انقطاع مصدر دخل الأسرة وهو مرتب الزوج الغائب، حيث يتم وقف مرتبه باعتباره غائباً عن العمل ومنقطعاً عنه بدون إذن وبدون عذر مقبول، فتقرر الإبنة الانقطاع عن الدراسة للانخراط فى العمل، ولكن الأم تمنعها وهى تبدأ فى بيع أثاث منزلها.
وتحت وطأة التعذيب الشديد (كالعادة) يموت الطالب الجامعى الشاعر "محمود" بين ذراعى "مرزوق"، الذى يتسبب ذلك الحادث الجلل فى جلاء بصيرته، ليصبح مواطناً ايجابياً، ربما للمرة الأولى فى حياته، وليس فى الفيلم فقط، وترتج الشاشة السينمائية بصياح عدد كبير من المسجونين وهم يرددون أن "محمود" قد مات. ولما يشعر "رمزى" بخطورة الموقف، فإنه يجمع المسجونين فى الفناء المتسع وهو يعرض جثمان "محمود"، باعتباره قد تعرض للموت بسبب تكرار محاولات هروبه، ولكن "مرزوق" يقود مظاهرة عارمة ضد "رمزى"، خاصة عندما يطالبهم الأخير بالتوقيع على إقرار بموت "محمود" أثناء محاولة الهروب، ويبدأ المسجونون فى محاصرة "رمزى"، مما يدفع "الشاويش عبد المعطى" لاطلاق نيران مدفعه الرشاش عليه ثأراً لمحمود وبقية المسجونين ولنفسه، باعتباره عاش مخدوعاً بشعارات زائفة وتعليمات مزيفة، إلا أن بقية الحراس المحاصرين المكان يسارعون باستخدام أسلحتهم النارية، لكى تتحول ساحة السجن إلى مذبحة بشعة، تتساقط فيها أجسام المسجونين وعدد من جلاديهم فى نفس الوقت، فكما بدأ الأمر بالقبض العشوائى، ينتهى أيضا بمذبحة عشوائية، لا فرق.
3- القضايا التى يثيرها الفيلم من وجهة نظر حقوق الإنسان (السجون والنزلاء)
مرة أخرى نكرر أنه إزاء فيلم سينمائى مصرى يتخذ من تعذيب المسجونين مادة أساسية لتكوين أحداثه ووقائعه، فإنه لا مناص لنا من تكرار الإشارة إلى موقف القوانين والمعاهدات والمواثيق الدولية فى هذا الشأن، وهو ما سبق أن أشرنا إليه تفصيلاً فى الورقة البحثية الخامسة، وركزنا عليه بإيجاز فى الورقة البحثية السادسة عن "السينما المصرية وحقوق الإنسان"، فذكرنا أنه استناداً إلى نصوص الإعلان العالمى لحقوق الإنسان فى ديسمبر 1948، ينص العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية فى مادته العاشرة (فقرة أولى) على أن: "يعامل جميع المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية تحترم الكرامة الأصيلة فى الشخص الإنساني"، وهو الأمر الذى يعيد الدستور المصرى التأكيد عليه فى مادته الثانية والأربعين التى تقرر أنه: "كل مواطن يقبض عليه أو يحبس أو تقيد حريته بأى قيد، يجب معاملته بما يحفظ عليه كرامة الإنسان، ولا يجوز إيذاؤه بدنياً أو معنوياً". كما تعرف "اتفاقية مناهضة التعذيب" مفهوم "التعذيب" ذاته بأنه: "أى عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسدياً كان أم عقلياً، ويلحق عمداً بشخص ما؛ بقصد الحصول من هذا الشخص أو من شخص ثالث على معلومات أو على اعتراف أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه فى أنه ارتكبه هو أو شخص ثالث" (ملحوظة: يمكن الرجوع فى شأن النصوص السابقة جميعاً إلى تقرير فريق العمل بمركز حقوق الإنسان لمساعدة السجناء بعنوان "دفاعاً عن حقوق السجناء"، طبعة أولى، يناير 2002، ص 161-162).
ويحقق فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس" عدداً من الملاحظات التى من شأنها أن توضع فى الاعتبار، عند تناوله من وجهة نظر القضايا التى يثيرها من ناحية "حقوق الإنسان"، خاصة "حقوق السجناء"، خاصة أن وقائع فيلم هذه الندوة الثامنة لابد أن تدعو إلى فكرنا فيلمى "الكرنك" و"وراء الشمس" فى مواضع تماس متكررة ومتعددة، وفيلم "حلاوة الروح" فى بعض المواضع.
أولاً: يثير فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس" القضايا الثلاث التقليدية فى مجال العلاقة بين الأجهزة الأمنية والمواطنين فى أحوال الضبط والقبض والاحتجاز والتحقيق والمعاملة أثناء هذه الاجراءات وهى قضايا "الاختفاء القسرى" و"التعذيب" و"الاعتراف تحت ظروف الإكراه".
1- فنحن نواجه نوعاً مستجداً من حالات الاختفاء القسرى للمواطنين، فى فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس"، فما واجهناه فى أفلام سابقة، خاصةً مثل فيلم "الكرنك"، هو قيام رجال تابعين للأجهزة الأمنية بالقبض على المواطن واقتياده من مسكنه أو مكان عمله (أو دراسته أيضاً..الخ) وحجزه للتحقيق معه فى مكان غير معلوم لذويه؛ الذين يجهلون الجهة التى يتبعها من يقبضون عليه، ولا المكان الذى يحتجز فيه، ولا سبب القبض عليه أو التهمة المنسوبة إليه. أما فى فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس"، نلاحظ أن بطلينا "جابر" و"مرزوق" يذهبان إلى قسم الشرطة فى مشاجرة عادية يشكلان فيها طرفاً ويشكل محصل التذاكر بالأتوبيس الطرف الآخر فيها. ولأن قسم الشرطة يموج بحركة غير عادية فى ذلك اليوم، بسبب النشاط العالى للأجهزة الأمنية فى القبض على عدد كبير جداً من الأشخاص المنسوب إليهم الاشتراك فى مؤامرة لقلب نظام الحكم، فإن خلطاً خطيراً يقع من ضباط القسم، ينتهي بإدراج كل من "جابر" و"مرزوق" ضمن المقبوض عليهم فى هذه الحملة الأمنية ذات الطابع القمعي، التى تستهدف عدداً كبيرا من الناشطين السياسيين المصريين فى ذلك الوقت.
والحقيقة أن حالات الاختفاء القسرى التى شاهدناها فى عدد من الأفلام السابقة مثل "الكرنك" و"وراء الشمس"، تتعلق بأسباب تحمل وجهات نظر مقبولة من حيث المنطق العادي للأمور فى هذا المجال، أى أن هناك من يقوم بعملية القبض والاحتجاز استناداً إلى سبب معين، سواء كان حقيقياً أو وهمياً ملفقاً. أما فى فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس" فإن سبب الاختفاء القسرى هنا يبدو عبثياً تماماً، فمجرد تواجد الشخصية مصادفة بمقر مخفر الشرطة، ينتهي بهما إلى الاعتقال بتهمة سياسية لا علاقة لأى منهما بها على الاطلاق.
2- وتعرض المقبوض عليهم للتعذيب أثناء احتجازهم، لا يعد بالنسبة لمشاهدى أفلام "الكرنك" (وتوابعه مثل "وراء الشمس" و"حلاوة الروح") شيئا جديداً بصفة إجمالية، فهناك الجلد، ومنع المياه، والركل والصفع واللكم، والجديد من نوعه فى هذا الفيلم هو تقديم اصطلاحات خاصة بالتعذيب يتداولها القائمون على المعتقل من قادة وجلادين، فهناك "الترويق"، ويقصد به حفل الاستقبال الترهيبى التعذيبى الذى يلاقيه المعتقلون عند وصولهم للسجن لأول مرة، بما ينالونه من ركل ولطم ولكم وصفع، مع ما يسمعونه من ألفاظ الشتم والسب. وهناك "التكييف"، الذى يقصد به الانتقال إلى مرحلة أعلى من التعذيب، عادة ما تتضمن الجلد بصفة أساسية فى هذا الفيلم. وهناك آخر مراحل التعذيب وهى مرحلة "الافراج"، التى يقصد بها الوصول بتعذيب المسجون "السياسى" إلى حد الموت الذى يرى فيه المعذبون نوعاً من الخلاص من هذا العذاب. ويقدم الفيلم جديداً ممثلاً فى "حمام الشمس"، الذى يعنى الوقف تحت لهيب الشمس الحارق لمدة تصل إلى ما يتجاوز الخمس ساعات مع رفع الذراعين لأعلى فى نفس الوقت. وهناك أيضاً القهر المعنوى للمسجون الذى يمتثل لأوامر جلاديه ليمثل دور أحد الحيوانات ترفيهاً عن الجلاد وإذلالاً للمسجون إلى حد الثمالة، فيقوم "مرزوق" بأداء دور "الكلب"، حيث يقوم بالسير على ساعديه وركبتيه (على أربع) ويسحبه أحد الجلادين من عنقه بحبل موثق حوله، وينبح بالفعل تقليداً للكلاب، وهو يردد من حين لآخر إجابة على تساؤل مأمور المعتقل "أنا كلب يا رمزى بك". أما "جابر" فهو يؤدى دور "القرد" الذى يقوم بالترفيه عن العامة فى الطرق، فيتراقص على نغمة "أرقص أرقص يا ميمون"، على صفيح ساخن يلهب قدميه العاريتين، ثم يؤدى حركات "عجينة الفلاحة "و"نوم العازب"، ونحن نتابع مع الفيلم إلى أى حد عبثي يمكن أن تنتهك كرامة الإنسان.
والتعذيب فى فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس" من الممكن أن ينتهي بالمسجون المعذب إلى الجنون، فهناك مسجون يصل به تعذيبه إلى حد الجنون، خاصة وهو يعاصر موت أحد رفاق محبسه بسبب التعذيب (أبو فتحي) فيتصور أن "أبو فتحي" يأتيه من العالم الآخر (من حين لآخر) حاملاً معه الصحف وبعض الطعام. ولكن التعذيب يصل فى حده الأقصى –كما ذكرنا من قبل- إلى ما يسمى بمرحلة "الافراج"، أى إلى موت المسجون على أثر ما يتلقى من تعذيب مثل الشخصية التى لا نراها وهو "أبو فتحي"، وشخصية أخرى تتعايش معها وهو للشاعر الجامعي "محمود".
3- وعادة ما يكون الغرض من تعذيب المسجونين السياسيين هو الحصول على اعترافات موقعة منهم بالتهم والجرائم السياسية المنسوبة إليهم، وهى فى العادة تتصل بفكرة تغيير نظام الحكم بالقوة، وما يتصل به من جرائم التحريض وبث المنشورات المناهضة لنظام الحكم وحيازتها، وحيازة الأدوات والمواد الخاصة بالتفجيرات أو حيازة الأسلحة النارية أو الأسلحة البيضاء، وهكذا. وفى فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس" يقتصر الغرض من التعذيب على الحصول على توقيع باعترافات بتهم الشروع أو التآمر لقلب نظام الحكم بالقوة.
والحقيقة أن السعي وراء الحصول على هذه الاعترافات، حتى ولو بالتزوير، يأتى استناداً إلى ظاهرة تستشري فى نظم الحكم الشمولية، أو ذات الطابع الشمولي (حتى ولو ادعت غير ذلك) حيث تسعى أجهزة الأمن المختلفة إلى إيهام الحاكم بتعرضه لخطر من أعداء (حقيقيين أو وهميين) وأن هذه الأجهزة الأمنية هى الوحيدة القادرة على حمايته من هذا الخطر وإنقاذ نظام حكمه منه. ومن العجيب أنه مع تعداد أجهزة الأمن فى الدولة، يقوم نوع من التنافس بينها فى إيهام الحاكم بالخطر وإيهامه بحمايته منه، وكان التنافس فى مصر، خاصة فى عقد الستينيات، قائماً بين جهازى "المخابرات العامة" ذي السطوة القوية، و"المباحث العامة/ البوليس السياسى" ذي السطوة الأقل قوة وإن كانت ليست أقل عنفاً فى العادة. وفى كل الحالات تنتهي هذه الممارسات المشبوهة برفع درجة سطوة هذه الأجهزة الأمنية، ومنح قيادتها امتيازات مادية وأدبية مبالغاً فيها.
ثانياً: نستطيع أن نرصد عدداً من المشاركات السردية الخاصة بأفلام ما عرف باسم "مراكز القوى"، يشترك فيها فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس" مع أفلام سبق أن شاهدناها (خاصة من خلال برنامج هذه الندوات) مثل "الكرنك" و"وراء الشمس" و"حلاوة الروح".
1- فكل من الأفلام الأربعة يشير إلى النشاط السياسى لطلاب الجامعات؛ باعتباره سبباً للقبض عليهم واعتقالهم، ومن ثم تعذيبهم (إلى حد الموت أحياناً)، وإن اختلفت طبيعة النشاط السياسى للطلبة من فيلم لآخر: فهم ينتمون إلى المنظمات السياسية التابعة للحزب الحاكم الأوحد (الاتحاد الاشتراكى) ولكنهم من ذوى الآراء المتحررة (الكرنك) أو يتظاهرون رفضاً للهزيمة ومطالبة بفحص أسبابها ومحاكمة مسببيها محاكمة عادلة تتناسب مع الجرم فى حق الوطن الجريح بعد حرب عام 1967 (وراء الشمس) أو يعلنون عن الرغبة فى تغيير المجتمع وتحقيق العدالة الاجتماعية الفعلية وليست الإعلامية (حلاوة الروح) أو يقدمون أعمالاً فنية تحمل روح المعارضة والبحث عن أساليب جديدة للحكم وتحقيق العدالة الاجتماعية، وآخرون يعلنون عن الرغبة فى تغيير نظام المجتمع وحكمه بالقوة (إحنا بتوع الأتوبيس).
2- ويشترك فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس" مع فيلمي "الكرنك" و"وراء الشمس"، فى وجود علاقة شبه مباشرة بين أحداث الفيلم ووقائعه السردية وبين حرب يونيه 1967، ففيلم "الكرنك" يشير إلى أن قهر المواطن وإذلاله هو الطريق المناسب لهزيمة الوطن العسكرية، فالمواطن الذى تهزمه السلطة الباطشة لا يستطيع أن ينتصر فى ميدان المعركة العسكرية. وفيلم "وراء الشمس" يقوم على مطالبة الوطنيين المصريين، من قادة عسكريين مخلصين وطلاب جامعة متحمسين، بمحاكمة المتسببين فى الهزيمة العسكرية للوقوف على أسبابها الحقيقية. وفى فيلم "إحنا بتوع ا لأتوبيس" يتزامن القهر مع الهزيمة، ويتسق الكذب على الحاكم بشأن أعداء الوطن فى الداخل (أصحاب النشاط السياسى أو الفكر السياسى المناوئ لنظام الحكم) مع الكذب عليه، بل وخداعه، بشأن مواجهة أعداء الوطن فى الخارج على حدوده الشرقية (أكبر الكاذبات وأخطرها فى التاريخ المصرى والعربي المعاصر حتى الآن) ومن ثم يستمع المسجونون إلى البيانات العسكرية المضللة عن الانتصار الوهمي المزعوم بإسقاط العشرات من طائرات العدو الإسرائيلي وهم داخل زنزاناتهم، ثم يستمعون إلى خطاب التنحى بصوت رئيس الدولة وزعيم الأمة وهو يعلن حقيقة الهزيمة المروعة. والحقيقة أن الفيلم يشير
(إشارة غامضة) إلى أن خطاب التنحى يعد فى حد ذاته مفتاحاً لبداية تفتح الوعى لدى "مرزوق" (على الأخص) ولدى "جابر"، وإن كان الأكثر وضوحاً فى هذا الشأن (خاصة بالنسبة إلى "مرزوق") هو موت الشاعر الشاب "محمود".
3- وهناك نوع من التشابه فى عدد من الشخصيات المتناظرة فى الأفلام الثلاثة "الكرنك"، "وراء الشمس"، "إحنا بتوع الأتوبيس"، وهو تناظر يتسق مع الموضوع الرئيسى للأفلام الثلاثة، وهو ممارسات مراكز القوى ضد المواطنين، لذلك لابد أن نتقابل مع قائد فريق التعذيب عادة (خالد صفوان/ الكرنك/ رجل المخابرات الأول، العميد الجعفري/ وراء الشمس/ مدير السجن الحربى، رمزي/ إحنا بتوع الأتوبيس/ قائد أو مأمور المعتقل) ولابد أن نتقابل مع نماذج من المواطنين الذين أشرنا إليهم، يتعرضون لبطش الأجهزة الأمنية ذات الطابع القمعي (طلبة جامعيون- أساتذة جامعيون- ناشطون سياسيون- مواطنون يتم القبض عليهم عشوائياً باعتبارهم من الناشطين السياسيين على غير الحقيقة). إلا أن ما يمكن ملاحظته بالأكثر هو ذلك التشابه القوى بين شخصيتي الجلادين فى فيلمي "وراء الشمس" و"إحنا بتوع الأتوبيس"، أى "الصول عبد الحق" فى الفيلم الأول، و"الشاويش عبد المعطى" فى الفيلم الثانى، فكلاهما ينتهى به الأمر إلى التعاطف مع المسجونين السياسيين، خاصة الطلبة الجامعيين منهم، وكل منهما ينتهي به المطاف إلى الثورة على قائد المعتقل، وإن كان الأول يسقط صريعاً بدون أن يطلق طلقة رصاص واحدة، فى مقابل أن الثانى يبادر بإطلاق الرصاص من مدفعه على مأمور المعتقل "رمزي"، ثم يسقط صريعاً برصاصات زملائه حراس المعتقل وسط المذبحة الدموية المروعة.
4- وتشترك الأفلام الثلاثة "الكرنك"، "وراء الشمس"، "إحنا بتوع الأتوبيس" فى النهاية الفيلمية الحقيقية (بغض النظر عن النهايات المرئية، خاصة فى فيلمي "الكرنك"/ حرب أكتوبر 1973، "إحنا بتوع الأتوبيس"/ أغنية تتغزل فى الوطن على مشهد من طبيعة الأرض المصرية) فالنهاية الحقيقية للأفلام الثلاثة تنحصر فى واقعتين متصلتين ببعضهما البعض وهما ثورة المعتقلين على جلاد يهم، والمذبحة الدموية التى تحصدهم بغرض قمع هذه الثورة. ففى فيلم "الكرنك" يثور المعتقلون على جلاد يهم بينما يسقط أحدهم صريعاً تحت وطأة ضرب الهراوات من الجلادين فى مشهد يحول ساحة المعتقل إلى ما يشبه المذبحة، وإن كان الفيلم يشير إلى تنحية "خالد صفوان" والقبض عليه وحبسه مع مسجونيه السابقين؛ لمحاكمته عن جرائمه. وفى فيلم "وراء الشمس" يتجمع المسجونون فى ساحة السجن الحربى ثائرين على قائده "الجعفري" ورجاله الجلادين، مما يدفع "الجعفري" لاطلاق الرصاص عشوائياً على المسجونين الثائرين، فيثور عليه "الصول عبد الحق" الذى يسقط صريعاً برصاص "الجعفري" بعد مصرع "وليد" ومحاولة قتل "الدكتور حسام" الأستاذ الجامعى، حيث يتوقف الفيلم عند تحذير هذا الأستاذ لجمهور المشاهدين بأن هذه الدماء هى مسئولية الجميع، وتحذير آخر يسطره مخرج الفيلم مكتوباً على الشاشة، من أن يتكرر ذلك الذى يحدث مرة أخرى. وينتهى فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس" بثورة المسجونين على جلاد يهم بقيادة "رمزي"، عندما يندفع "مرزوق" معترضاً مقولة مأمور المعتقل بهروب "محمود" وموته أثناء محاولة هروبه، فيتبعه بقية المسجونين ثائرين، وعندما يحاول "رمزي" أن يفتك بمسجونيه بواسطة جلاد يه، يثور عليه "الشاويش عبد المعطى" ويصرعه بمدفعه، لكى ينتهي الأمر بمذبحة يسقط فيها عدد كبير من المسجونين الثائرين وفى مقدمتهم "مرزوق" و"جابر".
5- وقد سبق أن أشرنا إلى فكرة اشتراك "أفلام مراكز القوى" فى مسألة إيهام الحاكم بوجود مؤامرات تحاك ضده أو ضد نظام حكمه، لكى تحصل هذه المراكز على امتيازات متزايدة فى السلطة.
ثالثاً: تأملات فيلمية خاصة
1- لا تتعرض متعتنا بمتابعة هذا العمل الفنى لقلق كبير، بسبب ما قد يشوب صياغته السردية أو إخراجه من ملاحظات لا تغيب على صانعي الفيلم. ففى مجال الصياغة السردية تشير الإبنة "منى" فى حديثها إلى الأم "حفيظة" أنها قد ركبت الأتوبيس وتركت أباها على محطته مع "جابر"، فى حين أن الفيلم سبق أن قدم مشهداً هاماً وله دلالته المعنوية، خاصة فيما يتعلق بمشاعر الأب "مرزوق" تجاه جاره "جابر"، وهو أن الأب بمجرد أن يرى "جابر" على محطة الأتوبيس صباحاً، يراوده الخوف على ابنته، فيدفع بها لركوب سيارة أجرة (تاكسي) وهو يدس فى يدها أجرة هذا التاكسي، فتطيعه على مضض، لأنها ترغب (بالطبع) فى صحبة "جابر" لهما، فكيف لها أن تذكر أنها ركبت أتوبيساً وتركت أباها على المحطة صحبة "جابر"؟ وإذا كان جابر يسكن الشقة الصغيرة المتواضعة التى تشغل جزءاً من سطوح البيت فوق شقة "مرزوق"وأسرته، فكيف يتأتى وجود سلم صاعد بجوار باب شقة السطوح الذى هو آخر مطاف الدرج فى هذه العمارة الشعبية المتواضعة ؟.
2- هل لنا أن نلاحظ أن فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس" هو الفيلم الوحيد (من أفلام برنامج هذه الندوة حتى الآن) الذى يخلو من الإشارة إلى الانتهاكات الجنسية التى يمكن أن يتعرض لها المسجونون أو ذويهم وعلى أيدي رجال مراكز القوى أو أتباعهم؟
3- ترى هل كان يمكن لمحصل الأتوبيس إن يلقى نفس مصير "مرزوق" و"جابر" ولو لم يفرج ضابط القسم عنه، تحوطا منه لعدم تعطيل ركاب الأتوبيس؟ أم أنه كان يمكن أن يتغير مصير الرجلين لو صحبهما المحصل إلى المعتقل؟
4- من المناسب أن نتذكر معاً أن صناع الفيلم قد اختاروا له نهاية تختلف تماماً عن نهاية القصة التى يرويها "جلال الدين الحمامصى" فى كتابه "حوار خلف الأسوار"، فالأمر فى النص المكتوب ينتهي بالافراج عن الرجلين بعد أن ذاقا عذاب المعتقل، وفى المقابل فى الفيلم ينتهي المطاف بالرجلين وهما يسقطان صرعى بين عدد من شهداء وقتلى المذبحة الدموية التى ينتهي بها الفيلم رداً على ثورة المسجونين.
5- هل يمكن أن تتغير استساغتنا للبناء الدرامى للفيلم لو تغير أسلوب تقديم طلبة الجامعة خلال السرد الفيلمى؟ فالفيلم يقدم لنا هؤلاء الطلبة ونشاطهم السياسى، سواء من خلال العمل الفنى أو من خلال إعلان التمرد على أسلوب الحكم ثم القبض عليهم، فهل يختلف الأمر (خاصة إلى الأفضل- ربما) لو يقدم لنا لفيلم هؤلاء الطلبة من خلال السجن، ثم يطلعنا على ملابسات وجودهم فى هذا المعتقل وماهية الأسباب وراء القبض عليهم، حتى لا يخرج بنا السرد الفيلمى عن خط متابعة الشخصيتين الرئيسيتين "مرزوق" و"جابر" على نحو يتعارض مع ضرورة متابعتنا لهما بحسب الخطة التى يختطها صناع الفيلم منذ بدايته حتى نهايته، عدا القبض على الطلبة وهوجة القبض على عدد آخر من المواطنين فى مكاتب وظائفهم أو فى حقول فلاحتهم، وهكذا.
4- القضايا الفنية
بالاضافة إلى ما سبق ذكره، نستطيع أن نلاحظ أن فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس" يثير عدداً آخر من القضايا الفنية، سواء من حيث تقديم عمل فنى سينمائى عن مراكز القوى من خلال "الكوميديا السوداء"، وهو أسلوب مستحدث فى هذا الاتجاه السينمائى الذى يشكل تياراً سينمائياً له مواصفاته الخاصة فى عقد السبعينيات من القرن العشرين (على وجه خاص). ولعل نجاح الفيلم من خلال هذا "القالب الفكاهى الأسود "هو الذى أثار حفيظة عدد من نقاد السينما المصرية، الذين لا يرون فيه سوى هجوم على الحقبة الناصرية وتشف فى الهزيمة المصرية، وهو نوع من "التطرف النقدى" يسند إلى الفيلم أفكاراً لا يعتنقها ولا يقدمها، فالإشارة إلى قهر المواطن فى حقبة سياسية معينة لا تعنى الهجوم على منجزات هذه الحقبة، وعرض ردود الفعل الغاضبة الناتجة عن نفوس محطمة من القهر وهى تتأكد من حقيقة الهزيمة العسكرية ليس تشفياً فى الواقعة، بقدر ما هو تعبير فنى عن وقائع مر بها المجتمع المصرى فى هذه الظروف.

